يبدو أن الثقافة الانتخابية بشكل عام ما زالت غائبة عن السواد الأعظم من الذين تم ترشيحهم لخوض الانتخابات البلدية، وهذا يعود من وجهة نظري إلى الفهم القاصر من أن الانتخابات هي مجرد الحصول على مقعد من المقاعد المخصصة وذلك بتجييش الناخبين سواء من ذوي القربى أو من أبناء العشيرة أو القبيلة إلى غيرهم وذلك بإعطائهم وعوداً غير صحيحة ومضللة بل إنها في معظم الأحوال وعود كاذبة.
صحيح أن من حق كل ناخب أن يعرف بنفسه في وسائل الإعلام المحددة سلفاً ولكن يجب ألاّ تصل إلى حد المبالغة الممجوجة وغير المقبولة عرفاً والتي لا يمكن أن يتقبلها جاهل قبل المتعلم ليخرج علينا مرشح أو مجموعة من المرشحين لكي يسرفوا ويبذروا في إعطاء الوعود، فليس من المنطق أن يقول أحد المرشحين بأنه سوف يوفر سكناً ميسر! لأنه ببساطة مهام المجالس البلدية التي سوف يعمل المرشح من خلالها ووفق أطرها لا تقول لنا إن عضو المجلس البلدي من مهامه توفير سكن ميسر في حين أن صندوق التنمية العقاري الذي تدعمه الدولة بسخاء وبمليارات من الريالات لا يتمكن من تلبية طلبات المواطنين الذين ينتظرون على القائمة لكي يأتي مواطن بسيط لا يملك مثلما يملكه المجتمع ويعد ناخبيه بسكن ميسر لأنه مرة أخرى الانتخابات ليست للصندوق العقاري بل إنها لمهام وأمور تتعلق بأعمال البلدية وأكثر تحديداً بالأنظمة واللوائح وذلك من خلال تعديلها أو إلغائها أو الإتيان بأنظمة ولوائح جديدة تسهل على الناس حياتهم وتبسطها وتعالج مشاكل ما زالت قائمة.
الأمر الآخر الذي يطرحه المرشحون للفوز، وما أكثر وعودهم التي سوف نتطرق إليها، هو حل المشاكل البيئية، والسؤال هو كيف؟ أو ما هي الآلية التي سوف تتبع؟ فمشاكل البيئة مهمة ولكن ليست فحسب مسؤولية المجالس البلدية بل إن هناك أكثر من قطاع مسؤول عن حماية البيئة من التلوث.
الأمر الثالث عندما يأتي أحد المرشحين ويقول لنا إنه سوف يطلب منح أراض سكنية للأيتام والأرامل، والسؤال هنا هو هل من مهام العضو المنتخب هو السعي لإيجاد أراض سكنية سواء للأرامل والأيتام أو غيرهم من الضعفاء والمساكين وأصحاب الدخول المحدودة، هذه كذلك غير موجودة من ضمن مهام المجالس البلدية.
الأمر الرابع عندما يأتي أحد المرشحين ويقول إنه سوف يحل مشاكل المرور داخل مدينة الرياض الأمر الذي عجز عنه خبراء ومختصون في الحركة المرورية ووزارة النقل، تلك المشاكل الناتجة من عدم تنسيق وزارة النقل مع إدارة المرور عند إنشاء الطرق لدينا في السابق فيما يتعلق بمسارات الطرق والمخارج من الطرق والمداخل إليها، ليأتي من يقول لنا إنه سوف يحل مشاكل المرور والزحام التي نعاني منها عندما يفوز بمقعد، وبالتالي ما هي الآلية مرة أخرى للتنفيذ؟
الأمر الخامس عندما يقول مرشح بأنه سوف يعمم الحكومة الإلكترونية في كافة الدوائر الحكومية، وهذا أيضاً ليس من مهام المجالس البلدية. كذلك عندما يعلن أحد المرشحين ويقول بأنه سوف يعقد مؤتمراً صحفياً ليشرح فيه برنامجه الانتخابي في حين أنها موضحة بالمهام، كل ما عليه أن يدعو الله العلي القدير بل يعاهد الله على خدمة وطنه وولاة أمره وناسه الذين سوف يعطونه أصواتهم من أجل تحقيق أهداف تلك المجالس البلدية بكل نزاهة وإخلاص وأمانة، وأن يكون عند حسن ظن من انتخبوه بالإنتاجية العالية والإبداع والابتكار ومراعاة احتياجات ومطالب المواطنين، فهو ليس مطلوباً منه في برنامجه الانتخابي أن يأتي ببدع وأمور أخرى ليست من المهام التي سوف يضطلع بها أولاً، وثانياً إنه يلزم نفسه بأمور هو شخصياً غير قادر على تحقيقها لنفسه هو فما بال تحقيقها للآخرين.
وعندما يكون أيضاً من ضمن برنامجه الانتخابي شعر وشعراء ورواة ومسابقات يومية وندوات ومحاضرات وكأننا سوف ننتخبه للأندية الأدبية فما دخل الشعر بالمجالس البلدية؟ إلا إذا كانت لدينا مضارب للبادية لأن الربابة بالفعل أقحمت في انتخابات المجالس البلدية، وكذلك البعض منهم يشير إلى أن الناخبين سوف يلتقون بعدد من المسؤولين لاستقبال آرائهم ومقترحاتهم وبالتالي فإن على أولئك العدد من المسؤولين الذهاب لكل تجمع انتخابي وألاّ يكون مقصوراً فقط على تجمع انتخابي واحد دون غيره، لأن هذا من باب العدل والمساواة.
وفيه من يقول أيضاً إن من ضمن برنامجه الانتخابي إلزام أصحاب المخططات السكنية بوضع مرافق للخدمات الصحية والحدائق والمتنزهات والمدارس والمراكز الاجتماعية" وأخونا ما يعرف أن الطيور طارت بأرزاقها وليس هناك مخططات جديدة إلا على طريق الدمام لحملة الدكتوراه وهي منح لهم تقع مقابل أول نقطة تفتيش على طريق الدمام تبعد بالتمام والكمال خمسين كيلو متراً عن العاصمة الرياض من جهة الشرق بدءاً من استاد الملك فهد.
والآخر ضمن برنامجه العمل على مد الجسور والتواصل بين المواطنين والمسؤولين، أمر غريب ولكن ما هي الآلية لتنفيذ ذلك؟ ثم هل هي من مهام المجالس البلدية؟
والبعض من المرشحين يقول إن طموحاتهم تلامس أفكارنا، ولكن إلى الآن لم نعرف أفكارهم علشان نرى هل هي سوف تلامس أفكارنا أو على الأقل تشمها من بعيد.
والبعض الآخر يقول أن نجعل الرياض مدينة حضارية دون تلوث ودون زحام وبتخطيط جديد للتجمعات السكانية والتجارية أينكم من البداية ما قلتوا لنا هذا الكلام الله يهديكم إلا بعد أن أقفلت أحقبة الانتخاب وإلا كنا جبنا جميع ربعنا وسجلناهم طالما أنكم سوف تنقذوننا من التلوث وحرق الأعصاب على كوبري الخليج الذي يربط شرق العاصمة بغربها، وأنكم سوف تهدمون المباني لكي تخططوا من جديد عاصمتنا الرياض.
أما من يقول إن برنامجه الانتخابي هو الإصلاح فهو أيضاً يستخدم كلمة فضفاضة من أجل الاستهلاك المحلي، وكأن الفساد يدب في جميع مرافق البلديات وبالتالي فإن لديه عصا موسى للإصلاح.
أما الأطباء فدخلوا معمعة الانتخابات البلدية ويبدو هذه المرة يريدون أن يقوموا بعمليات جراحية تجميلية لأحياء مدينة الرياض، أو أنهم يريدون فصل مياه أو بيارات الصرف الصحي عن مياهنا الجوفية، أو عن حي الحاير في مدينة الرياض التي أزكمت أنوف سكان جنوب مدينة الرياض لعقود زمنية طويلة بدون حل أدت إلى تفاقم الأوبئة والأمراض للساكنين قربها وللمزروعات المنتشرة على نهر الحاير التي نأكل منها ليل نهار، الله يستر علينا وعلى أولادنا.
والبعض الآخر من المرشحين تعدى حدود الوطن إلى ما هو أبعد منه ألا وهو إنشاء مدينة لتقنية المعلومات وصناعتها أي توطين التقنية من الخارج جميل جداً اللهم زد وبارك.
أما الخيام والاستراحات فإنها تعج بكل ما لذ وطاب من المفاطيح جمع مفطح وحتى القعدان "صغار الجمال" وغيرها من المقبلات والمشهيات والمشروبات الساخنة والباردة، ولكن هناك نقطة مهمة وهي كيف سوف يعرف المرشحون أن المرتادين لحملاتهم الانتخابية سوف يصوتون لهم، فقد يستغل هذا الكرم من قبل من يقدمون المآدب من قبل البعض، فلو قلنا إن ذلك الكرم الذي بدأ من يوم 18ذي الحجة وسوف ينتهي يوم الأربعاء الموافق 29من الشهر نفسه أي على امتداد 12يوماً سوف تنحر من الذبائح ما يطعم مدينة الرياض بأكملها، وتهدر من الدماء من أجل كسب أصوات، ولكن مرة أخرى من يضمن لأولئك المرشحين أن أولئك الذين يتنططون من مأدبة إلى أخرى في تلك الخيام أو التجمعات الانتخابية سوف يعطونهم أصواتهم، ففي آخر لحظة قد يغير رأيه ويعطيه لمرشح آخر، أو قد ينام ذلك اليوم حيث إنه يوم خميس ولا يصوت لأي من المرشحين؟ ولكن سوق الغنم والمطابخ والخيام والاستراحات عامرة هذه الأيام، ويقول أحد الرواة الظرفاء إن البعض من المرشحين وضعوا مصاحف على مداخل تجمعاتهم الانتخابية ولا يسمحون لأحد بالدخول إلا بعد أن يؤدي القسم بأنه سوف يصوت له وإلا فإن ما عليه إلا أن يقفل راجعاً لأن المفاطيح هي لمن سوف يصوت له. في حين أن البعض الآخر رصد مبالغ وهواتف نقالة كمغريات، وتناسوا أن أي مرشح يحترم نفسه وكذلك من يريد هو أن ينتخبوه إذا لم تتوفر لديهم القناعة الذاتية به كمرشح فإنه لا داعي لإعطاء الصوت له، فالعملية ليست رشوة بل هي قناعة من المصوت للمرشح بأن ذلك المرشح هو من سوف يسمعه صوته عندما أسمعه صوتي دون أية رشوة أو أكل دسم أو غيره.
أما صور المرشحين في الشوارع فإنها جميلة وبصراحة ازدانت الشوارع بها، المهم أن البلديات تكسب من المرشحين ومؤسسات الدعاية والإعلام أيضاً الذين سوف يكسبون ذهباً، وسوف يكسبون أرباحاً ولا في الخيال حتى لا يجلسوا على مقاعد تلك المجالس السبعة إلا بعد أن ينفقوا ما وراءهم ودونهم من أجل الظفر بكرسي البرستيج، والبعض الآخر يقول "إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل" على الأقل أسجل حضوراً لي على مستوى أول انتخابات تشهدها البلاد والعباد وبخاصة ممن أنعم الله عليهم من أرباح المكاتب العقارية والاستقدام والمخططات وأصحاب الدكتوراه الشرفية ومكاتب الحج والعمرة، أما البعض من الأكاديميين المؤهلين الغلابى الذين تقوم على أكتافهم تنمية وتطوير المجتمع فإنهم لا يملكون قيمة استئجار موقع الكتروني لكي يعرف بنفسه، لأن الواقعي منهم الذي لا يعطي وعوداً موهمه للمصوتين فإن برنامجه الانتخابي لا يحتاج إلى تعريف وضحك على الناس لأن مهام تلك المجالس محدودة في (مادته 23بفقراته الـ 14) والتي لا يوجد فيها: إعطاء أراض للأرامل والأيتام وأصحاب الدخل المحدود، ولا فك الزحام والاختناقات المرورية، ولا إعادة بناء مدينة الرياض بعد هدمها وبنائها من جديد، ولا منع التلوث حيث إن هذا من صلاحيات مؤسسة الأرصاد وحماية البيئة، إلى غيرها من الأمور المضللة التي تنم عن عدم احترام لمن يريدون انتخابهم من المواطنين.
نختم حديثنا ونقول للإخوان في اللجنة العليا للانتخابات البلدية إن التنظيم كان وما زال رائعاً للانتخابات، وهذه حقيقة يجب أن يعرفها الجميع ويجب أن نشيد بها ككتاب ولكن كان من المفترض أن يكون للجنة العليا للانتخابات البلدية دور في إعطاء الفرصة المتساوية لجميع المرشحين في وسائل الإعلام ومواقع على شبكة الإنترنت فقط تدفع من قبل اللجنة بمبالغ رمزية، يتحمل نصفها المرشحون والنصف الآخر اللجنة المسؤولة عن الانتخابات طالما أن الهدف هو خدمة الوطن والبحث عن أناس مؤهلين وقادرين على خدمته وليس إعطاء الفرصة لمن لديهم المادة ويبحثون فقط عن البرستيج في حين غيرهم لا يملكون إلا مرتباتهم التي تعيلهم وأبناءهم ومع ذلك لديهم الحماس لخدمة وطنهم والمشاركة في اتخاذ القرارات لأنه بهذه الطريقة وبهذا الشكل سوف يستبعدون وسوف يفوز تجار الجفرة وأصحاب العقار وغيرهم ممن أنعم الله عليهم، إضافة إلى منع أي تجمع انتخابي أو خيام أو استراحات أو ملصقات ثابتة أو متحركة في الشوارع وبذلك تكون الفرص متساوية للجميع القادر وغير القادر، فليس من المنطق مرة أخرى أن يستبعد فقط من لا يملك المادة لدعم حملته الانتخابية لكي يخسره المجتمع، فالفرص للمرشحين يجب أن تكون متساوية للجميع إذا أردنا فعلاً خدمة بلدنا وناسنا على أكمل وجه.
د.سلطان عبدالعزيز العنقري
































