
مات جمال عبد الناصر، وتولى السادات الحكم. نفر الناس من السادات ثم سرعان ما ألفوه.
- كان الناس يعاملون السادات بعدم جدية، فهو في نظرهم ضعيف، وقد جاء إلى سدة الحكم بشكل مؤقت، إلى أن تتم مسألة تصفية الحسابات بين الأطراف المتصارعة.
في الوقت نفسه بدأ السادات في إجراء عمليات تسهيل وتخفيف كثير من الإجراءات في مختلف الأمور. وهذا أعطى نوعاً من الراحة بالنسبة له، لكنني أعتقد أنه حتى سنة 1973م لم يأخذ أحد تصرفاته بمأخذ الجدية.
بعد حرب 1973م ما الذي صارت إليه الأمور، خاصة أن هناك لغطاً يثار من وقت لآخر يسأل: هل هو انتصار أم إخفاق؟
- طبعاً لما جاء انتصار سنة 1973م استقبله الناس استقبالاً هائلا، وسأعطي لك بعض التفصيلات المؤيدة لوجهة نظري. الناصريون كان لديهم أزمة أن هذا الرجل حرمهم من امتيازاتهم، وكان بداخلهم الشعور بأن النظام الجديد يحرجهم، وأنه يأخذ منهم موقفاً معادياً. كانت هناك أيضاً الرغبة في تشويه عمل الرجل، لكنني أعتقد أن الرأي العام كان يرى أن انتصار أكتوبر 1973م هو انتصار حقيقي ومشرف، وأنا أقول لك إنه على عكس الفوضى التي حدثت سنة 1967م، والشعور بالاضطراب جاءت حرب 1973م لتحدث انضباطاً في كل شيء: في الشوارع، التموين، الحالة الأمنية.
الحقيقة أن الناس أحست بالمسئولية وتصرفوا على هذا الأساس، وبالطبع بعد هذه الحرب حدثت عدة أمور غيرت الطابع السياسي المصري كلية. أولها أن بدأ التخطيط للانفتاح الاقتصادي، وقيل إن هناك عدداً من الانحرافات، وكان هناك لغط أنه بدأ يحدث تسيب في الدولة والقفز فوق القوانين. هذا لا يمنع من القول إنه في الفترة الأخيرة من حياته كان يتصرف بعصبية زائدة، فقد اعتقل كل الاتجاهات السياسية، وأخذ موقفاً من البابا شنودة، وأثار الأقباط، واعتقل السياسيين.
من الواضح أن الشهور الأخيرة أنه كان يمر بإحساس نفسي بالعزلة، لذا تصرف تصرفات لا تتناسب مع ما كان يمثله من قدرة على المرونة فيما قبل.
الأمر الثاني أنه في سنة 1977م، ولما قامت مظاهرات الخبز أسماها "ثورة الحرامية" ، والناس أطلقت عليها "ثورة الجياع" بسبب ما حدث من ارتفاع كبير في الأسعار، وهذه لحظة فارقة في تصرفاته.
قبل هذا كان منتبهاً إلى التحرير، فأدار حواراً وطنياً حقيقياً، لكنه بعد الحرب وتحولات الانفتاح ثم ثورة الخبز، زادت قبضته، وغير كثيراً من الأوضاع لمصلحته، ومن ضمن الأشـياء التي غيرها الدستور الذي نعيش في ظله حالياً، فهو يضع كل السلطات في يد الحاكم.
صحيح أن الدستور أول ظهوره جعل منصب رئيس الجمهورية يمكن للشخص الواحد شغله لدورتين، لكن في سنة 1976م جعل السادات المدة مفتوحة.
لكنه لم يستفد طويلاً!
- نعم، إنما استطيع أن أقول لك إنه بدءاً من سنة 1973م إلى سنة 1977م كان السادات يتمتع بقدر كبير من الشعبية والاحترام.
مع مظاهرات واضرابات سنة 1977م بدأت ردود أفعاله تزداد، كما اشتدت قبضته على الحكم، وفي السنة الأخيرة من ولايته أستطيع أن أقول إنه كاد يفقد أعصابه تماماً، وبدأ يتصرف تصرفات أغضبت الجميع، نتيجة شعوره أنه قدم تنازلاً كبيراً بذهابه إلى القدس، ثم لم يحصد مقابلها شيئاً معقولاً، ولنضف إلى ذلك أن الأمريكان بدأوا يتجاهلونه، فأحس أنه خسر كل شيء.
معنى تحليلك يقودنا إلى أن زيارته إلى القدس 1977م أدت لتراجع شعبيته؟
- أعتقد على عكس ما يقال، أنه حين رجع من زيارة القدس وخطابه في الكنيست خرج لمقابلته ما لا يقل عن خمسة ملايين مواطن، وقد خرجوا بدون تنظيم، وبتلقائية، ولقد فوجيء الرجل بالتأييد الشعبي الذي لم يتصوره.
لكن هذا التأييد تراجع بعد ضرب المفاعل النووي العراقي.
- حين كان الرئيس الإسرائيلي "مناحم بيجن" في مصر، وقابل السادات، بعد المقابلة مباشرة تم الضرب، فشعر الناس أن الخطوة التي قام بها السادات لم تقابل بجدية من ناحية إسرائيل. إنما عندما قام بزيارة القدس أعتقد أن قسماً كبيراً من الشعب كان مؤيداً له وسعيداً بما حدث.