المقالات

العدد 1840 - 15/01/2005



التاريخ وخلط المفاهيم

مرت الأمة العربية بتاريخ طويل حصيلته النهائية هي الأوضاع المتردية التي نعيشها اليوم. وليعذرنا البعض إذا ابتعدنا عن ترديد الشعارات البراقة حول عظمة التاريخ المجيد، والتليد لأمتنا العظيمة، فقد كفانا هذه المهمة كل من رددوا وتحمسوا للخطابين الإيديلوجيين اللذين سادا ساحتنا العربية وهما الخطاب البعثي القومي العربي، وما يمكن تسميته بالخطاب البعثي الإسلامي، لآن الخطابين يتغنيان دائماً بالماضي بشكل يبدو، ولو ظاهرياً على الأقل، هروباً من الحاضر. فالحاضر بالنسبة للخطابين يظل دائماً مؤجلاً ومعلقاً باستحضار الماضي.
وحقيقة الأمر هو أن وضعنا اليوم ليس نتاجاً لتاريخنا العظيم القديم، وإنما هو نتاج للتاريخ الحديث الذي هو في مجمله تاريخ استعماري تعيس، خلا من بعض التجارب السياسية المضيئة مثل توحيد المملكة العربية السعودية، أو تحرر بعض الدول العربية كمصر والجزائر من نير الاستعمار.
والتاريخ العربي كما يُدءرَسُ ويُدَرّسُ تاريخ ملحمي إلى حد كبير وتختلط فيه الروايات الرومانسية بالحقائق التاريخية، ولا يستند في مجمله للتحليل والتمحيص أو التدليل أو الواقعية. وربما هذا هو المكون الأول للصورة النرجسية والرومانسية التي رسمناها لأسلافنا ولأنفسنا اليوم على أننا أمة في طليعة الأمم بينما الواقع يحكي غير ذلك.
ولا أرغب هنا، بأدنى شك، أن أبدو كمن يمارس جلد الذات، أو أن أحشر في زمرة من يشككون في تاريخهم برمته، أو يساورهم شك بعظمة تاريخهم. لأنني، وبكل صراحة قد جلدت ذاتي حتى تعبت وانتهيت من ذلك من وقت طويل. غير أنني، ومثلي الكثير، نود لو تتم إعادة النظر في بعض جوانب تاريخنا، وخاصة تلك المغيبة، أو المسكوت عنها، أو التي تغير في النظرة الرمانسية الحالمة لواقعنا وماضينا. فالكثير من أدوائنا السياسية والاجتماعية الحاضرة، بدءاً من انعدام الحوارية والديمقراطية، وانتهاءً بالإيمان بالأساطير وعبادة الشخصية مصدرها التطبيل والتزمير لماضٍ غير صحيح، أو في أحسن الأحوال مبالغ فيه. ولا أريد أن أسوق أمثلة هنا حتى لا تحمى حصاة بعض الدوغمائيين، و لأنني لست مستعداً، على الأقل الآن، لأدخل سجل شهداء الكلمة العامر.
فيخطئ من يجادل في أن التاريخ الإسلامي والعربي مليء بالأزمنة المضيئة والمشرفة. كما أن للحضارة الإسلامية إسهاماً كبيراً في تاريخ البشرية ككل، وهذا ما يجب علينا أن نبرزه ونفاخر به بكل ما أوتينا من إمكانيات. ولكننا، في المقابل، أمة من سائر الأمم، في تاريخها الكثير من الوقفات المشرفة، وغيرها من المواقف غير المشرفة. فحضارة العالم، حتى ولو غضب البعض، ليست كلها مأخوذة من حضارتنا، ولسنا مجبرين لأن نبحث لكل جانب ناصع في الحضارة البشرية عن أصل في ماضينا الحضاري.
وبعض جوانب الحرية، والديمقراطية، والعدالة والمساواة لم يشهدها تاريخنا بشمل فعلي، حتى ولو كان به، بعض الوقفات، والمواقف المشرفة هنا وهناك، وحتى ولو تعددت الروايات وتكررت حول مواقف تعكس هذه المفاهيم. لأن ما يشهده اليوم من حرية، وديمقراطية، وعدالة، ومساواة هو عملية تأسيس ومأسسة لهذه المفاهيم استغرقت وقتاً طويلاً وتضحيات إنسانية كبيرة. وللاعتراف بالحق، وهو إحدى الفضائل المهمة التي ندعيها ونعترف بها، لا مثيل لها في ماضينا التليد، كما أننا اليوم في ذيل قائمة الدول عندما يتعلق الأمر بتطبيق هذه المفاهيم البشرية النبيلة والفاضلة، أو ممارستها.
تاريخنا الحديث، وهذا ما يجب أن نعترف به أيضاً، هو تاريخ غير مشجع للتراجع والزحف للوراء، لأننا كنا دائماً نتجه للشيء الذي نراه بوضوح كبير، أو فلنقل بوضوح أكبر، وهو الماضي، فلم تكن لنا وللأسف رؤية واضحة، أو رؤية على الأقل بنفس درجة وضوح الماضي، للحاضر والمستقبل. ولا خلل فكري في النظر للماضي، ولكن الخلل يكمن في محاولة استنساخه كما هو، وكما تصوره الروايات المختلفة. وكما هو معرف للمؤرخين المخضرمين، فتاريخ أي أمة هو في الحقيقة رواية تحكي سيرتها الذاتية. فالأجدر بنا ألا نحاول عبثاً إعادة الماضي، لأن ذلك مستحيل، ولكن للبناء بكل ثقة على جوانب القوة فيه. ولنا في عدونا الصهيوني مثلاً واضحاً، فالصهيونية لم تحاول بعث التاريخ الصهيوني لإرغام اليهود على العودة للماضي، ولكنها جعلته ركيزة للانطلاق للمستقبل.
ومن يعرف التاريخ الصهيوني يعرف أن هناك من الصهاينة من حمل فكرة العيش في الماضي، سواء القومي أو الديني، غير أن هذه القوى، لحسن حظهم وسوء حظنا، ولأن الغالبية من اليهود متعلمة، لم تحتل مواقع القيادة، ولذلك انطلقوا للأمام، أما نحن وللأسف، ونتيجة للجهل المتفشي، ونظم التعليم المتخلفة، فحصل لدينا العكس، وتراجعنا، ولا أريد أن أسرد التاريخ غير المشرف لهزيمة أمة بكاملها في فلسطين كمثال على ذلك، رغم أن هناك محاولات جادة اليوم لطمس صفحاتها من التاريخ العربي، كما طمس غيرها من القضايا غير المشرفة من ذي قبل.
وعودة للأساسيات، فأسس الأمة الرئيسة هي: الأرض، الثقافة القومية، الدين، ووحدة المصير. وأنا لا أريد أن أبدو هنا كميشيل عفلق أو أنطوان سعادة، رغم أن ليس كل ما قاله هؤلاء خطأً، فهذه الأسس شبه متعارف عليها دولياً، وهم ربما نقلوها من آخرين. ولكن القراءة التاريخية الخاطئة، وتضخيم إنجازات الأمة أسهما بشكل كبير في ظهور التيارات القومية المشوهة. إذ أن الأحزاب القومية ركزت على الجوانب السياسية في القومية أكثر من غيرها وذلك بصبغها بصبغة اشتراكية على أساس أن الاشتراكية جزء من التاريخ العربي والإسلامي المجيد. وبناء عليه ضخمت هذه الأحزاب إلى حد كبير كذلك من دورها السياسي في قيادة الأمة، ورسمت لجماهيرها أهدافاً طوباوية لم تتعد في أفضل الأحيان مرحلة الشعارات. و الأخطر هي أنها، نتيجة لضبابية طروحاتها، لجأت إلى تصفية جميع من اختلف معها من أحزاب أو قوميات أخرى.
و إضافة للأحزاب القومية المعروفة، نشأت أيضاً بعض التيارات التي لديها نفس التوجهات، وإن بشكل مختلف وهي ما يمكن تسميتها بالتيارات "البعثية الدينية" أو "الإسلامية القوموية"، وهي تنطلق من نفس المنطلقات وشعارها هو: أن ما صلح به أول الأمة يصلح به آخرها، فلا بد من العودة للماضي، ليس الديني فقط، ولكن السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصرف النظر عن ملاءمتها لروح العصر وحاجات المجتمع المعاصرة. وتطالب هذه الأحزاب، في أكثر أشكالها تطرفاً، بالتمسك الحرفي والمظهري أيضاً بسلف الأمة. وبما أنها كسابقتها تنطلق من تصور منمق ومبالغ فيه لحال الأمة السابق، فإن أهدافها في إقامة دولة ذات صبغة قوموية إسلامية تضم جميع المسلمين في كل مكان، على نمط الخلافة الإسلامية السابقة، لا تقل طوباوية عن سابقتها، وتحاول القفز على واقع عالم اليوم المعاش. وهي أيضاً تهمش وتعادي كل من يختلف معها.
شعار: صلاح آخر الأمة بما كان فيه صلاح أولها صحيح، لأن الصلاح والإصلاح مطلوب للجميع، ولكن السؤل الذي يطرح نفسه هو كيف؟ وبأية صيغة؟ ولو افترضنا أن الصلاح عامل ثابث للأمة في كل أزمانها، إلا أن بعض أسس هذا الصلاح وضوابطه لا بد وأن تتغير بتغير العصر، و تتطور بتطور الزمان، فلكل زمان دولة ورجال. وأول الأمة مهما كان صالحاً، وأقول هذا الكلام بكل تجرد، ما كان متقدماً في حياته ومعاشه عن حياتنا اليوم في معظم الجوانب إن لم يكن كلها، الصحة، التعليم، النقل، الاقتصاد الخ.. والدولة الآن أكثر تعقيداً، بشكل لا يتيح المقارنة، عما كانت عليه في السابق.
ولقد سيطر الاتجاهان السالفا الذكر على مجمل الحياة الفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية العربية في تاريخ أمتنا الحديث، وعانت الأمتان العربية والإسلامية الآمرين من صراعهما على الساحة العربية، أو مع أطراف أخرى خارجها. وعانت الأقليات العرقية والدينية والمذهبية التي تعيش في بيننا بشكل كبير من التيارات المتطرفة فيهما.
وعوداً على بدءٍ، فإن إعادة قراءة تاريخنا قراءة واعية، وواقعية ومتأنية، بعيدة عن المبالغة والتقديس لكل ما هو ماضٍ، قراءة تنظر في الحاضر وتستشرف المستقبل بشكل طموح وشجاع، قد تساعدنا على التخطيط بشكل علمي ودقيق. ولا سيما، أن هناك أصوات عالية، ترتفع هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى تطالب بتغيير الثقافة العربية الإسلامية، بل إن هناك الكثير من وسائل الإعلام القوية والمؤثرة، والتي تسيطر عليها أطراف غير واعية تماماً للأهمية للأبعاد القومية والدينية الحقيقية للأمة، قد بدأت محاولة تغييرنا رغماً عنا وذلك بالتأثير القوي والساحق على شبابنا وشاباتنا، وسط حملة عالمية على كل ما هو إسلامي وعربي. وهي تستمد شرعيتها الفكرية والأخلاقية من الممارسات الخاطئة لتيارات البعث التاريخية بمختلف أشكالها.
إننا بدون هويتنا القومية، وأنا هنا أؤكد على الجوانب الثقافية والاجتماعية للقومية وليس السياسية، بدون أدبنا الخاص بنا، دون شعرنا، موسيقانا، عاداتنا وتقاليدنا، وبدون لغتنا التي تجمعنا، وتوحد مصيرنا لا نساوى شيئاً ، و بدونها سنظل دائماً صفراً على الخانة اليسرى للعالم. فتراثنا، وتاريخنا القومي نحن العرب، مسلمين، ومسيحيين، ويهود، وغيرهم، لا يمكن فصله عن التاريخ الإسلامي، وهو ضروري لبقائنا، ومن هنا جاءت عظمة وأممية الإسلام. فمتى نعود لوعينا وواقعنا ونوحد صفوفنا، فالعيب ليس في ثقافتنا، ولكنه فينا نحن، وفي طريق تعاملنا معها