أتذكر صديق طفولتي سالم، ومشروع والده الطموح.. الوالد قرر- وبكل بساطة - أن يخرج الولد من المدرسة ليساعده في الفلاحة!.
وهكذا كان.. و(صديقي: سالم، وكثيرون مثله حتى من حملة الشهادات!!) ينعم الآن في بحبوحة واسعة من عدم الاكتراث بما يدور خارج مجموعة النخيلات (الجرب) التي يدور وسطها منذ الصباح حتى تسقط الشمس غائبة - حقيقة هو يجهل أن هناك أشياء تدور!! - و بعد صلاة العشاء يضع رأسه في أي مكان من (الحوش)، وينام دون كوابيس أو أحلام!.
ماذا لو كنت محظوظاً مثلك يا سالم، ولم أذهب إلى المدرسة؟
رحمك الله يا أمي حيث أقنعت والدي أن يعيدني إلى المدرسة مرة أخرى، ورحمك الله يا أبي إذ رضخت لها فحددت مسار مستقبلي كله!!.
ماذا لو تركتماني كسالم؟
أكنت أعيش - الآن - في نعيم عميم؟!
أكنت مثل الكثير من الصامدين في بلادي، في وجه غزو (محو) أميتهم؟ لقد استبسلوا، وما زالوا منذ القرن الماضي.. - رجالاً ونساء - في الدفاع عن أميتهم. وقد (عجزت) دوائر، وأجهزة حكومية، ومختصون.. عن علاج حالتهم. كل الحيل لسحق أميتهم استخدمت: وعود بمغريات كثيرة: ترقيات (حقيقية أحياناً!)، فصول دراسية مسائية، غزوات صيفية في الأرياف ومساكن الصفيح في أطراف المدن، مبالغ مالية للمسؤولين والمعلمين (وليس للدارسين) أجهزة متطورة لمسح (عفوا لمحو) الأمية.. فقط لم تستخدم أسلحة وبنادق أو قوات ردع في هذه العمليات.لكن الجهود مستمرة، والميزانيات تكبر في كل عام، والنيات متسامحة جداً، والأمل بالله كبير.
لا زال الأميون يتمسكون بهذه الميزة. ربما هم في رغد بعيد عن قلق أي سؤال بغيض.. وإلا ما هي أسباب هذا الإصرار الوجودي في معاداتهم للحروف؟!!. إنك، وأنت تقول لأحدهم: إن التعليم كيت.. فلن يدعك تكمل. بل يقفز في وجهك بكلامه قائلاً: وماذا جنى فلان وفلان من التعليم؟ (فتتلفت) مذعوراً وأنت تحاول لملمة نفسك متخيلاً الكثير من الصور حول فوائد القراءة (الجمّة)!، مثلاً:
- كنت تقرأ الكتب: القديم منها والجديد. في القديم تجد رصانة وعلماً، ومساحة من الحرية كان يتهادى فيها الجاحظ، وابن رشد، ابن خلدون، والغزالي، ابن حزم، وقوافل أخرى مما صاغوا وجدان وفكر مجتمعاتهم، كيفما شاؤوا، لم تصادر حروفهم أو يوصمون بالمروق أو الكفر أو الحداثة مثلاً!!. وفي حاضرك تجد الجاد. لكنك ترى الكثير من الهزل والتافه والاستهلاكي. والكثير من اللاءات التي يخرجها لك الأوصياء على عقلك وعقول الآخرين الذين ولدتهم أمهاتهم..... إلخ. تقول إن لديك مصادر أخرى للمعرفة: الصحف مثلاً: فتمر البقالة، وتتأبط كيساً من صحف الـ 24و 36و 48صفحة. ولا تسرع إلى البيت لتشبع نهمك للمعرفة. لا. أنت تعرف أنك تحمل بضاعات متشابهة.. مثلاً: تقلب في تلال الأوراق هذه فتجد الكثير الكثير من الإعلانات: إعلانات تجارية وأخرى سياسية وإعلامية وإعلانات لتطمين الخواطر وأخرى لطمس العيون. وأخرى لتغطية الحقائق.و أخرى لتشتيت الذهن، وأخرى لإبادة الأسئلة.... تجد طبعات (متخصصة) أعدت لعينيك ولمخك و(خصوصيتك). تجد نسخاً مكررة ترتفع فوق الغيم ولا ترى الواقع، وإن رأت عوراته غطتها بقشور براقة حتى تلمع. تجد أن الكلمة صارت مباحة ورخيصة وقد تم إفراغها من المعنى، مثلاً: تقرأ تصريحاً من (مصدر مسؤول!!!) أنه قد تم القضاء على مرض كذا....ولا يلبث هذا الجذام الخبيث أن ينبثق فوق جثة (تمّ). ومثلاً: تصفعك عناوين كبيرة في الصحف (الانترنت مجانية في السعودية) . قد لا يعني (سالم) هذا العنوان، لكنه يعني كل من أوصل سلكاً في جهازه ليضخ له ما يدور في هذا الكوكب. إن كلمة (مجاناً) تنتهك وتسحق ويمرغ أنفها.... إن دفعت قرشاً واحداً بعد ذلك، وهو ما يحصل. وقس على ذلك كلمات مثل (المواطن - حقوق المواطن - البطالة - الإصلاح - الشورى - الصحوة - تحرير العراق - الانتخابات - الحرية - الشعب- حقوق الإنسان - دولة فلسطين- الأمم المتحدة، بوش وشارون مثلاً).
لقد تم إفراغ لغتنا العربية (كنزنا التاريخي) من معانيها ومضامينها الدقيقة، صار الأدب لعبة والفن سلعة والصحافة تجارة.. والوعي حزن وهم وسكر وضغط. وصار المتعافون من المتابعة والقراءة في صحة وعافية. صحيح أن لديهم هموماً كثيرة يلتقطونها بحسهم العفوي وذكائهم الفطري. لكنهم - في الأغلب - بريؤون من دنس الكلمات، ورجس الجمل، وضلال المقالات، وتدليس الكتاب، وجشع الجرائد.
يا سالم هنيئا لك بنعمة فقدناها. سأنضم إلى ركبك الهانئ، وستشاركني في همّي لأنني سأقرأ لك هذه الكلمات! فربما اتفقنا أن نكون متشابهين.































