المقالات

العدد 1839 - 08/01/2005

المثــقف المحـلـي بيــــــــن الإيجابية والسلبية!
سلبية المثقف؟
المفاهيم وتأويلات الهدم؟
الفكر العربي وتحزباته
المثقف والرؤيا الثاقبة
النقص لا يقع؟!
محفزات ذاتية

بيـن محمــد الحــــــــــرز وخالد الخضري

أجرتها: حسنة القرني

حول سؤال من هو المثقف، والدور الذي يمارسه حيال قضايا المجتمع وتقاليده تحدث الأستاذ خالد الخضري قائلاً؟
أعتقد أن قضية الوعي في نظري هي الأساس قبل تشكل الثقافة المحفوظة، فالثقافة قضية تراكمية يتشكل من خلالها الوعي الذي ينبغي أن يتحول إلى سلوك في حياتنا،فالثقافة التي تؤدي بالإنسان إلى درجة من الوعي الحضاري المرتبط بسلوكه مع الآخر هي الثقافة التي تبحث عنها أما أن يكون هناك من يدعون الثقافة فينقصهم قدر من الوعي وبالتالي يظلون فئة لم تصل إلى جوهر الثقافة التي تتطلب نظرة عصرية للواقع المعاش لتقبل صادق للآخر وقبول لكافة الآراء المغايرة التي لا تقف مع آرائهم لكي ننادي بقبول الاختلاف الذي لا يؤدي للخلاف.
لذا فإننا نستطيع أن نقسم المثقف المحلي إلى قسمين فهناك فئة من المثقفين تملك قدراً من الثقافة المرتبطة بالوعي المعرفي، والسلوكي وهي على اطلاع ومتابعة جادة لما يثار في الساحة سياسياً، وثقافياً، واجتماعياً، وفكرياً إلا أن هذه الفئة تعيش بعزلة عن المشاركة في الفعل الثقافي عبر طرح آرائها ربما خوفاً من جريرة ما ستطرحه من رأي على اعتبار أن الواقع الحالي يرفض تلك الآراء وسيؤدي إلى إدخال أصحاب تلك الأطروحات في مشكلات يحرصون على الابتعاد عنها مع عدم إغفالنا لحقيقة الرفض الاجتماعي لكثير من الأطروحات الجادة لما يعيشه المجتمع من قصور في درجة الوعي التي يسوقنا الحديث إليها فتظل هذه الفئة في الظل تراقب المشهد عن بعد دون أن يكون لها مشاركة فيه.
أما الفئة الأخرى هي الفئة المثقفة الواعية، والمشاركة بالفعل الثقافي لكن هذه المشاركة مشوبة بالتوجس، والحذر؛ لعدم إدراكها لما وصلنا إليه في هذا العصر في بلادنا ومنطقتنا من انفتاح ثقافي ينادي بأهمية الحوار، وقبول الآخر، وأهمية اندماج المذاهب والتيارات الفكرية، والثقافية في بعضها البعض، والتعايش تحت راية واحدة.
وهذه السلبية تحسب ضد المثقف القادر على تشكيل الوعي الجمعي لدى أبناء المجتمع لكن قسم منهم يظل يعمل على مشروعات بحثية أكاديمية متخصصة ليس لها ارتباط بتشكيل ثقافة المجتمع، والقسم الأخر مهتم بالقضايا الأدبية، والأطروحات المرتبطة بالإبداع، والنقد والتي هي أيضاً غير حريصة على تفعيل دورها تجاه الإنتاج الإبداعي المحلي، والإسقاطات التي تظهر في الأعمال الإبداعية من الواقع الذي يحبط بالكتاب، وفئة ثالثة ضمن الفئة المثقفة المشاركة تهتم بقضايا تشكيل الثقافة الجمعية لدى أبناء المجتمع لكن هذه الفئة قليلة، ونادرة وتظل تطرح ما لديها عبر هؤلاء الذين كنا نتأمل ألا يقتصر على تلك الأعمدة وتجاوز ذلك إلى البحث العلمي الذي يكشف حقيقة الاتجاهات والتأويلات لدى أبناء المجتمع ويسهمون في تفعيل عجلة النمو على كافة الأصعدة ويعمل على تطوير المفاهيم لدى أفراد المجتمع.

سلبية المثقف؟

وهل يعني ذلك أن المثقف سلبي بأفكاره وتوجهاته؟
- هذا ما يجعلنا نؤكد سلبية المثقف التي تعود أسبابها لردود الفعل التي يواجهها مما يطرح في الأوساط الثقافية والاجتماعية فالمجتمع لا يزال يقف ضد بعض الأطروحات التي يرى أنها لا تتواصل مع التركيبة الاجتماعية التي تعيش.

المفاهيم وتأويلات الهدم؟

وما رأيك بمن يطالب بإعطائهم فرصة أكبر بالرغم من كل ما أعطي البعض؟
- الفرصة لا يمكن أن يمنحها للمثقف سوى المجتمع ذاته ولن يتمكن المجتمع من إعطائه هذه الفرصة إذا لم يكن لديه الوعي الكافي للثقافة التي تؤهله إلى أن يفهم ما يطرح بدرجة من النضج وعدم تأويل ما يطرحه المثقف تأويلاً يشير إلى هدم المثقف لكثير من المفاهيم الاجتماعية المرتبطة بالعادات والأعراف.

الفكر العربي وتحزباته

في الجانب الآخر من (المواجهة) تحدث الناقد والشاعر محمد الحرز عن مصطلح المثقف بقوله:
المثقف كمصطلح جرى تداوله في الثقافة العربية من منطلق دائرة التأثر بثقافة الآخــر الغربي، وعندما دخل هــذا المصطلح الذي هو أساساً كان محملاً بفكر فلاســفة التنوير في عصر النهضة الأوروبي، وما جرى عليه من إضافات معرفية لاحقاً في الثقافة ذاتها، وذلك في بداية الانفتاح على الغرب، لم يكن يشكل سوى المفارقة الصارخة التي وقعت فيها الثقافة العربية الإسلامية حيث تعددت الاتجاهات والتيارات، فالبعض منها أخذ المصطلح وما ينطوي تحته من مفاهيم وتصورات تخص الثقافة الغربية وحدها، أما البعض الآخر فقد تحول على الطرف النقيض والذي يحمل سمة الارتياب والشك والنفور من الآخر الغربي الذي هو في نظره ذلك الآخر المستعمر الذي لا يريد الخير للآخرين وخصوصاً المسلمين منهم. أما بقية الفئات الأخرى فظلت صامتة تترقب ما يحدث من تحولات على الثقافة والمثقفين على السواء، ولا أريد هنا أن أفتح الباب على مصراعيه حول هذه القضية، وما يرتبط بها من تداعيات في الفكر العربي وتحزباته الإيديولوجية والعقائدية، لكنني أريـد بهذه المقدمة أن أوضح الصعوبة التي تكتنف هذا المصطلح حينما نريد أن نطرح سؤالاً على مستوى الهوية كسؤال: من هو المثــقف؟! ولكن إذا أردنا أن نعيد وصله بمجتمعه، إذن في هذه الحالة ينبغي علينا أن نقترب من المثقف العضوي الذي أراده غرامشي، لنقول إن القضايا الكبرى للمجتمع لا تشكل التزاماً حقيقياً للمثقف إذا لم يكن يملك تصوراً واعياً للأزمات التي يعيشها مجتمعه ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وليس معنى هذا الكـــلام أن يمتلك معرفة براغماتية ذات سمة تقنية واستراتيجية، بالطبع ليس هذا مقصودنا، وإنما تكمن أهمية المثقف في أنه يعيد صياغة الإنسان وفق الشروط التي تتطلبها ثقافة الانفتاح على الآخر أياً كان هذا الآخر، وهذا في ظني تقليد جرت ممارسته في القرون الأولى من بداية تشكل الثقافة العربية الإسلامية تحت تأثير كبار العلماء "حتى لا أقول المثقفين لأنه مصطلح حديث بالنسبة لذاك العصر".

المثقف والرؤيا الثاقبة

وحول سلبية وإيجابية المثقف قال الأستاذ الحرز:
أعود وأقول إن مجمل هذه التصورات تنطوي على فاعلية كبيرة في التغيير والحركة باتجاه النمو الحضاري والإنساني بالقدر الذي يكون فيه المثقف مقتنعاً أولاً بدوره كمسؤول عن قضايا مجتمعه، وهذا الدور برأيي يعتبر التزاماً أخلاقياً، ليس الأخلاقي المرتبط بالديني وأدلجته سياسياً، وإنما الالتزام الذي يرتبط بالإنسان بوصفه جوهر الحياة الإنسانية الذي يرتفع عن كل قيمة أثينية أو قبلية أو عقائدية ويكون حراً طليقاً في التعبير الكوني عن الإنسان. إذن هذا الارتباط هو - ثانياً - المعيار الحقيقي الذي بإمكاننا أن نستشرفه لأي مثقف يمتلك رؤيا ثاقبة لمجتمعه مما يعطيه شرعية الموقع الإيجابي والمهم بالنسبة لأفراد مجتمعه.

النقص لا يقع؟!

إذاً المثقف برأيك لا ينقصه التطوير أو التنوير لقضايا المجتمع.. فماذا ينقصه؟
- حين نتحدث عن الجوانب المحفزة سواء كانت المادية منها أو المعنوية للمثقف نفسه، فأعتقد أننا في متاهة لا أول لها ولا آخر، فالمسألة لا تكمن في السؤال: ما الذي ينقصه؟! لأن النقص لا يقع على طرف دون الآخر، فالمسؤول الأول والأخير هو المجتمع نفسه بكل أطيافه وأبعاده وشرائحه الاجتماعية والثقافية المتعددة، باعتبار علاقته بالدولة ومؤسساتها الرسمية السلطوية، هنا جوهر القضية التي ينبغي النظر إليها من العمق.

محفزات ذاتية

هل أفهم من كلامك بأنك تدعو بأن يعطى المثقف فرصة أخرى على أن تكون أشمل وأفضل من سابقاتها؟
- المثقف الحقيقي بطبيعته لا يحتاج إلى أمور سطحية من قبيل: التشجيع أو الثقة أو الدعم، فمن يمتلك الإرادة والقوة في تكوينه الثقافي والنفسي والذهني فهو بالتأكيد قادر على تجاوز هذه العقبات، فهي في ظني محفزات ذاتية يمكن التغلب على معوقاتها، ولكن ما هو موضوعي من معوقات هو ما ذكرناه سابقاً.ه لا