المقالات

العدد 1840 - 15/01/2005



ذاكرتُ كثيـراً.. ورسبت

"ليتني لم أكن كذلك".. كان هذا هو ما حدثت نفسي به فور حصولي على نتيجة الاختبار. هل يمكن تخيل ذلك؟! لأكثر من ساعة وأنا أفاصل بين محمد على باشا، أو على محمد باشا، ولأكثر من ساعة أخرى وأنا أحاول تذكر مكتشف فاعلية البسترة، ولأكثر من ساعة ثالثة وأنا استدعي اسم الرجل الذي تخلف عن غزوة تبوك. وكنت حين انطلق جرس انتهاء الاختبار قد خلّفت ورائي خمسة عشر سؤالاً مازالت إجاباتها فارغة، ولو ظللت لأسبوع أو يزيد ما بلغت النهاية.
توجهت إلى صديقي فور خروجي من القاعة. لمحته من بعيد يلتهم بحماس ساندويتشاً في استراحة الطلاب، كنت متوتراً، خائباً، مستاءً، متمنياً أن ما حدث كابوس مريع، تتوارد كوابيسي المروعة تجري مشاهدها في قاعة الاختبار خلال فترة استعدادي لها، فأنا حينها أكون في أسوأ حالاتي. أحلم أن غمامة سوداء حجبت عني رؤية الأسئلة على الورقة، وحين ناديت المراقب المتجول لم أعثر على صوتي، أحلم أن تشنجاً أصاب أصابعي وأن الأستاذ المستدعى أرغمني على الكتابة باليسرى قبل فوات الوقت، أحلم أن أسئلة الطلاب الذين سبقونا في المرحلة قد أخطأت طريقها إلي، وأن الحبر قد جفّ داخل القلم وذهب المراقب لإحضار آخر ولم يعد، وأني استغثت بالتلاميذ أن يمنحوني البديل لديهم لكنهم كانوا منهمكين في الإجابة.. ياليت ما حدث لي كان حلماً.
قال لي صديقي حين شكوت له همّي: في السؤال الأول كان ينبغي عليك اختيار الإجابة التي تطرأ أولاً ببالك، تذكر أن الخيارات الأولى دائماً هي الصحيحة، الدماغ لا يخدعنا إنما نحن الذين نربك إجاباتنا بالتفكير الزائد عن الحد. "لويس باسترو" هي إجابة السؤال الثاني هل يوجد يا أخي أسهل من هذا الاشتقاق!! والحروف الأولى من "مكة" هي التي تبدأ بها أسماء الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة، تعلّم طريقة الربط، بهذه الطريقة لن تنسى أبداً ما تحفظه إلا بفقدان ذاكرتك تماماً.
رغم شعوري بالمرارة من نتيجة الاختبار إلا أنني قررت أن أضع حداً لهذه المهزلة التي تطاردني خسائرها كل عام. أخذت كتبي ودفاتري ومسوداتي وذهبت إلى الاختصاصي المعالج قلت له إني يا دكتور قضيت على ما يقارب شجرة "زعتر" قبل الاختبار، والتهمت "سمك" محيط بأكمله، تناولت بكثافة "الكوسا" والجرجير وأشرب كل يوم خمسة أكواب حليب. أنهيت مقررات الاختبار سبع مرات طوال الشهر الأخير من الدراسة، وحفظت كل كلمة في الكتاب. ها هي، انظر بنفسك للكتب والأوراق لتتأكد كيف امتلأت سطورها بألوان الفسفور القزحية، بالتعليقات، والتلخيصات، والإشارات الهندسية.. في نهاية الأمر عندما أقف وجهاً لوجه أمام ورقة الاختبار كما في كل مرة تبدو ذاكرتي مثل تشويش جهاز تلفزيون رديء لا أتمكن خلاله من التقاط شيء.. تخيل يا دكتور أن صديقي لا يجتهد في جمع المادة إلا قبل الاختبار بيوم، وترشّح قدومه لحضور مسرحية فكاهية أثناء دخوله مبتهجاً قاعة الاختبار، وينهي إجاباته في نصف الوقت المحدد، ولا يحصل كل عام على أقل من امتياز!!
قال لي الاختصاصي: إن عقلك الباطن لا يعترف مطلقاً بعدد الساعات التي استغرقتها في الاستذكار، إنه يشبه الأرض التي لن تنتج لك سوى ما زرعه وعيك فيها. أنت زرعت الفشل الخوف التوتر منذ البدء، وصديقك زرع بوعية المتيقظ المتفائل بذور النجاح مسبقاً، كل حواسك وانفعالاتك وتركيزك وذاكرتك تحركت وفق نتاج عقلك الباطن. ثم إن ما شاهدته من خطوط مؤذية للإبصار على كتبك وأوراقك دليل حسي على إخفاقك المبكر، إينشتاين عندما سئل عن عدد الأقدام الموجودة في الميل الواحد، أجاب بثقة: لا أعرف. إنني لا أجد مدعاة لأن أثقل عقلي بمعلومات يمكن معرفتها بسهولة من أي مرجع!! تعلّم أن لا تخزن في ذاكرتك سوى الأشياء المهمة بالنسبة إليك حتى لا تتعرض للعطب السريع والتشويش من ازدحام المدخلات، فالمبدعون في حياتهم يحتفظون دائماً بقوائم يدونون فيها مالا يستدعي حفظه.
إنك لم تكن تذاكر حقيقة، بل كنت تحفظ الحروف والكلمات المدونة في الكتب لذلك استغرقت وقتاً طويلاً في الاستعداد للاختبار دون جدوى. مارس فاعلية القراءة السريعة التي تركز على قراءة الأفكار والعبارات وفهمها، ستندهش حتماً من النتيجة: بمجهود ووقت أقل، هناك معرفة أكثر.
لا تضيّع الفرص الذهبية لتنشيط الذاكرة: في العيادة بانتظار الطبيب، في الطائرة، في تحري موعد صديق، في انتظار قدوم النادل بالطعام، عند ممارسة المشي. وأثناء الوقوف عند إشارة المرور.. هذا الوقت الأثمن الذي يوافق استرخاء العقل غالباً لا يستثمره الناس. استرجع فيه كل ما حفظته في الماضي: جداول الضرب، أبيات الشعر، مصطلحات أجنبية.. مارس مع نفسك طريقة المخبرين: كلما دخلت مكاناً جديداً سجّل في قائمة وأنت مسترخ على السرير ما تستدعيه ذاكرتك من ملامح المكان. وإذا ما التقيت شخصاً للمرة الأولى ابدأ باسمه في مطلع كل جملة تقولها أثناء الحديث حتى ينطبع في ذاكرتك فلا تعود تنساه محرجاً من جديد.
تذكّر دائماً أننا نفشل بمحض اختيارنا.. كما أن الناجحين يتألقون بمحض قرار.