المقالات

العدد 1840 - 15/01/2005


د. غازي جمجوم

المواطن السعودي أصبح يهتم بالنوعية فنجده حريصاً على تعليم أبنائه وبناته حتى المرحلة الجامعية



د. سعود الضحيان

من المتوقع انخفاض نسبة النمو في المجتمع السعودي نسبة لارتفاع مستوى المعيشة



د. خليل الخليل

مفهوم تنظيم الأسرة ما زال محصورا في شرائح محددة في المجتمع السعودي



د. صالح الرميح

لا يزال مجتمعنا بحاجة إلى التوعية بقضية تنظيم الأسرة



د. إبراهيم الشدي

لقد حدث تطور في وعي الأبوين حول متطلبات تربية الأطفال وهو تطور يدعو للتفاؤل



د. سلوى الخطيب

حب الإنجاب في مجتمعنا يستمد وجوده من عدة عوامل، دينية واجتماعية وثقافية


يعتبر المجتمع السعودي من المجتمعات التي تسجل أعلى نسبة مواليد في العالم اليوم. وعلى الرغم من النعم الوفيرة التي حبا الله بها هذه البلاد، إلا أن مسألة تنظيم الأسرة لم تعد بسبب العامل الاقتصادي وحده، بل ترتبط بمتطلبات الحياة العصرية حيث خروج المرأة للعمل ونوعية التربية والتعليم المطلوب للأبناء كيف ينظر المجتمع السعودي لمسألة تنظيم الأسرة وإلى أي مدى تطور هذاالمفهوم؟ وما مدى الوعي الإنجابي لدى الأسر الشابة وإلى أي مدى يطبق مفهوم تنظيم الأسرة في هذه الأسر؟ وهل تغيرت نظرة المجتمع التقليدية لمفهوم الأسرة من الكم إلى الكيف؟

معرفة كيف ينظر المجتمع السعودي إلى تنظيم الأسرة في أي فترة من الفترات تحتاج إلى دراسة استقصائية على عدد من الأسر التي تمثل مختلف شرائح المجتمع في كافة مناطق المملكة خلال تلك الفترة كما يرى د.غازي جمجوم. وفي غياب ذلك يمكن استعمال المؤشرات الأساسية التي تعلنها الدولة أو الهيئات العالمية مثل الأمم المتحدة والتي تشمل نسبة الزيادة السكانية ومعدل الإنجاب (عدد الأطفال لكل امرأة) ومدى استعمال وسائل منع الحمل. ويبدو من الإحصاء السكاني الأخير الذي أجري هذا العام أن معدل الزيادة انخفض من أكثر من 3% إلى حوالي ,25%. أما عن وسائل منع الحمل فهي متوفرة بسهولة ويبدو أن استعمالها منتشر، وكذلك بالنسبة للرعاية الصحية الأولية التي تساهم في التوعية بوسائل تنظيم الأسرة والإرشاد إلى طرق استعمالها، وكل هذا يؤيد القول بأن المجتمع السعودي يمارس تنظيم الأسرة بصورة متزايدة وإن كان ما زال بعيداً عن الوصول إلى مستوى الدول التي خففت من معدل زيادتها السكانية بصورة كبيرة مثل ماليزيا أو الدول الصناعية في أوروبا وأمريكا واليابان وغيرها التي وصلت إلى تحقيق توازن تام واستقرار في عدد السكان. ولا شك أن مفهوم تنظيم الأسرة في المملكة قد تطور كثيراً خلال السنوات الماضية مع انتشار التعليم، وخاصة تعليم البنات وارتفاع مستوى الوعي وانخراط المرأة في العمل خارج المنزل والاحتكاك بالعالم الخارجي وفي الواقع تنظيم الأسرة يتأثر بمعدل الوفيات بين الأطفال وبالحالة الاقتصادية، فعندما تزداد الوفيات بين الأطفال يرتفع معدل الإنجاب لتعويض النقص الحاصل، وكذلك يزداد هذا المعدل بعد الحروب، وعندما تسوء الحالة الاقتصادية يتجه الناس إلى تقليص حجم الأسرة لكي يصبح في مقدورهم إعالة أبنائهم وعكس ذلك يحدث في زمن الوفرة الاقتصادية والرفاه.

التوعية الإنجابية

ويمكن إرجاع معدل الزيادة المرتفع في المملكة إلى الانخفاض الكبير في معدل الوفيات بين الأطفال الذي حدث خلال الخمسين سنة الماضية نتيجة التقدم الصحي. كما أن فترة الطفرة التي عاشتها المملكة خلال السبعينات وبداية الثمانينات شجعت الناس على الإنجاب لوفرة المال وتوفر الرعاية الصحية والتعليم بدون مقابل وكذلك توفر الوظائف الحكومية بسهولة. ومع انتهاء الطفرة وانخفاض معدل النمو الاقتصادي ظهرت آثار الزيادة السكانية العالية في نقص المقاعد الدراسية في المدارس والجامعات وارتفاع مستوى البطالة وانخفاض متوسط دخل الفرد فنتج عن ذلك ازدياد الشعور بضيق العيش والفقر. وقد اتجه الجيل الجديد في السنوات الأخيرة على ما يبدو إلى تخفيض حجم الأسرة ولكن أثر ذلك لن يظهر إلا بعد فترة. والحقيقة أن المجتمع السعودي، مثل أغلب المجتمعات الإسلامية والنامية يميل إلى زيادة الإنجاب فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا وكثرة أفراد العائلة أو القبيلة ترفع من مكانتها الاجتماعية، كما أن الأطفال كانوا يشكلون عوناً للأسرة في الزراعة وغيرها من الأعمال التي تتطلب اليد العاملة. ولكن ذلك تغير في الوقت الحاضر فزادت متطلبات المعيشة الكريمة وأصبحت مسؤولية تربية الأطفال عبئاً لا يستهان به. وهذه الظاهرة ليست محلية بل إن الزيادة السكانية أصبحت من أهم المشاكل العالمية لأن الكرة الأرضية أخذت تضيق بسكانها. والإسلام يمنع تحديد النسل لأنه يتدخل في حرية الناس ويساوي بين أشخاص تختلف ظروفهم المادية والمعيشية اختلافاً كبيراً ولذلك فمن المستحيل أن يكون التحديد عادلاً أو مقبولاً، بخلاف تنظيم الأسرة الذي سمح به الإسلام لأنه يترك الخيار للناس ويراعي ظروفهم وأحوالهم. وقد حث الإسلام على الرضاعة الطبيعية وهي من وسائل المباعدة بين الأبناء كذلك لم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة من استعمال "العزل" وهي وسيلة أخرى من وسائل تنظيم الأسرة ولكن الإسلام حرم الإجهاض بعد تكوين الجنين. ولا شك أن تنظيم الأسرة تزداد أهميته لدى الأسر الشابة التي تبدأ مسيرتها في هذه الأيام وتواجه صعوبات الحياة المتزايدة، فهذه الأسر تحتاج إلى التوعية الإنجابية بصورة أكبر لكي توازن بين إمكانياتها وطموحاتها.

عوامل ثقافية

والمعروف أن مجتمعنا يواجه العديد من التحديات في طريق التنمية، ومن أكبر هذه التحديات ارتفاع نسبة الخصوبة والفقر والبطالة وغيرها، فمتوسط النمو الطبيعي للسكان في المملكة 3% سنوياً وهذه النسبة تعتبر مرتفعة إذا ما قورنت بغيرها من الدول كما تعتقد د.سلوى الخطيب وأثرت هذه الزيادة السكانية سلباً على مجتمعنا إذ أصبح أكثر من 50% من السكان أقل من 15عاماً ويبلغ متوسط حجم الأسرة في الريف , 75أفراد وفي الحضر , 68أفراد، ولا شك في أن هذه المعدلات أدت إلى خلق مشكلات جديدة في مجتمعنا. والحقيقة أن حب الإنجاب يستمد وجوده في مجتمعنا من عدة عوامل دينية واجتماعية وثقافية واقتصادية، إذ يعتقد البعض أن تنظيم الأسرة يتعارض والدين وهذا ليس صحيحاً، فالدين لا يعارض التنظيم ولكن يعارض منع الإنجاب، أما من الناحية الاجتماعية ففي الماضي القريب ونتيجة للفقر الذي كان سائداً في شبه الجزيرة العربية كانت وفيات الأطفال مرتفعة للغاية فكانت المرأة تنجب عشرة أو اثني عشر طفلاً ولا يعيش منهم إلا اثنان أو ثلاثة فقط نتيجة لسوء التغذية وضعف الخدمات الطبية وعدم توفر الدواء وغيرها. فكانت الأم تقوم بعملية إحلال طبيعية فهي تنجب أكبر عدد ممكن من الأبناء لأنها تعلم بأنها ستفقد الكثير منهم بعد حين. أما من الناحية الاقتصادية فإن نمط الحياة في السابق والنشاط الاقتصادي السائد وهو الرعي أو الزراعة كانت تحتاج إلي مساهمة كل فرد في الأسرة كبيراً أم صغيراً، لذا فإن المجتمع كان يشجع عملية الإنجاب. وثقافياً يعتقد البعض أن كثرة الإنجاب تعزز مكانة المرأة في الأسرة وتزيد من قوتها في اتخاذ القرار بالإضافة إلى أن البعض يعتبر الأبناء خاصة الذكور منهم عزوة يفتخر بها. لذا فإنه ولفترة طويلة كان هناك عملية إنجاب كبيرة ونسبة وفيات أطفال كبيرة فلم يكن هناك زيادة سكانية لأن هناك توازناً بين القادمين والخارجين من المجتمع، ولكن نتيجة لتحسن الخدمات الصحية من جهة، وتوفر الغذاء الجيد من جهة أخرى ارتفعت معدلات الإنجاب في مجتمعنا ارتفاعاً كبيراً، فرغم انخفاض معدلات وفيات الأطفال إلا أن معدلات المواليد ظلت كما هي، فما زال الكثيرون ينظرون إلى عملية الإنجاب من منظور كمي. فهم لا يفكرون في كيفية تربية هؤلاء الأبناء، وعملية الإنجاب في الدول الأخرى عملية مخططة يفكر بها الفرد عدة مرات فهو لا ينظر إلى الطفل كزيادة عدد فقط في الأسرة ولكنه يفكر في كيفية تربيته وتعليمه ليصبح عضواً منتجاً في المجتمع. وتؤكد الدراسات الاجتماعية على أن الطبقات الدنيا أكثر الفئات حباً للإنجاب رغم عدم مقدرتهم على رعاية أبنائهم مما يضطر الكثير من أولئك الأبناء إلى ترك المدرسة في سن مبكرة والانخراط في سوق العمل وأحياناً لا يجدون العمل المناسب فيميلون إلى التسول أو يلجأون إلى طرق منحرفة لكسب لقمة العيش كالسرقة أو النهب أوالسطو على المنازل وغيرها.

ضرورة التنظيم

ولذلك لا بد من الاعتراف بأن مجتمعنا السعودي لا يزال مجتمعاً يميل إلى البساطة ولا يزال ينظر إلى الأسرة على أساس أنها "عزوة" وانتماء وبالتالي فإنه يرى أن حجم الأسرة - مقارنة بغيرها - يعطيها نوعاً من القيمة الاجتماعية كما يشير د.صالح الرميح. وعندما ننظر إلى مجتمعنا في ظل التغيرات والتحولات الحضارية التي حصلت وانتشار التعليم الكمي والكيفي للفتاة والشاب إلى جانب الانتشار الثقافي والإعلامي وغيرها، ونزول المرأة إلى ميدان العمل، نجد أن المجتمع وبلا شك قد تأثر بذلك خصوصاً مع صعوبة الحياة التي لم تعد بسيطة كما كانت سابقاً (حيث التركيز على الأساسيات) فصار الآن ينظر إلى الجوانب الكمالية، وبالتالي أصبحت الحياة بطريقة أو بأخرى، تضغط على الفرد. فبدأ الجيل الجديد يميل إلى تنظيم الأسرة وبالتالي برزت الأسرة الصغيرة "الأسرة النووية" والتي أصبحت شبه طاغية الآن في مجتمعنا السعودي خاصة في المدن، ولو نظرنا إلى مدينة مثل الرياض فقط لوجدنا أن 60% من سكانها من الأسر الصغيرة. ولقد انخفض معدل نمو السكان في السعودية من ,379% خلال الفترة من (1394هـ - 1413هـ) إلى ,25% خلال الفترة 1413- 1425هـ) ومن ينظر إلى هذه النتيجة يعتقد أنها مؤشر بأننا نمتلك وعياً إنجابياً في حين أن هذا الوعي غير دقيق، إذ أن هذا الانخفاض لا يستند على ثقافة وتنظيم معينين، فالغالبية لا يوجد لديهم وعي تنظيمي في الإنجاب وبالتالي فإن هذه الإحصائية لا تعطينا مؤشراً بالوعي بثقافة التنظيم الإنجابي. ولا يزال مجتمعنا بحاجة إلى التوعية بقضية تنظيم الأسرة، فليست العملية مقصورة على كون الإنسان ينجب أم لا أو كثرة مرات الإنجاب، فالمهم جداً في مجتمع مسلم تدعوه الشريعة إلى الزواج المبكر والتكاثر - وهذا بلا شك له إيجابياته العظيمة - أن نعرف ضرورة التنظيم عندما يكون هناك ظروف عديدة فقد أُثر عن الصحابة قولهم: "كنا نعزل والوحي ينزل". وعدم التنظيم سيكون عملية مرهقة للأسرة من ناحية توفير المصاريف والاحتياجات الأساسية من تعليم جيد ومسكن مناسب وإشباع لحاجاتهم العاطفية.

برامج التوعية

فالتحولات وتغير ظروف الحياة التي تمر بكل مجتمع تؤثر بشكل أو بآخر في جانب أو أكثر من جوانب حياة هذا المجتمع كما يشير د.إبراهيم الشدي وهذا يندرج على المتغيرات التي مرت بالمجتمع السعودي خلال العقود القليلة الماضية، وأهمها انتشار التعليم وارتفاع مستوى الدخل والتواصل مع المجتمعات والشعوب الأخرى، ومن بين التحولات الاجتماعية في مجتمعنا ما يتصل بتنظيم الأسرة فمن يقارن بين متوسط عدد الأطفال في الأسرة السعودية خلال العقود الماضية والآن يلمس انخفاضاً في متوسط عدد الأطفال مما يدل على أن المجتمع السعودي أصبح يراعي ويهتم بموضوع تنظيم الأسرة حرصاً على ترتيب حياة كل من الزوجين والأطفال. وهناك تطور في مستوى وعي الأسر الشابة في التخطيط لحياتها، من ذلك ما يتصل بإنجاب الأطفال وتربيتهم إلا أن هذا الوعي ما زال محدوداً في عدد من يهتم به أو مستوى اهتمامهم، وما زال هناك حاجة إلى المزيد من برامج التوعية بالحياة الأسرية بشكل عام وما يتصل بتنظيم الأسرة بشكل خاص، ورغم أن قياس مستوى الوعي يحتاج إلى دراسة علمية ليمكن تحديد النسبة إلا أن المشاهدة والمتابعة تظهر أن مفهوم تنظيم الأسرة ما زال محدوداً لدى أعداد قليلة وليس واضحاً لدى الكثير من الأسر الشابة والكبيرة. فالمجتمع السعودي مجتمع تقليدي محافظ وما زال يعيش مرحلة "الأسرة الممتدة" كما يعتقد د.خليل الخليل، وهي الأسرة الواسعة التي تشترك في الممتلكات وفي صناعة القرارات. ومع تنامي الإحباطات وارتفاع نسبة البطالة ربما تزداد الأسر تمسكاً بنظام الأسرة الممتدة باعتباره "حزام أمن اجتماعي" يسهم في ترابط ومواجهة الحاجات المالية وذلك يعني أن مفهوم تنظيم الأسرة من الناحية الإنجابية ما زال منحصراً في شرائح محددة بالمجتمع السعودي. وبالرغم من أن الوعي الاجتماعي ينمو في السعودية بسبب انتشار التعليم والتأثير الإعلامي بكل أشكاله إلا أنه ما زال معنى "الأسر الناجحة السعيدة" غالباً في مجتمعنا، والنجاح للأسرة ليس بكثرة عدد أفرادها وإنما باستقامتهم وتعليمهم وإنتاجيتهم في مجتمعهم. والمجتمع السعودي تتنازعه اتجاهات متصادمة فهناك الاتجاه الديني التقليدي وهناك الاتجاه القبلي القديم وهناك الاتجاه الغربي، وهناك.. وهناك.. وهذه الاتجاهات تتجاذب مع عدم وجود مؤسسات بحثية استشارية توجه الشباب والشابات نحو الاتجاه الآمن السليم الذي يأخذ في الاعتبار الدين بمفهومه الرباني والمتطلبات الاقتصادية والصحية والاجتماعية. إلا أن د. سعود الضحيان يعترض على الذين يبحثون عن تنظيم للأسرة في الثقافات الأخرى وقد جاء الإسلام بتنظيم رباني يتمثل في الآيات التي تشير إلى أن حمل وفطام المولود يتطلب ثلاثين شهراً كحد أدنى و 33شهراً كحد أعلى. ولعل الكثيرين يمرون على هذه المدة مرور الكرام ولكن إذا نظرنا إلى هذه المدة نجد فوائد كثيرة تتمثل في أن الطفل يتغذى من لبن أمه غذاءً متكاملاً يحمل له جميع احتياجاته وتكوين علاقة قوية بين الطفل وأمه مما يساعد على استقرار الطفل نفسياً وعاطفياً واجتماعياً وصحياً. وكذلك من الفوائد عدم تدهور صحة الأم نتيجة الحمل المتكرر والإقلال من الغيرة لدى الطفل الذي يأتي له أخ ينافسه في حنان أمه خاصة في حالة عدم اكتمال فترة الرضاعة وفي حالة الحمل المتتالي يفقد الطفل حليب أمه مما يلزم والدته باستبدال الحليب الطبيعي بالحليب الصناعي وما يصاحبه من مشاكل الفطام، وعدم قدرة الأم على تربية الأطفال بصورة جيدة خاصة إذا كانت الولادات متكررة، ورغماً عن تلك الفوائد الناتجة من تنظيم النسل حسب ما جاءت به الشريعة إلا أن البعض لم يفهم تلك الحكمة الإلهية.

الاهتمام بالنوعية

لكن، هل تغيرت نظرة المجتمع التقليدية لمفهوم الأسرة من الكم إلى الكيف؟ د.غازي جمجوم يعتقد أن المواطن السعودي أصبح يهتم بالنوعية بصورة متزايدة، فنجده حريصاً على تعليم أبنائه وبناته حتى المرحلة الجامعية أو ما بعدها وعلى توظيفهم في أفضل المهن. وقد ازداد تعليم البنات وانخراطهن في العمل زيادة هائلة، كذلك فإن المواطن يحرص على توفير السكن المناسب لعائلته وجميع وسائل الراحة وكل هذا يؤكد الحرص على النوعية، أما الكم فلا يزال مهماً. وفي كثير من الأحيان فإن الأسرة عندما تقرر زيادة عدد الأبناء فإنها لا تشعر بأن عليها الاختيار بين الكم والكيف ولكن تأتي المفاجآت لاحقاً - ولكن إذا اتضحت الصورة بشكل واقعي ومعقول فإن المواطن يمكن أن يتخذ قراراً متوازناً يخدم مصلحة أسرته، وهنا يأتي دور الدولة والمجتمع في نشر المعلومات والبيانات وكذلك التوقعات المستقبلية مع عمل كل ما يمكن عمله لزيادة فرص التعليم والتدريب والتوظيف أمام الشباب في القطاعين الحكومي والخاص وخلق فرص العمل وتنمية الاقتصاد بأكبر قدر ممكن ومحاربة الفساد، وتبقى بعد ذلك المسؤولية أمام الشباب الواعي في تنظيم أسرهم واختيار العدد المناسب من الأبناء لإعطائهم أكبر فرصة في تحقيق حياة كريمة مع الحرص على عدم الانزلاق إلى خطر الزيادة السكانية المفرطة واللاواعية التي تسهم في تراجع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وزيادة الفقر. لذلك لا بد من تضافر جميع الجهود من علماء الدين والاجتماع والتربية والأطباء والاقتصاديين وغيرهم لتوضيح أهمية تنظيم الأسرة للعامة كما ترى د.سلوى الخطيب. فنحن في حاجة إلى برامج تنظيم الأسرة، والمقصود بالتنظيم هو عمل نوع من الموازنة بين أعداد الأولاد الذين ننجبهم وبين مقدرتنا على تربيتهم، والمقدرة هنا لا تقتصر على المقدرة المادية فقط، بل تشمل المقدرة النفسية والاجتماعية كذلك. فالمسألة ليست بالكم ولكن بالكيف، فليس المهم أن ننجب أعداداً كبيرة ولا نكون قادرين على رعايتهم وتربيتهم التربية الصحيحة، ولكن الأهم من ذلك أن نكون قادرين على تربيتهم ورعايتهم وتوجيههم. وجميعنا يذكر الحديث الشريف القائل: "تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلةٍ نحن يا رسول الله، قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل" والحقيقة أن الكثير من الناس لا يفهمون هذا المصطلح جيداً، فالتنظيم هنا لا يعني منع الإنجاب ولكن يعني تنظيم عملية الإنجاب بأن يكون لدينا القدرة على إعطائهم الرعاية والحب والاهتمام الكافي لإنشاء جيل صالح قوي بدينه وعلمه وأخلاقياته.

تطور يدعو للتفاؤل

ورغم ذلك فإن نظرة المجتمع التقليدية لمفهوم الأسرة من الكم إلى الكيف لم تتغير وإن تطورت عن السابق ولكنها دون المأمول كما يعتقد د.صالح الرميح، ويتضح ذلك في كون المجتمع السعودي من أكثر مجتمعات العالم حجماً للأسرة. ولا يزال أفراد الأسر يرغبون ويتفاخرون بكثرة الأبناء، ولكن مع الوقت وضغط الحياة ومواجهة الواقع سيدركون حجم العبء - وهذا حاصل الآن - فليست العملية بكثرة عدد الأبناء ولكن بسلامة تربيتهم ومنشئهم. فعندما ينظم الآباء عدد أبنائهم سيمتلكون القدرة على رعايتهم من كافة الجوانب الحياتية والعاقبة ستكون خيراً لهم إن شاء الله. وقد حدث تطور الآن في وعي الأبوين حول المسؤولية الكبيرة لتربية الأطفال وما يتطلب ذلك من جهد ومال ومتابعة كما يرى د.إبراهيم الشدي وهو تطور يدعو للتفاؤل حول مردود هذه العناية التي يلقاها بعض أطفالنا حالياً على مستقبلنا لاحقاً إن شاء الله. إلا أنه ما زال هناك حاجة أيضاً إلى مزيد من برامج التوعية والتثقيف من خلال مؤسسات التربية والتعليم والصحة ووسائل الإعلام المختلفة حول جوانب الحياة الأُسرية المتعددة ولا سيما ما يتصل بالأطفال إنجاباً وتربية ومتابعة. والوعي ينمو في المجتمع السعودي فهناك تغيرات كثيرة يشهدها منها تغير نمط الأسرة كما يشير د.سعود الضحيان، حيث كانت الأسرة الممتدة هي النمط السائد، كما أن الاتصال بالثقافات الأخرى أبرز كثيراً من المتطلبات غير المعروفة في المجتمع مما ساهم في رفع متطلبات الأسر وعلى سبيل المثال تغير نمط الملبس والمأكل والمنزل بل إن كل شيء تغير وما هو من الماضي أصبح تراثاً يعرض. يضاف إلى ذلك انخفاض الدخل مما جعل الأسر الصغيرة تفكر كثيراً في توفير حياة كريمة لأفرادها. وارتفع سن الزواج. الذي كان في الماضي بين 14- 16في الريف والبادية وبين 16- 18في المراكز الحضرية، واليوم عندما نسمع عن ابنة 18نقول البنت صغيرة، كما أن توفير التعليم في المراحل العليا جعل الكثير من الفتيات يفضلن إكمال تعليمهن مما جعل معدل الزواج يرتفع إلى 22سنة في الغالب. كما أن عدم قدرة البعض من الشباب على توفير متطلبات الزواج والمعيشة جعلهم يتأخرون في الزواج وهذا بدوره يرفع معدل العمر لدى الفتيات. كل تلك العوامل أثرت على نسب النمو كما يؤكد د.سعود الضحيان والتي بلغت ,24% تقريباً ومن المتوقع أن تنخفض إلى نسبة ,21% خلال السنوات الخمس القادمة نسبة لارتفاع مستوى المعيشة في المجتمع السعودي وثبات الدخول لفترات طويلة دون تغير مع استمرار الأسعار في الزيادة. وتتحمل الأسر الصغيرة متطلبات كبيرة مثل السكن وتوفير فرص التعلم مع عدم توازن ذلك مع الدخل. ولعل أكبر دليل على ذلك هو أن الشباب أصبحوا يفضلون الزوجة المتعلمة والموظفة للمساعدة في توفير تكاليف المعيشة. وهذا عكس ما كان يحدث في الماضي إذ كانت المرأة المتعلمة والعاملة أقل حظوظاً في الزواج. ويبدو أن نمط الأسرة الصغيرة هو الذي أصبح سائداً، ففي الماضي كانت المرأة عندما تتأخر في الحمل، الكل يسأل عن السبب لأن ذلك يعد أمراً غير متوقع، واليوم الأسرة التي لديها عدد كبير من الأطفال تواجه بكثير من الأسئلة، كيف ستربونهم وكيف ستعلمونهم.