المقالات

العدد 1842 -05/02/2005



تأمل شقاً في جدار قديم

ماذا في جعبة الفنانين التشكيليين هنا غير الرحى، والدلال القديمة، والصياد بفانيلته البالية وشبكة صيده المهترئة وسلاله الفارغة إلا من سمكتين، والأحصنة الهائجة التي لا تربح أبداً، والبيوت الطينية المتآكلة، والبئر الحجرية، والخيام السوداء الممتدة، وأواني الفخار المرصوصة، والمرأة المبرقعة ترج قربة الحليب..
أن تستوحي الموروث المحلي على لوحة.. هذا رائع.. لكن أن لا يكون هناك شيء غير هذا الاستيحاء ذلك إفلاس علني وتحول بائس من فنان قادر على خلق الحياة في أدق الإيماءات الصغيرة إلى مؤرخ تشكيلي للتراث.
تأمل المعارض المقامة للفنانين التشكيليين المحليين، أو مواقع الفنون على النت، إن مضمون التراث يكاد ينسحب على مجمل اللوحات، فإذا كان ثمة اختلاف جاءت وجوه الشخصيات المرسومة باهتة، ميتة، بلا حياة كأنما ترتدي أقنعة لالتقاط المشهد فحسب. إن بحثاً عن الجميل هنا يشبه إبرة ضئيلة تائهة في كومة قش هائلة.
تخيّل أن الصراع حول لوحة ليوناردو دي فنشي "الموناليزا" ما زال محتداً حتى الساعة، هيّج الصراع من جديد الفيلم الأخير "ابتسامة الموناليزا" حتى اعتلت القضية طاولة المحاكم. من يستطيع تأكيد ابتسامتها أصلاً، وكثيرون يرجحون في ملامحها امتعاض حزين. هل يمكن إثبات أحد الأمرين؟!
ليوناردو دي فنشي هو نفسه الذي نصح الرسامين المفتقدين للإلهام أن يتأملوا شقاً صغيراً في جدار قديم. ففي هذا الشق الضئيل.. في تلك الخطوط التي رسمها الزمان على الجدران القديمة خارطة للكون!!
تذكّر أن بيكاسو في أول هجرته إلى فرنسا رسم لوحات غلب عليها اللون الأزرق، بينما رسم فان كوخ أكثر من لوحة لحقول الشمس. إن فقر المهاجر الأول حال دون امتلاكه ألواناً أخرى غير الأزرق، وفقر الثاني سبب حيازته على اللون الأصفر فقط. لكن الخيال الباهظ هو الذي ألهب إبداع بيكاسو وفان كوخ. إنه الخيال الذي إن تركناه يتجول في متاهات الذاكرة فسنستعيد دون وعي تلك الحياة المدهشة لأصغر شق في البيت الذي سكناه أولاً. هكذا يؤكد باشلار.
يبدو الشأن شبيهاً بالشخصيات الروائية والقصصية هنا. مثل حبات الذرة تقفز من أدنى تماس طفيف مع الحرارة والزيت لتصبح فيشاراً هشّاً طارئاً. "ذهب، سافر، التقى، نام، ثم عاد من جديد" شخصيات راكدة، ساكنة، بلا تأمل، بلا عمق، بلا حياة، لا يمكن أن تخلف أثراً في الذاكرة، يحركها الكاتب الهش مثلها كقطع الشطرنج.
هل هناك من يشبه ألبرتو مورافيا في "السأم" أو سارتر في "الغثيان"، أو البير كامو في "الغريب"؟! تلك الطاقة الهائلة للكتاب في بناء رواية بأكملها على شعور بغيض قد لا يتسنى للطبيب المتخصص النفسي وصفه.
في الأولى كان السأم، الإحساس بذبول الأشياء، الشعور الغامض بأن ليس بينك وبين الموجودات أية علاقة، كأنني في سجن ضيق محكم الإغلاق عندما يبدو كل شيء أهم بفعله يتمثل أمامي ملتصقاً بنقيضه الذي لم أكن أريد أن أفعله في الوقت نفسه!! هكذا كانت مشاعر البطل دينو.
في الثانية كان شعور الغثيان، الإحساس المضاعف بالاختناق الذي يسببه ذلك الكشف المرير للوجود "ليس الغثيان في داخلي.. إنه هناك" هكذا كان يقول البطل روكانتان.
في الثالثة الاغتراب الناتج عن فقدان المغزى، الشعور بعبثية الأشياء من حولك، أن تثور على لا معقوليتها بحيادية المشاعر إزاء كل المواقف على اختلاف درجاتها. هكذا جاء قرار البطل ميرسول.