من بين كل الدول التي استهدفها الإرهاب الدولي كانت معاناة المملكة مضاعفة: فقد تعرضت لسلسلة من الهجمات الإرهابية وعمليات التفجير والتخريب بالإضافة لحملة عدوانية شرسة في الخطاب الدعائي التحريضي الإرهابي، ومن ناحية أخرى وقع على المملكة ظلم كبير من بعض قوى المجتمع الدولي التي لم تر في الصورة الكبيرة لمعاناة المملكة من الإرهاب وجهودها الجادة لمواجهته سوى الصورة الصغيرة لنفر قليل من الشبان السعوديين الذين سقطوا في حبائل تنظيم (القاعدة) واستخدمهم أداة لتنفيذ الهموم الإرهابي المأساوي على الولايات المتحدة في 11سبتمبر 2001م.
والواقع أن كل منصف يعرف سجل المملكة المشرف والطويل في مكافحة الإرهاب يدرك أن مواقف المملكة الحازمة من الإرهاب كظاهرة إجرامية خطيرة وإدانتها المستمرة للأعمال الإرهابية، ومحاربتها للمنظمات والجماعات التي ترتكب هذه الجرائم، قد بدأت وتبلورت قبل وقت طويل من أحداث 11سبتمبر. فمنذ قيام المملكة العربية السعودية وحتى اليوم لم يسجّل على المملكة مساندتها أو تأييدها لأي عمل إرهابي في أي مكان في العالم وقد حافظت سياسة المملكة الخارجية الرصينة على مسافة كبيرة بين دعمها للقضايا العربية والإسلامية المشروعة والمنظمات التي تلجأ للعنف تحت شعار هذه القضايا، فالمملكة لم تؤيد يوماً عمليات قتل الأبرياء واختطاف الطائرات واحتجاز الرهائن مهما كانت الذرائع والمبررات ولم تكن الأراضي السعودية يوماً ملجأً أو ملاذاً لأي من المنظمات والجماعات التي تتبنى العنف أو تمارسه.
ومع مطلع التسعينيات الميلادية عندما ظهرت المنظمات الإرهابية المتطرفة التي تتستر بشعارات دينية إسلامية، كانت المملكة من أول الدول التي استشعرت خطر هذه المنظمات والتهديد الكامن من آيديولوجيتها المتطرفة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وقد تحركت المملكة في وقت مبكر في محيطها الإقليمي والدولي وبذلت جهوداً حثيثة قادها صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وأثمرت سلسلة من الاتفاقيات العربية والخليجية الأمنية والقانونية الرامية لمكافحة الإرهاب وتقييد حركة الإرهابيين وقطع مصادر دعمهم اللوجستيكي ووقف خطابهم الإعلامي التحريضي.
وعندما كانت الدبلوماسية السعودية النشطة تنجح في بلورة أول معاهدة لمكافحة الإرهاب بين دول الجامعة العربية، ومعاهدة مكافحة الإرهاب بين دول مجلس التعاون الخليجي، كان الكثير من رموز المنظمات الإرهابية يتجولون بحرية في بعض دول الغرب ويشنون حملة شعواء على المملكة ويحرضون الشباب المسلم على العنف تحت ذريعة حرية التعبير وحقوق الإنسان.
وعندما وقعت كارثة 11سبتمبر المؤلمة كانت صدمة القيادة والشعب السعودي لا تقل عن صدمة الأمريكيين.. فقد فجعنا في الضحايا الأبرياء الذين سقطوا بالآلاف في الهجوم الغادر وفجعنا كذلك في بعض أبنائنا الذين غرر بهم المجرمون وغسلوا أدمغتهم ليكونوا أدوات للموت والخراب. وعلى الرغم من إدانة المملكة القوية لتلك الجريمة والتعاطف الذي أبداه المجتمع السعودي مع أسر ضحايا، واستجابة المملكة الفورية لمواقف وإجراءات المجتمع الدولي على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فإن الانفعالات التي صاحبت الصدمة في الولايات المتحدة أثارت ضباباً كثيفاً حجب الكثير من حقائق حرب المملكة الطويلة ضد الإرهاب والاســـتهداف الواضح للمملكة وأمنها واستقرارها ونظامها السياسي والاجتماعي في أجندة تنظيم "القاعدة" الذي دبر هجوم 11سبتمبر.
لقد مرت العلاقات السعودية - الأمريكية بفترة عصيبة بعيد هجوم 11سبتمبر، وكانت فترة تشوشت فيها رؤى كثير من المحللين الأمريكيين والغربيين في مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية، فخلط كثيرون بين قيم ومبادئ العقيدة الإسلامية الصحيحة والآيديولوجية السياسية المتطرفة التي يتبناها تنظيم القاعدة تحت قناع إسلامي. ولأن الحق أبلج فإن هذه الفترة المشوشة لم تطل فمنذ شهر مايو 2003م بدأ تنظيم "القاعدة" حملة إرهابية منظمة استهدفت زعزعة استقرار المملكة وأمنها وشهد ذلك العام أحداث تفجيرات المجمعات السكنية في أحياء غرناطة واشبيلية وتفجيرات مجمع المحيا السكني في نوفمبر عام 2003م ثم الهجوم على مبنى إدارة المرور في شارع الوشم في إبريل عام 2004م والهجمات الإرهابية التي استهدفت ضرب عصب الاقتصاد السعودي في (ينبع) و(الجبيل) وأخيراً الهجمات الإرهابية الفاشلة ضد مبنى وزارة الداخلية ومركز تدريب قوات الطوارئ الخاصة في (السلي) الشهر الماضي.. وخلال فصول هذه الأحداث وقائع كثيرة لحرب شاملة خاضتها قوى الأمن السعودية ضد الخلايا الإرهابية أحبطت خلالها عشرات الهجمات وضبطت آلاف الأطنان من المتفجرات وعشرات السيارات المفخخة وقتلت واعتقلت مئات الإرهابيين، كما كشفت معلومات قيمة عن تنظيم (القاعدة) وهيكله القيادي ومصادر دعمه المالي ومنظريه ومروجي فكره المنحرف..
لقد كانت حرباً حقيقية وصعبة أعلن القادة السعوديون أنها لن تتوقف حتى اجتثاث الخلايا الإرهابية بالكامل. فقد أعلن مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في 1422/5/14هـ أن المملكة العربية السعودية تقف بكل حزم ضد الإرهاب وقد دعت المجتمع الدولي لمكافحة ومحاربة هذه الظاهرة الإجرامية. وأكد سمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز في لقاءاته المتكررة مع جموع المواطنين أن المملكة ماضية قدماً في محاربة الإرهاب ولو لـ 50سنة قادمة. وقال صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام أمام مجلس الشورى في 1423/6/5هـ إن المملكة كانت سباقة في كل ما من شأنه إرساء دعائم الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب بكل صوره وأشكاله وقد كان من الطبيعي أن تبادر لإدانة واستنكار الجرائم الإرهابية البشعة وأن تشارك في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، بينما جدد سمو وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز التزام المملكة بالتصدي بحزم للإرهابيين وتصميمها على اجتثاث هذه الظاهرة من المجتمع السعودي، وقال سموه في مناسبات عديدة إن المملكة لن تسمح لأحد بزعزعة الأمن والاستقرار وستضرب الإرهاب بكل قوة وعزم. ونقلت الدبلوماسية السعودية هذا الموقف السعودي إلى كافة المحافل الدولية وعبر قنوات الاتصال الدبلوماسي مع الدول الصديقة والشقيقة المشاركة في الجهد الدولي لمكافحة الإرهاب.
وفي هذه الحرب الشرسة سقط عشرات الشهداء من المدنيين الأبرياء ورجال الأمن البواسل، لكن المحصلة النهائية كانت ضربات موجعة لتنظيم القاعدة وخلاياه السرية ونجاحات باهرة في المحافظة على أمن البلاد واستقرارها وتعبئة المجتمع السعودي بكل طاقاته وشرائحه ضد الإرهاب والتطرف.
ومن بين كل الدول التي انخرطت في الحرب الدولية على الإرهاب يمكن القول دون انحياز إن الحملة السعودية الشاملة ضد الإرهاب كانت الأكثر جدية وفعالية بشهادة المجتمع الدولي ومنظماته المعنية فإلى جانب نجاحاتها الأمنية وتصديها المنهجي للفكر التكفيري من خلال المنابر الدعوية والإعلامية، تعاونت المملكة بلا حدود أو قيود مع جهود المجتمع الدولي في الحرب ضد الإرهاب، وأوفت بالتزاماتها إزاء قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، واتخذت سلسلة من الإجراءات الفعالة لضبط تدفق الأموال ووضعت ضوابط دقيقة لمنع المنظمات الإرهابية من استغلال مظلات العمل الخيري الإسلامي، وضاعفت من تعاونها الإقليمي والدولي على صعيد تبادل المعلومات والخبرات.
إن المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي يفتتحه سمو ولي العهد يوم السبت في الرياض بمشاركة وفود من أكثر من 40بلداً يعد خطوة متقدمة في الحرب ضد الإرهاب، ومساهمة سعودية مهمة في تفعيل وتنسيق جهود المجتمع الدولي ضد التهديد الإرهابي، ودعوة المملكة لهذا الملتقى غير المسبوق تتويج لمواقفها المبدئية الثابتة المناهضة للإرهاب وفرصة لبحث علمي عالمي نزيه يدرس كل جوانب ظاهرة الإرهاب وسبل مكافحتها بما في ذلك جرائم غسيل الأموال وتجارة المخدرات وتزوير الوثائق الرسمية على ضوء ما تكشف خلال مراحل الحرب ضد الإرهاب وتجارب كل دولة وما خلصت إليه من نتائج ودروس. ومن المؤكد أن المجتمـع الدولي كله سيستفيد كثيراً من مداولات هذا المؤتـمر وورش العمل المصاحبة لفعالياته ونتائجه ليــــس فقط على صعيد المعالجات الأمنية للظاهرة الإرهابية، بل أيضاً على صعيد تحقيق فهم أكثر عمقاً وشـمولية للظاهرة ووضــع الإرهــاب في معياره الصحيح كسلوك إجرامي لا علاقة له بالدين أو الجنس أو القيم الثقافية والاجتماعية.
إن عقد هذا المؤتمر في العاصمة السعودية وبدعوة من القيادة السعودية يعد أيضاً رسالة مهمة للرأي العام الدولي تجسد سياسات المملكة التي تدين وترفض الإرهاب بكل أشكاله.. فقد ظلمت بلادنا وشعبنا كثيراً في هذا المجال وآن الأوان لتصحيح الصور المغلوطة والمشوهة التي تضع الشعب السعودي في نفس السلة مع ألد أعدائه والمتربصين بمصالحه وأمنه واستقراره. والمشاركة الدولية الواسعة النطاق في هذا المؤتمر التاريخي تشير إلى بداية تصحيح المفاهيم الخاطئة عن المملكة وعن الإسلام والمسلمين وثقافتهم وحضارتهم، وبهذا المنظـــور فإن المـؤتمر ضـربة في الصــميم للمنظمات الإرهابـية وأهـدافها ومخططاتها وانتصار جديد يضاف لســجل الانتصارات الباهرة التي حققتها المملكـة في حربـها على الإرهاب.
































