المقالات

العدد 1842 - 05/02/2005

السـفر إلى الخارج كان أشـــــــبه بـدخـــول الجنـــة!
قراءات المرحلة
المرحلة الجامعية
حريق القاهرة
مؤشرات أخرى
العودة إلى مصر
حكم السادات
الملك فيصل وإيقاف البترول
سنوات الكويت
مرحلة بيروت

د.حازم الببلاوي القطب الاقتصادي الكبيرالذي قام بدور لا يستهان به في تطوير آليات الاقتصاد العربي من خلال العديد من المناصب التي شغلها، فأضاف إليها بعقله وكفاءته. في حوارنا مع الدكتور حازم الببلاوي كان مشغولاً ـ ونحن معه ـ بفحص وتمحيص رحلته الطويلة مع هموم الوطن العربي، بدءاً من مسقط الرأس مصر مروراً بتلك المنعطفات الدراماتيكية التي مر بها الوطن العربي، وليس الاتكاء على الماضي حنيناً إليه بقدر ما هو محاولة لفهم الواقع الآني، وأخذ دروس وعبر نؤسس لها مستقبلنا. يأخذنا الرجل لمشوار طويل، منذ بدأ خطواته الأولى في جامعة الإسكندرية مروراً بدوره في تطوير صندوق الإنماء العربي حتى صار واحداً من النخبة الاقتصادية ذات الثقل في وطننا العربي.
ولكل هذا نعتقد أن شهادة الرجل تكتسب مصداقيتها من صدقها وبساطتها وقدرتها على تعميق خطوط اللوحة التي عاش تفاصيلها بكل فهم ووعي ممكنين.

حوار: فؤاد نصرالله

بيئة القاهرة سنة 1936م بيئة مختلفة، وحافلة بالتغيرات خاصة أثناء العهد الملكي، إلا أنها مرحلة حظيت أيضاً بالقمم. حدثنا عن بيئتك، وذكرياتك طفلاً في أحياء القاهرة؟
- ولدت في 17أكتوبر سنة 1936م ونشأت في أسرة متعلمة. والدي كان يعمل في ذلك الوقت محامياً في إدارة قضايا الحكومة، وبعد ذلك أصبح مستشاراً في مجلس الدولة، ثم رئيساً لمجلس الدولة.
هو نفسه ينحدر من أسرة دينية عريقة، فأبوه رجل دين، وجده شيخ الأزهر، وهي عائلة كان بها نقابة الأشراف، فمن ناحية أسرة والدي، هي أسرة محافظة، أصلها من الصعيد، و"الببلاوي" تنسب إلى قرية "ببلاو" في ديروط بمديرية أسيوط، وهي بقلب صعيد مصر.
هذه العائلة عندها اعتقاد سائد أنها من الأشراف، وبدأ اسم "ببلاوي" نسبة إلى أول واحد من أبناء هذه العائلة ترك القرية، وراح إلى القاهرة كي يتعلم في الأزهر، ثم أصبح نقيباً للأشراف، ثم تولى إمامة جامع الأزهر، وكان مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت الشيخ محمد عبده، لأن الخديوي كان قد أراد أن يبعد الشيخ محمد عبده فقد رفض شيخ الأزهر ذلك، وترك بسبب هذا الإبعاد منصبه، هذا من ناحية الأب.
دخلت مدارس حكومية، أولها "الأطفال" ثم مدرسة حلمية الزيتون الابتدائية، ثم مدرسة عين شمس الثانوية، وكنت طالباً مجتهداً، حيث كنت دائماً من المتفوقين، فإن لم أصبح الأول على الفصل، فعلي أن أكون الثاني أو الثالث لا أكثر.

قراءات المرحلة

قبل أن نخوض في المرحلة التالية، حدثنا عن مرحلة الطفولة. قراءات المرحلة، فجيلكم بالتاكيد مختلف عن جيلنا. كيف كان شكل الحياة، وما طبيعة الكتب التي كنتم تقرأونها. أعطنا نبذة عامة عن هذه المرحلة.
- كنت في هذه المرحلة صورة مكررة لعائلة من الطبقة المتوسطة، فالأب موظف، وكان البيت لديه تقدير كبير لفكرة العلم، فأبي كان من عائلة لم تكن ثرية، لكن حياتهم ـ سواء من ناحية جده حين ذهب للأزهر أو غيره ـ أرتبطت بالتعليم، فكانت ثمة قيمة كبيرة للإحساس بأهمية التعليم، وهذه القيمة تبدت في تفوقي بالمدرسة، فقد كان إحساسي أن هذا واجب لا بد أن أؤديه.
أبي ـ رحمه الله ـ كان يحب لنا أن نقرأ، فكان يعمل لنا نظاماً جميلاً، وهو أن يجعلنا نقرأ الكتب، وكل كتاب نقرأه ونلخصه نحصل منه على 25قرشاً.
الكتب في ذلك الوقت لا أذكرها ـ بالطبع ـ كلها، لكن أذكر بعضها، ففي ذلك الوقت المبكر بالنسبة لي قرأت عبد الرحمن الرافعي وكتبه في تاريخ الحركة الوطنية، ثم مجموعة أجزاء عن تاريخ الوطن.
أذكر أيضاً بعض كتب العقاد منه كتاب عن سعد زغلول، وأذكر أيضاً مقامات الحريري لمحمد المويلحي.

المرحلة الجامعية

حدثنا إذن عن المرحلة الجامعية وَمن من زملائك ترك في نفسك أثراً قوياً؟
- دخلت كلية الحقوق، وكنت متفوقاً أيضاً، وحصلت على مجانية التفوق لمدة أربع سنوات. في هذه السنوات حصلت على تقدير جيد جداً.
في الثلاث سنوات الأولى كان تقريري ممتازاً، لكن التقدير تراجع في السنة الرابعة، وكان في كليتي أربعة طلاب يتناوبون المراكز الأربعة الأولى من الأول إلى الرابع.
وهؤلاء الأشخاص هم الذين احتكروا التفوق طيلة أربع سنوات بدون منافسة مع أحد آخر، وأنا واحد منهم، أما الآخرون فمنهم المرحوم ابراهيم شحاته، وهو الذي أصبح فيما بعد نائب رئيس البنك الدولي، أما السيدة التي كانت تنافسنا في التفوق فهي الدكتورة فوزية عبد الستار، وهي أستاذة القانون الجنائي، ودخلت مجلس الشعب ورأست اللجنة التشريعية فيه، والثالث هو الدكتور سامي عبد الحميد الأستاذ بجامعة الاسكندرية.
لنعد إلى الجامعة!
- كانت كلية الحقوق في ذلك الوقت بالذات هي مدرسة القوانين، وبالتالي هي معقل الحرية، وأنا أتحدث عن الفترة التي قامت خلالها الثورة فقد دخلت الجامعة بعدها، وهي فترة حراك سياسي ضخم، حيث أفرز تعارض المصالح صداماً مع التيارات المتعارضة، وكانت أول أزمة للثورة مع محمد نجيب، وتداول الآراء حول ضرورة الحريات أو تأجيلها لبعض الوقت. كانت كلية الحقوق تشتعل مع المواقف المنحازة للحرية، وكثير من الأساتذة الشبان الذين تعاونوا بعد ذلك مع الثورة كانوا يأخذون مواقف شديدة الوطنية ضد تدخل السلطة وانتهاك القوانين. لكن مع مرور الزمن وجدوا طريقهم للوصول إلى مقاعد حكومات الثورة واحداً وراء الآخر.
يعني مثلاً، كان في ذلك الوقت الدكتور رفعت المحجوب، الدكتور لبيب شقير، الدكتوراسماعيل صبري عبد الله، الدكتورة عائشة راتب، التي عملت وزيرة للشئون الاجتماعية. كانت مجموعة شباب جاءوا من البعثة، وكانوا في غاية التحمس ولهم موقفهم المستنير من الحرية.

حريق القاهرة

عشت وأنت فتى في ظل العهد الملكي، ثم جاءت ثورة 23يوليو 1952م. حدثنا عن فترة الثورة.
- قامت الثورة في يوليو 1952م، وكنت قد انتهيت من "الثقافة" وهي سنة قبل "التوجيهي" التي هي المقابل للثانوية العامة الآن.
لا تتصور كيف كان الشعب معبئاً ضد الملك فاروق والإحساس بأن الفساد بلغ أوجه، والنظام في منتهى التفسخ. كنا نرى أنه لا بد أن يحدث شيء، وبعد ذلك اكتشفنا أنها كانت أخطاء حقيقية، لكن بولغ فيها كثيراً.
إنما الإحساس بالثورة كان يتلخص في أنه أمر طيب جداً، وأتذكر أنه حين أعلنت الثورة، أن واحداً منا طلع في "البلكونة" وراح يهتف مع الثورة، وشعرت وقتها بسعادة بالغة. كان الشعور الأكيد أن هناك إحساساً قوياً بالفرحة، والأمل.
قبلها بفترة وجيزة حدث حريق القاهرة. كنت في مدرسة عين شمس، وهي بعيدة عن وسط القاهرة، لكن سمعنا أن العاصمة أحرقت، وكان ثمة إحساس بالوجوم، والكل كان يترقب حدوث معجزة لانقاذ البلد. في هذا التوقيت بالضبط قامت الثورة.
كشاب وأعتقد أن الناس كانوا مثلي، شعرنا بمنتهى التفاؤل، وبفرحة عارمة تنبثق من القلب. لما دخلت الجامعة بدأت الأمور تتضح، وتختلف بعض الشيء. كان قد مر سنة ونصف وهناك أحاديث تتناقل أن ما حدث هو مجرد انقلاب عسكري، أو ديكتاتورية عسكرية، بل إن هناك تيارات اعتقدت أن هذه الحركة نتيجة لجهد أمريكي، وسوف يحكم الأمريكان. فكنا نهتف ضد الثورة، وضد الدولار، وكان هناك ميل أكثر لمحمد نجيب في ذلك الوقت المبكر، ثم اتضح فيما بعد أن الأمور مختلفة عما تصورنا.
محمد نجيب كان ضد من؟
- ضد اتجاه جمال عبد الناصر. عبد الناصر لم يكتسب شعبيته إلا بعد عدوان 1956م. أما قبل ذلك فقد كانت الكفة الراجحة لمحمد نجيب، فقد كان بشوش الوجه، وهو رجل كبير في السن يعطي إيحاء بالاطمئنان، ويبدو على محياه الحس الأبوي، فكان الناس يشعرون نحوه بثقة واطمئنان أكيدين، ثم إنه كان الوجه الأول الذي ظهر عند قيام الثورة، وكل هذه العوامل جعلته محبوباً، إضافة إلى طريقته في الكلام المقربة للقلوب، ناهيك عن رتبته العسكرية الرفيعة.
أما جمال عبد الناصر فلم يكن معروفاً في هذا الوقت، وكان الناس ينظرون إليه على أنه شاب قليل الخبرة، ولم يكن صوته في أول الأمر مشوقاً، وهذه المقارنة توضح لنا كيف أن الحالة النفسية للشعوب لها أثر كبير في تحول الأمور. لأننا عندما تزعم جمال عبد الناصر الشعب في الدفاع عن الوطن ضد العدوان الثلاثي أصبحنا نهتم بسماع خطبه السياسية ونشعر أن صوته مشوق بالنسبة لنا، لكن أتذكر أن أول انطباع لنا نحوه أن صوته لم يكن مشوقاً بعكس محمد نجيب.
بعد ذلك تصاعدت الصيحات التي تفيد أن نجيب يدعو إلى الديمقراطية وعودة العسـكر إلى الثكنات، عكس النخبة العسكرية التي رأت أن تبقى وتسير زمام الأمور. كل هذا أعطى انطباعاً بالراحة لشخصية محمد نجيب الذي يريد العودة للحياة الديمقراطية وهناك في المقابل نوع من الرفض ضد الانقلابات العسكرية والحكام الأمريكان الذين يأتون بحكومات صنيعة.
هذا كان اتجاه الشارع المصري إلى أن قامت حرب 1956م وقبلها تأميم شركة قناة السويس عندها انقلبت الأمور تماماً وأصبح جمال عبد الناصر بطلاً شعبياً.
موجة غامرة من التأييد كما لو أن هناك حبساً للطاقة، وبخار مكتوم فـُـرفع الغطاء، وتصاعدت الطاقة لتعصف بكل شيء. في عام 1956م وجد الشعب المصري نفسه في مواجهة مصيره، ورأى أنه يمكنه أن يتحدى الإمبراطورية البريطانية ويذيقها الأمرين. وجد أن الشعب المصري مع ما سبقها من تأميم للقناة، وسرعان ما تحول الشعب إلى تأييد كاسح للثورة التي بدأت فعلياً في تحقيق طموحاته الوطنية، وتوجت هذا الاتجاه الأغنيات الوطنية التي كانت بمثابة التعبير الفني عن تيار وطني يطمح إلى التغيير نحو الأفضل.

مؤشرات أخرى

فيما تذهب إليه فإن شعبية عبد الناصر جاءت نتيجة حرب 1956م وقبلها تأميمه قناة السويس؟
- نعم، في تلك الآونة تصاعدت أسهم عبد الناصر، وصارت له شعبية هائلة، وبدأ يتحول إلى زعيم شعبي، مع قدرته المتزايدة على التواصل، وإلقاء الخطب الحماسية، واستمر هذا الأمر في تصاعد مستمر، وكانت القمة مع وحدة مصر وسوريا في فبراير 1958م. كانت لحظة عروبية مؤثرة حيث حقق الزعيم الوطني حلماً راود الكثيرين طويلاً، عندها وصل عبد الناصر إلى الذروة التي وصل إليها من حيث الحب الشعبي، والتأييد المطلق من قطاعات واسعة من الجماهير.
أعتقد أن المنحنى بدأ في الهبوط بعد ذلك نتيجة للانفصال؟
- بالفعل بدأ المؤشر في الهبوط النسبي بدرجات متفاوتة بعد انفصال 1961م، فقد كانت الوحدة أمل الناس كلها، بعد ذلك تصاعدت المشاكل في السياسة الداخلية، وحدث نوع من التقييد الأمني على الأفراد، والقيود على السفر، وزاد الإحساس بقبضة الدولة في بداية الستينات، فقد ارتفعت الأسعار سنة 1961م بشكل كبير، وكنت في بعثة بالخارج في تلك الفترة.
كنت قد تخرجت سنة 1957م، واشتغلت في مجلس الدولة ثلاث سنوات، ثم أرسلت إلى فرنسا في بعثة لحساب جامعة الإسكندرية، وأمضـيت هناك الفترة من سنة 1960م إلى سـنة 1965م.

العودة إلى مصر

دعنا من فترة البعثة في فرنسا، لقد عدت بالدكتوراة سنة 1965م، عدت والأجواء مشحونة بالتوتر، والعالم كله ينتظر ضربة عبد الناصر لإسرائيل والتخلص منها في دقائق. حدثنا عن هذه الفترة.
- حين رجعت إلى مصر في سنة 1965م لم يكن هناك كلام مبالغ فيه حول حدوث حرب بيننا وبين إسرائيل، وبالتالي لم يكن في الجو نذر مواجهة عسكرية، فقد كانت مصر مشغولة بحرب اليمن بعد أن قام السلال بالانقلاب على نظام الإمام ، وكانت هناك تغيرات في الواقع العربي خاصة بعد ما سقط نظام العـراق كـذلك.
إذن حضرت إلى مصر وكان هناك جزء من الجيش المصري في اليمن، وكانت تلك المشكلة تشكل نزيفاً كبيراً في القوة العسكرية المصرية.
هل كانت غلطة كبيرة؟
- لا، ليست بهذه الدرجة. طبعاً سقوط نظام الإمامة كان نقطة إيجابية لأنه كان نظاماً متخلفاً وجامداً، فبالضرورة كان على ثورة 23يوليو أن تساعد المحاولات الجديدة للتحول.
لكن ما أظنه أن المصريين لعبوا دوراً أكبر من قدراتهم، ليس هذا فقط، بل بدأوا يتصرفون كما لو أن هذا مقدمة لتهديد نظم أخرى.
أنت في وضع ضعيف، ومحاط بكثير من المشاكل، فعليك أن تخفف الأزمات لا أن تزيد الضغط الواقع عليك. في نفس الوقت بدأ الوضع في اليمن الجنوبي الذي كان تحت السيطرة البريطانية يزداد تعقيداً، والنظام المصري غير مستعد له، ثم تبين أن الجيش المصري ليس له معرفة بالطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة، وليست له معرفة بالتحالفات العشائرية، والعادات الموجودة هناك.
لقد دخل الجيش المصري مستنقعاً خطيراً جداً، وكان التفكير هو كيف يخرج من هذا المستنقع دون أن يفقد كرامته وسمعته.
لما حضرت إلى مصر شعرت أن الاتجاه الاشتراكي هو المشكلة، فالنظام وجد المشاكل تتفاقم في الداخل، وعالج هذه المشاكل بمزيد من محاربة من سماهم أعداء الثورة، أو بقايا الإقطاع، وبقايا العناصر الرأسـمالية، وبدأ يوغل في الاجراءات الاشتراكية، وأدى هذا إلى التدخل في حياة الناس، وفي إحكام قبضة الإجراءات البوليسية، وحبس التيارات المناوئة للسلطة.
وقيل عام 1959م إن هناك مؤامرة من الإخوان المسلمين ضد النظام، وعندما عدت كان الوضع الداخلي غاية في التأزم، والسوء.
في سبتمبر 1970م توفي جمال عبد الناصر. ما انطباعاتك حول هذا الحدث؟
- حين مات جمال عبد الناصر كنت في الكويت أقوم بالتدريس، وهناك جاءنا الخبر أنه توفي. خرجت الناس إلى الشوارع والميادين عن بكرة أبيها، متجهة إلى السفارة المصرية، كان من الواضح أن الوفاة هزت العالم العربي، حزن وإحساس حقيقي بالفقد، وكثيرون جداً في الكويت حتى هذه اللحظة يرون أن جمال عبد الناصر هو الوحيد الذي انتصر لفكرة القومية العربية، وجاء بالعزة للعرب.
لقد فوجئ الناس بما حدث، وبدأوا يبكون من الخوف على المصير المجهول.
هناك عدة امور ينبغي حسمها، منها أن الرجل قد تختلف حول أفعاله، لكن كل ما كان يقوله هو تعبيرعما يجيش في عقول الناس، فهو بحق كان يعكس ضمير أجيال متتالية من الشعب بأسلوب يتسق مع أحلامهم وطموحاتهم الجديدة. لكن خطورة الموقف أن هذا الرجل بالذات عود شعبه أن يتحمل عنه المسئولية، لذا جاء موته المفاجئ في وقت لم يستعد فيه الصف الثاني لحمل مهام وأعباء المسئولية.
ولنضف إلى ذلك أن الرجل مات في عز شبابه ـ 52سنة تقريباً ـ كل هذه الأمور حركت مشاعر الناس.

حكم السادات

مات جمال عبد الناصر، وتولى السادات الحكم. نفر الناس من السادات ثم سرعان ما ألفوه.
- كان الناس يعاملون السادات بعدم جدية، فهو في نظرهم ضعيف، وقد جاء إلى سدة الحكم بشكل مؤقت، إلى أن تتم مسألة تصفية الحسابات بين الأطراف المتصارعة.
في الوقت نفسه بدأ السادات في إجراء عمليات تسهيل وتخفيف كثير من الإجراءات في مختلف الأمور. وهذا أعطى نوعاً من الراحة بالنسبة له، لكنني أعتقد أنه حتى سنة 1973م لم يأخذ أحد تصرفاته بمأخذ الجدية.
بعد حرب 1973م ما الذي صارت إليه الأمور، خاصة أن هناك لغطاً يثار من وقت لآخر يسأل: هل هو انتصار أم إخفاق؟
- طبعاً لما جاء انتصار سنة 1973م استقبله الناس استقبالاً هائلا، وسأعطي لك بعض التفصيلات المؤيدة لوجهة نظري. الناصريون كان لديهم أزمة أن هذا الرجل حرمهم من امتيازاتهم، وكان بداخلهم الشعور بأن النظام الجديد يحرجهم، وأنه يأخذ منهم موقفاً معادياً. كانت هناك أيضاً الرغبة في تشويه عمل الرجل، لكنني أعتقد أن الرأي العام كان يرى أن انتصار أكتوبر 1973م هو انتصار حقيقي ومشرف، وأنا أقول لك إنه على عكس الفوضى التي حدثت سنة 1967م، والشعور بالاضطراب جاءت حرب 1973م لتحدث انضباطاً في كل شيء: في الشوارع، التموين، الحالة الأمنية.
الحقيقة أن الناس أحست بالمسئولية وتصرفوا على هذا الأساس، وبالطبع بعد هذه الحرب حدثت عدة أمور غيرت الطابع السياسي المصري كلية. أولها أن بدأ التخطيط للانفتاح الاقتصادي، وقيل إن هناك عدداً من الانحرافات، وكان هناك لغط أنه بدأ يحدث تسيب في الدولة والقفز فوق القوانين. هذا لا يمنع من القول إنه في الفترة الأخيرة من حياته كان يتصرف بعصبية زائدة، فقد اعتقل كل الاتجاهات السياسية، وأخذ موقفاً من البابا شنودة، وأثار الأقباط، واعتقل السياسيين.
من الواضح أن الشهور الأخيرة أنه كان يمر بإحساس نفسي بالعزلة، لذا تصرف تصرفات لا تتناسب مع ما كان يمثله من قدرة على المرونة فيما قبل.
الأمر الثاني أنه في سنة 1977م، ولما قامت مظاهرات الخبز أسماها "ثورة الحرامية" ، والناس أطلقت عليها "ثورة الجياع" بسبب ما حدث من ارتفاع كبير في الأسعار، وهذه لحظة فارقة في تصرفاته.
قبل هذا كان منتبهاً إلى التحرير، فأدار حواراً وطنياً حقيقياً، لكنه بعد الحرب وتحولات الانفتاح ثم ثورة الخبز، زادت قبضته، وغير كثيراً من الأوضاع لمصلحته، ومن ضمن الأشـياء التي غيرها الدستور الذي نعيش في ظله حالياً، فهو يضع كل السلطات في يد الحاكم.
صحيح أن الدستور أول ظهوره جعل منصب رئيس الجمهورية يمكن للشخص الواحد شغله لدورتين، لكن في سنة 1976م جعل السادات المدة مفتوحة.
لكنه لم يستفد طويلاً!
- نعم، إنما استطيع أن أقول لك إنه بدءاً من سنة 1973م إلى سنة 1977م كان السادات يتمتع بقدر كبير من الشعبية والاحترام.
مع مظاهرات واضرابات سنة 1977م بدأت ردود أفعاله تزداد، كما اشتدت قبضته على الحكم، وفي السنة الأخيرة من ولايته أستطيع أن أقول إنه كاد يفقد أعصابه تماماً، وبدأ يتصرف تصرفات أغضبت الجميع، نتيجة شعوره أنه قدم تنازلاً كبيراً بذهابه إلى القدس، ثم لم يحصد مقابلها شيئاً معقولاً، ولنضف إلى ذلك أن الأمريكان بدأوا يتجاهلونه، فأحس أنه خسر كل شيء.
معنى تحليلك يقودنا إلى أن زيارته إلى القدس 1977م أدت لتراجع شعبيته؟
- أعتقد على عكس ما يقال، أنه حين رجع من زيارة القدس وخطابه في الكنيست خرج لمقابلته ما لا يقل عن خمسة ملايين مواطن، وقد خرجوا بدون تنظيم، وبتلقائية، ولقد فوجيء الرجل بالتأييد الشعبي الذي لم يتصوره.
لكن هذا التأييد تراجع بعد ضرب المفاعل النووي العراقي.
- حين كان الرئيس الإسرائيلي "مناحم بيجن" في مصر، وقابل السادات، بعد المقابلة مباشرة تم الضرب، فشعر الناس أن الخطوة التي قام بها السادات لم تقابل بجدية من ناحية إسرائيل. إنما عندما قام بزيارة القدس أعتقد أن قسماً كبيراً من الشعب كان مؤيداً له وسعيداً بما حدث.

الملك فيصل وإيقاف البترول

في حرب سنة 1973م نذكر أن الملك فيصل قرر إيقاف تصدير النفط لأمريكا والدول المتحالفة مع إسرائيل. كيف انعكس ذلك القرار على الشعب المصري؟
- هو موقف كبير أن يقوم الملك فيصل بوقف إمدادات البترول للدول المساندة للعدوان الإسرائيلي، وهذه من الفترات التاريخية التي انتعش فيها الأمل من جديد، حيث كان هناك شعور قوي بعودة القوة العربية، وهي الفترة التي اشتغلت فيها بالصندوق العربي للإنماء، وكان إحساسنا وقتها أننا القوة الاقتصادية الجديدة التي ستتمكن من إنشاء مشروعات إنمائية عظيمة. كان هناك نوع من الزهو بالنفس، ولقد كان التهديد بقطع إمدادات البترول سبباً أساسياً في رفع أسعار النفط، واستعادة الدول العربية لقدراتها، حيث بدأ نجم القوة العربية في الصعود، وأدى هذا إلى إيجاد فرص عمل حقيقية.
كانت فترة احتشدت فيها الإرادة العربية كأفضل ما يكون، وشعرنا جميعاً بالفخر والزهو والقدرة على امتلاك الإرادة، وهو ما حدث نتيجة التضامن العربي الحقيقي، ونتيجة لوجود موقف محدد علني وواضح لتحرير الأرض وتحرير الإرادة.

سنوات الكويت

هذا على المستوى العربي، فماذا على المستوى الشخصي، كيف مضت مسيرتكم؟
- اشتغلت في مصر، ثم ذهبت للكويت ثلاث سنوات، ورجعت لبلدي مدة ثلاث سنوات أخرى، ثم عدت للكويت ثانية. أول مرة رحت للكويت كأستاذ جامعي، وثاني مرة كمسئول بصندوق الإنماء العربي، وهذه كانت فترة هامة جداً من حياتي، لأننا كنا بصدد إنشاء الجامعة، ورأيت الطلاب الأوائل الذين دخلوا الجامعة، وهم الذين تولوا الوزارات خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، وأغلبهم من طلابي، مثل أنور نور، عبد الكريم البابطين، يوسف الإبراهيم وغيرهم، جيل جديد من أبناء الكويت، لكن ما أود قوله أن إنشاء جامعة الكويت كانت مسألة تبعث على الأمل، وكان الطلاب لهم قسم غير قسم الطالبات، وتطورت الجامعة، خاصة أنها كانت وليدة في حين أن هناك طلاباً آخرين ذهبوا للدراسة في أمريكا، أو بيروت، أو القاهرة.
كان طلابنا يريدون أن يثبتوا لأقرانهم أنهم ليسوا أقل كفاءة منهم، وبالفعل كانت لديهم روح مقاتلة.
عدت من الكويت إلى مصر.
- نعم. عدت لأكون أستاذاً مساعداً وقمت بالتدريس في جامعة الإسكندرية، وهي مرحلة عابرة في حياتي فقد عدت من سنة 1971م إلى 1974م وتضمنت هذه الفترة ترتيبات الإعداد للحرب، ولم يكن الشعب قد وثق في السادات بعد.
ثم الكويت ثانية؟
- بالفعل، ذهبت إلى الكويت لأعمل في الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي هذه المرة، كنت باحثاً اقتصادياً، وخبيراً في تمويل المشروعات، وأذكر من بين تلك المشروعات ما أقمناه في السودان، وموريتانيا والصومال.
كانت هناك إنجازات واضحة؟
- بالطبع، وكان الصندوق في أول إنشائه، وكان يحتاج إلى إثبات وجوده، ولديه دراسات هامة، ويقوم بتمويل مشروعات طموحة، كمؤسسة عربية تنشأ بين الدول الفقيرة، وهذا شيء جميل جداً، فهو يشبه البنك الدولي بخبراء عرب من كافة البلدان العربية، وأظنها تجربة كانت تنبئ بالخير، ولكنها لم تستمر طويلاً.

مرحلة بيروت

عدت للقاهرة عام 1983م؟
- نعم، وعهد إلىّ بانشاء البنك المصري لتنمية الصادرات، فأنشأته وكنت رئيسه، وظللت هناك إحدى عشرة سنة حتى 1995م، ثم اخترت أميناً عاماً مساعداً في الأمم المتحدة (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية) في بيروت ، من سنة 1995م وحتى 2000م، ثم منذ 2001م وحتى الآن مستشاراً لصندوق النقد العربي.
لنتوقف في مرحلة بيروت؟
- لما رحت "الإسكوا" وهي تعني اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا، بدأت في الأردن، وكانت قبلها موجودة في بغداد، ثما لما بدأت موجة الحرب بين العراق وإيران انتقلت إلى عمان، وكان لا بد أن تنقل إلى مقر جديد، فاختير مقر بيروت وقمت بنقلها إلى هناك.
طبعاً أهم شيء في فترة عملي الأولى كيف ننقلها إلى بيروت؟ ذهبت من عمان 1995م، وحضرت الى بيروت عام 1997ظللت سنتين أرتب مسألة الانتقال، وهذا تطلب أموراً كثيرة مثل عمل اتفاقية مع الحكومة اللبنانية، لتنفيذ ما يسمى "اتفاقية المقر"، فالنقل عملية معقدة جداً. المهم تم النقل فعلاً وعدت إلى بيروت في أكتوبر 1997م، واستمر عملي هناك حتى آخر ديسمبر 2000م.