المقالات

العدد 1840 - 15/01/2005



نعم.. هناك تطرف ليبرالي

كان اللقاء التلفزيوني بين المحاور تركي الدخيل والكاتب في صحيفة الشرق الأوسط مشاري الذايدي مميزاً فعلاً، فمشاري شاب ثلاثيني لديه تجربة ثرية من النادر أن نجدها في إنسان واحد، لديه ذخيرة اكتسبها من انتقاله من الدروس الدينية في السعودية، ثم توجهه إلى أفغانستان ثم قضائه فترة في السجن وحتى وصوله إلى صحيفة الشرق الأوسط أخيراً - حتى إشعار آخر! - فلا نعرف ما هي محطته القادمة ، بما أن هذا الشاب يؤمن بالتحول الذي هو سنة الكون .
المثير في ذلك اللقاء والذي كان يستحق في نظري أكثر من حلقة، حتى لا يضطر المذيع للمقاطعة بحجة ضيق الوقت أن تحليل ظاهرة مايسمى بالأفغان العرب تأتي ممن مرّ هو بنفسه بالتجربة وخرج منها واستطاع أن ينظر إليها بحيادية ويضعها على المشرحة،فمهما حاولت أنا أو غيري من الكتاب أن نتناولها فسنظل نحن خارج الصورة
هذه التجربة التي دفعنا بسببها أثماناً باهظة وأتذكر جيداً أنه في فترة من الفترات كنت أسمع كثيراً جملة :"فلان ما شاء الله عليه ذهب إلى أفغانستان"، دون أن نتجاهل المباركة الأميركية لهذه الظاهرة والتي تعاني من جرائها اليوم مائة وسبعة وعشرون أماً لمائة وسبعة وعشرين معتقلاً سعودياً في جوانتانامو، هذه الظاهرة تستحق منا وقفة صادقة وتحليلاً حقيقياً وخاصة أننا معرضون لأن تتكرر اليوم بعد في ظل الفوضى التي تعم العراق اليوم، أعجبني بحوار مشاري أنه لم يتحدث عن تلك التجربة بحنق أو كراهية وإنما تحدث عنها بموضوعية وتفهم وإن كنت أختلف معه في نقطة واحدة وهي أنه لا يرى أن هناك تطرفاً ليبرالياً في الخليج مقابل التطرف الديني؟
حسنا .. قد أتفق معه أن التطرف الليبرالي مهما بلغ فهو لن يصل يوماً إلى حمل السلاح واستباحة الدماء لكن هناك تطرف ليبرالي، وحتى لا أقع أنا أيضاً في فخ التطرف والتصنيفات وإلصاق التسميات فلأقل: نعم هناك أشخاص لديهم طروحات ليبرالية متطرفةوخطاب ليبرالي بوشي بنلادني متطرف، وهو الوجه الآخر للتطرف الإسلامي ويلتقي معه في النظرة الأحادية، وإقصاء الآخر وادعاء احتكار الحقيقة والتعالي على الآخرين .
والمفارقة هي أن جوهر الليبرالية هي التعددية والتسامح وقبول الآخر وبالطبع أصحاب هذه الطروحات لن يعترفوا أنهم متطرفون، تماماً مثلما أن المتطرفين الإسلاميين يرون أنهم قمة في الوسطية والاعتدال، فإذا كان الأخ مشاري لا يرى وجود هذا الخطاب فماذا يسمي إذن خروج مثقف بشهادة عليا على الشاشة لا ليطالب بتخفيف مناهج الدين ولا حتى الغاءها وإنما ليصدر حكماً قاطعاً - دون خجل! - بأنه أصلاً لا يوجد علم اسمه( علم شريعة)،ففي الوقت الذي يوجد فيه علم مكياج وعلم فلك وعلم ايتيكيت يستكثر هذا الرجل أن يكون هناك علم شريعة لدين يعتنقه مليار إنسان (فقط)!! أليس هذا تطرفاً وإلغاء للآخر؟ ماذا يسمي استكثار البعض لإدانة الممارسات الشاذة لبعض الجنود الأميركيين في أبوغريب والموثق بالصور؟ الغريب أننا نجد المثقف الأجنبي في كثير من الأحيان أكثر احتراماً لخصوصيتنا وتراثنا من بعض بني جلدتنا، وكثيراً ما نضيع نحن بين خطابين في عالمنا العربي: خطاب يكره الغرب ويعيش على نفخ الذات وأمجاد الماضي، وخطاب آخر يحترف جلد الذات بمناسبة وبلا مناسبة ويرى أن الغرب هو النموذج والمثل الذي يجب أن يقتدى به وفي رأيي أن كلا الخطابين ينبعان من عدم الثقة بالنفس وعدم القدرة على تكوين علاقة صحية ندية واقعية مع الآخر.
وأعتقد أن هذا الخطاب المتطرف يبرز بوضوح في الخليج أكثر من بقية الدول العربية وليسعفني علماء الاجتماع ويخبروني إذا كان هناك علاقة بينه وبين طقسنا المتطرف الذي لا يعرف تدرج الألوان ولا تدرج الفصول كما حفظناه في مادة الجغرافيا:
حار جاف صيفاً.. بارد ممطر شتاء