المقالات

العدد 1840 - 15/01/2005



أولى الأولويات.. وأعظـم المسؤوليات

اكتملت الاستعدادات في مكة المكرمة ومنطقة المشاعر لاستقبال نحو مليوني حاج وبدت مختلف الجهات المعنية بالحج في حالة استنفار كامل وحشدت طاقاتها وراجعت خططها لتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن لإخراج موسم حج نظيف وناجح.
هذا الجهد الهائل الذي تتجسد محصلته النهائية في دقة التنظيم والخدمات الراقية المتكاملة التي يجدها الحاج أمامه من لحظة دخوله الأراضي السعودية والإمكانيات المادية والبشرية الضخمة التي حشدت لخدمته ومساعدته، هذا الجهد الكبير هو حصيلة عمل دائب ومثابر يستمر طوال العام ولا يكاد الموسم ينتهي حتى يبدأ من جديد. ومن زار الأماكن المقدسة في هذه المواسم المباركة يدرك مدى التحدي الذي يمثله احتشاد ملايين الناس من مختلف الجنسيات والأعمار والثقافات في منطقة محدودة المساحة وفي حركة دائبة لا تنقطع على مدار الساعة.
ليس في هذا العالم حشد يمكن أن يماثل حشد ضيوف الرحمن في (منى) أو على صعيد عرفات، ويصعب أن نجد بين كل دول العالم دولة تتحمل مسؤولية سلامة وإدارة مثل هذا الحشد بحجمه وظروفه ومتطلباته، وتوفير خدمات الإسكان والمعيشة والرعاية الصحية والنقل والاتصال والتوجيه والإرشاد لمليوني شخص فيهم الكبير والمريض والمرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة ، ونجاح المملكة عبر السنوات المتعاقبة تحقق بفضل من الله ثم بإيمان وإخلاص قيادتها واستشعار ولاة أمرها العميق لمسؤوليتهم إزاء ضيوف الرحمن وتفانيهم في الوفاء بمتطلبات التشريف الإلهي الذي كرم الله به هذه البلاد وقيادتها وشعبها حيث استطاعت أن تحقق نجاحات باهرة وأن توفر للمسلمين الذين يؤمون الأماكن المقدسة لأداء الركن الخامس للإسلام أفضل أجواء الراحة والطمأنينة والأمن والخشوع.
إن هذه النجاحات المتلاحقة من موسم حج لآخر والتطوير المستمر في خدمات الحج ومرافقه والتجويد والتحسين المتواصل في أداء الأجهزة التنظيمية والإدارية والخدمية، كل ذلك لم يأتِ من فراغ. فالواقع أن القيادة السعودية على كافة المستويات تأخذ مسؤوليتها إزاء الحرمين الشريفين بمنتهى الحرص والجدية، وترجمت هذا الالتزام عملاً ملموساً وإنجازاً حضارياً بلغ ذروته في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي شهد ما يمكن اعتباره إعادة بناء كاملة لمكة المكرمة والمدينة المنورة. بما في ذلك التوسعات التاريخية في المسجد الحرام والمسجد النبوي. وما صاحب هذه التوسعات من بنيات أساسية وخدمية في المناطق المركزية للحرمين الشريفين ومنطقة المشاعر المقدسة. ولا تتوقف مشروعات التطوير والتنمية في البقاع المقدسة على مدار العام فقبل أشهر قليلة دشن صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مشروع تطوير جبل عمر في مكة المكرمة والذي يشكل إضافة عمرانية ضخمة ستوفر لضيوف الرحمن من الحجاج والعمار والزوار مساكن راقية على أحدث طراز.
وكرست المملكة لشؤون الحج أجهزة ولجاناً ومراكز علمية متخصصة تعكف طوال العام على تقييم الدروس ومراجعة الملاحظات والتقارير عن سير الأداء في موسم الحج والمشكلات التي طرأت ودراسة أفضل المقترحات والحلول. ويقف على رأس هذا العمل المتعدد الجبهات والقنوات صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ورئيس لجنة الحج العليا الذي يحرص كل عام على الوقوف بنفسه على استعدادات كل الوزارات المعنية بالحج وتفقد المرافق والاطمئنان على جاهزية الخطط.
وتعد جولة سموه السنوية الميدانية قبيل ذروة الموسم عملية إشراف دقيقة للتأكد من كل صغيرة وكبيرة تتعلق بأمن وسلامة الحجاج وراحتهم ورعايتهم.
إن عظم هذه المسؤولية والتحديات الكبيرة التي تفرضها جعلت القيادة السعودية ترسي تقليدها الحميد بانتقال الحكومة السعودية كلها وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد وسمو النائب الثاني إلى (مكة المكرمة) لتكون الدولة على أعلى مستوياتها القيادية والتنفيذية على اطلاع مباشر وفوري على أوضاع ضيوف الرحمن حتى يكملوا شعائر حجهم. ويتيح هذا الحضور للقيادة السعودية في العاصمة المقدسة فرصة الوقوف على الاحتياجات التنموية والمشروعات المستقبلية المقترحة والاطمئنان على توفير أفضل الخدمات للحجاج في المسكن والمعيشة والصحة والتنقل، كما يتيح وجود القيادة السعودية في موقع الحدث فرصة اللقاء برؤساء بعثات الحج من الدول الإسلامية وبالعلماء والنخب الإسلامية التي تجتمع في هذه المناسبة الكبيرة مما يعطي الحج بعده الإسلامي الحقيقي كمؤتمر إسلامي يدعو لوحدة الأمة الإسلامية وتضامنها.
إن مئات الألوف من المسلمين الذين تكاملت وفودهم في البقاع الطاهرة سيجدون بعون الله ثم بجهود وتفاني ولاة أمر هذه البلاد كل حماية ورعاية وتكريم، وسيجدون من آلاف العاملين الذين جندتهم حكومة خادم الحرمين الشريفين لخدمتهم كل اهتمام وعناية، فأجهزة الدولة السعودية وطاقاتها معبأة لتسهيل حجهم وتيسير شؤونهم ومتابعتهم في حلهم وترحالهم حتى يعودوا إلى أوطانهم سالمين.