قيمة الكلام في مضمونه ودقة تسديده لإصابة الهدف نعم.. وقيمته في وضوحه وصراحته أيضاً. فالغموض أو الإبهام يميت الكلام. وإن كان نفيساً في ذاته.. ومما يتعين طرحه بوضوح - لا إبهام فيه - جريمة (الصد عن سبيل الله) التي يقترفها المفسدون في الأرض بأفعالهم.
والحق: أن الأمير سلمان بن عبدالعزيز قد صدع بالحق في هذه القضية حين قال - وهو يزور المصابين في محاولة الاعتداء على مبنى وزارة الداخلية -: "إن الأعمال الإرهابية التي تقوم بها الفئة الضالة، منحت الفرصة لأعداء الإسلام للنيل منه وبث سمومهم داخل البلاد. وبسبب هذا أصبحت الدعوة للإسلام تواجه مشكلات كبيرة، في حين كانت الدعوة للإسلام طوال السنوات الماضية في أوجها وتلقى إقبالاً كبيراً في كافة أنحاء العالم. فالمتابع للأحوال في العالم قبل أن تبدأ هذه الجرائم، في كل مكان، وليس في السعودية فقط، يجد أن الأبواب كلها مفتوحة في العالم كله مفتوحة لدعاة الإسلام ودعاة الخير والمحبة، إذ كانت تفتح بين فترة وأخرى مدارس إسلامية وجوامع. ولقد كان لي شرف حضور ثلاث مناسبات بتكليف من خادم الحرمين الشريفين لافتتاح مراكز إسلامية. وذلك في إسبانيا حيث تم افتتاح الجامع ومرافق الخدمات التي تقدم للمصلين، بحضور ملك إسبانيا شخصياً في هذا الحفل.. كما تم افتتاح الجامع الإسلامي في روما بحضور رئيس جمهورية إيطاليا وجميع أعضاء السلك الدبلوماسي بمن فيهم مندوب البابا.. ثم افتتح الجامع الإسلامي في جبل طارق بحضور الحاكم ورئيس مجلس الوزراء.. إلا أنه بعد الأحداث الإرهابية التي أصابت العالم أصبح كل مسلم متهماً، مع الأسف.. فكيف يدعي هؤلاء أنهم يخدمون الإسلام بينما هم يزهقون الأرواح، ويعملون في الواقع ضد الإسلام"؟
إن نبرة الأسى بادية في كلمات الأمير. ولا غرو، فالرجل رائد كبير من رواد العمل الخيري والإنساني، ويحزنه أن يتسبب هؤلاء المفسدون في الأرض، في سد أبواب الخير أو تضييقها، وأن يتسببوا في حرمان العالم من نور الإسلام ورحمته.. بيد أنه أسى مقترن بتوضيح حقيقة: أن هذا الإفساد في الأرض إنما هو (صد عن سبيل الله) الذي أشارت إليه آيات عديدة في القرآن.. فمن مفاهيم الصد عن سبيل الله: صرف الناس عن دين الإسلام بوجوه مختلفة، وأساليب ووسائل متعددة.. والتشويش على دعوة الإسلام حتى لا تفهم على وجهها الصحيح. سواء كان هذا التشويش أقوالاً أو أفعالاً.. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "أفتّان أنت يا معاذ"؟.. وماذا فعل معاذ؟.. طوّل الصلاة!!.. فإذا كان التطويل في أهم عبادة: (فتنة).. فكيف تكون فتنة اقتراف أبشع الجرائم وإلصاقها بالإسلام.. وإنا لنبصر حكمة جليلة في تنديد النبي بالخوارج.. هذه الحكمة هي: أن الخوارج يشوهون صورة الإسلام باسم الإسلام!!.. يشوهونها بأقوالهم وأفعالهم: مدّعين أنهم يخدمون الإسلام وينصرونه.
ولقد فتح الخوارج الجدد ذرائع الشر على هذا الدين الجميل السمح اللطيف.. فالوقائع على الأرض: في وسائل الإعلام والتثقيف تشهد شهادة موثقة بأن الإفساد في الأرض، أو الفعل الإرهابي العنيف باسم الإسلام قد فتح (ذريعة كبرى) للشرور والمفاسد: فتح ذريعة واسعة لتشويه صورة الإسلام على نطاق عالمي حيث أتاحوا أوسع فرصة لأعداء الإسلام لكي يقولوا: الإسلام دين عدواني، ودين إرهاب، ودين غدر، ودين تدمير للعمران والحضارة، وأن القرآن مصدر للعنف، واستباحة الدماء.. ومن ذلك ما نشرته - مثلاً صحيفة أمريكية، إذ نشرت صورة لأحد المتهمين بالفعل القبيح وفي يده مصحف "!!!".
ومن ذرائع الشر التي فتحها المفسدون في الأرض، أنهم تسببوا في إنزال أفدح الضرر والأذى بالمسلمين، وبمصالحهم وسمعتهم، فبسبب أفعالهم وُضع المسلمون موضع المشبوه المتهم، ومراقبتهم كإرهابيين في المطارات والطائرات والمدارس والجامعات والمؤسسات.. من جهة أخرى جعلوا المسلمين الأسوياء يشعرون بالخزي والانكسار.
ومما تسبب فيه هؤلاء الصادون عن سبيل الله: سد أبواب الخير والبر التي كانت مشرعة يتدفق منها البر وصنائع المعروف على الجياع والمرضى والمحتاجين من كل جنس ودين.
إن من عين التوفيق: ألا يكون المسلم سبباً في منع الخير أو التشويش على مسيرته أو التقليل من حجمه بسلوك يجترحه. أو فعل يقترفه.. والعكس صحيح. بمعنى أن من علامات الحرمان من توفيق الله: أن يتسبب المرء في منع الخير.
لكن الجهلة أو المخترقين تسببوا في ذلك كله، تسببوا في تشويه صورة الإسلام، وفي إنزال أفدح الضرر بعموم المسلمين، وفي سد أبواب الخير والبر والمعروف.
ولذلك قلنا للأمير سلمان - وهو يطرح هذه القضية بوضوح -: صَدَقءتَ.. فهؤلاء يصدون عن سبيل الله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.































