ذات مساء رتيب وبعد يوم ممل وشاق، فتحت كالعادة بريدي الإليكتروني، ليلفت انتباهي رسالة عنوانها بالإنجليزية، "مقالك ليوم 25سبتمبر، وبما أنني لا أتيمن، بل والعياذ بالله قد أحس بنوع من التطير من هذا الشهر، وزد عليه أن الرسالة باللغة الإنجليزية، فقد سارعت وفتحت هذه الرسالة قبل غيرها، لأجد فيها، بإنجليزية بها الكثير من كلمات الاختزال، ما يمكن ترجمته بما يلي:
"أهلاً (هاي)، هذا عبد الله بن مساعد، أرغب في الحديث معك حول مقالك، بالرغم من أنني أقرأ الكثير مما تكتب، هذا المقال وللأسف، مقال محلي نمطي، سأوضح لك أكثر لو استطعت الاتصال بك، أترك لي رقم هاتفك لو سمحت" تحياتي، عبد الله بن مساعد.
لم أكن أعرف من يكون عبد الله بن مساعد، بالرغم من أن هناك شعوراً انتابني بما عسى أن يكون، فأجبت على رسالته، بشكره، وأوضحت له أنني أقدّر من يختلف معي أكثر ممن يجاملني أو يوافقني الرأي، وإذا ما كان هو من أعتقد أنه هو، كاتب الرسالة، فإنني معجب به لأكثر من سبب لعل أولها هو مقالة صحفية، لصفحة كاملة حول خصخصة الرياضة في المملكة.
رن الهاتف وإذا بشخص يقول: "دكتور! أنا عبد الله بن مساعد، ندخل في الموضوع؟"، فأجبته شوي شوي، على رسلك، من عبد الله بن مساعد؟ الأمير عبد الله بن مساعد؟ رئيس نادي الهلال؟ أجاب نعم سابقاً! ولكن ليس هذا موضوعنا، فأنتم معشر الصحفيين السعوديين، توردون الكثير من الأمور قبل التأكد منها، فما رأيك أن نلتقي ونتكلم حول ما كتبته عن تشكيل اللجنة بعد هزيمة المنتخب في المرة الأولى، وعقدها فور هزيمته في المرة الثانية، هذا الكلام غير دقيق!
أجبته بأنني أكتب أحياناً للمتعة فقط، وأحياناً أخرى لإثارة التساؤلات، ولست في الحقيقة مراسلاً، وأن ما كتبته كان فقط من قبيل التنفيس، وتشجيع تقبل الهزيمة بنوع من الروح الرياضية والدعابة، وأنني فعلاً لم أحاول التأكد من أيه معلومات حول أخبار المنتخب أو لجان الرياضة. واتفقنا على موعد للقاء في منزل سموه، وعندما سمع أولادي بذلك، طاروا فرحاً وتعلقوا بي يريدون مرافقتي للسلام على رئيس ناديهم المحبوب، الهلال.
سـرقت نفسي من أولادي، وتوجهت لموعدي، فاستقبلني سموه في مكتبه بكل بساطة وأريحية، وأجزم بأن مكتبه هو المكتب الوحيد الذي شاهدته يفوق مكتبي من حيث كثرة الكتب والمجلات، ومن حيث الفوضى المتناسقة فيه. كان غارقاً بين الكتب والمنشورات حتى أذنيه، كتب ومجلات بلغات مختلفة وموزعة في كل مكان. ومرة أخرى سمعت عبارة أبى عبد الرحمن (كما يحب أن يلقب) المفضلة: وش رأيك ندخل في الموضوع؟ فالرجل ليس لديه وقت للضياع وهو كما يقول المثـل الإنجليزي "لا يهتم بالقشور" No-nonsense man.
دخلنا في الموضوع، وتناقشنا لمدة ساعة تقريباً، عرفت بعدها ما كان يقصده سموه، فاللجنة التي اجتمعت، والتي أوردتها في مقالي عفواً، كان مقرراً لها هذا الاجتماع قبل وقت طويل من خروج المنتخب من دورة الخليج، ولا علاقة لها بحادثة الخروج المؤلم، وهي لجنة مشكلة بمرسوم من صاحب السمو الملكي ولي العهد حفظه الله، وهي جزء من مشروع عام لإعادة هيكلة الرياضة تحت إشراف صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز.
شكرت سموه على تفاعله وقلت له بالحرف الواحد: لو أن كل مسئول حرص على ما ينشر في مجاله مثل حرصكم لربما تغيرت الكثير من الأمور لدينا نحو الأحسن، وفي نهاية المقابلة فاجأني سموه بكتاب من تأليفه، وقال مازحاً: هذا هدية مني، ومسامحينك بالأربعين ريالاً!! "قيمة الكتاب".
الأمير عبدالله يحب الدخول للمواضيع مباشرة، ولا شك من أنه مستاء من هذه المقدمة، غير أني أعتقد أنه من الضروري معرفة الرجل، لنعرف جميعاً من أي موقع يتكلم؟ وعن ماذا يتكلم؟ فالأمير يحب الأرقام، ويعشق لغتها، حتى إنك تخاله يحمل كمبيوتراً صغيراً بين أذنيه. وهو شخصية متعددة الأطياف، ورجل تجارب متعددة، في الصناعة، والإدارة، والمال، والرياضة، وله طموح لا يعرف الحدود، بل إنه من خلال حديثه ومن خلال قراءتي لكتابه، عرفت أنه رغم المصاعب التي واجهها في مشاريعه الطموحة في بداية حياته، يبدو وكأنه يتسلى بأمور قد يراها البعض في منتهى الجدية والخطورة، أمور مثل تعاملات الأسهم الدولية، أو الربح والخسارة من إعادة تدوير صناعة الورق في المملكة، وغيرها.
أبو عبد الرحمن، الأمير، والمواطن، ورجل المال والأعمال، الذي يرى: "أنه لا يوجد فرق بين التوصل (لصناعة تقنية المعلومات) في وادي السليكون في ولاية كاليفورنيا أو في وادي لبن"، لأنه ليس هناك مستحيل في هذا العالم؛ والذي يرى صراحة أنه حتى في عالم الأعمال والمال، والذي هو جزء منه: "المصلحة العامة فوق كل شيء"،؛ والذي يصرح علانية بأنه: "يوجد شيء عبثي في أي محاولة للتغلب على البيروقراطية"، يحمل أفكاراً محددة لتطوير الرياضة سأحاول عرضها كما فهمتها فيما يلي:
الرياضة، حسب رأيه، تتجاوز بكثير المفاهيم المتداولة عنها كونها وسيلة لشغل فراغ الشباب، أو الجسم السليم في العقل السليم وأن الرياضة مهمة للصحة فقط، فالرياضة كما يراها في عالم اليوم، مهمة لأسباب سياسية، وثقافية، واقتصادية وإعلامية. فهي وسيلة نشر ثقافية ناجعة، خاصة بعد ظهور الانترنت، وتصفح المواقع فيها. والرياضة صناعة تقوم عليها صناعات أخرى، مثل الملابس الرياضية والتذكارات، وصناعة الدعاية والإعلان، ويمكن أن تسهم أيضاً في خلق آلاف الوظائف للشباب السعودي.
والأهمية الكبيرة لرياضة اليوم، لا تعني مزيداً من الأموال العامة، أو أن تكون الرياضة عبئاً إضافياً على الميزانية العامة، أو عالة على الاقتصاد الوطني، بل على العكس من ذلك، تعني أن تكون الرياضة استثماراً اقتصادياً مجدياً، وصناعة رياضية تسهم في الاقتصاد الوطني، وتدعمه بطرق مباشرة وغير مباشرة. فقطاع الرياضة كما هو اليوم في المملكة، لم يستثمر كما يجب، وهو قطاع معطل. وهو لا يتكلم عن فراغ، فهناك دراسة للجدوى الاستثمارية في مجال الرياضة تمت مع بنك "سامبا" السعودي، أوضحت أن الحجم المتوقع لصناعة كرة القدم وحدها هو 1200مليون ريال، وللقارئ أن يتخيل حجمها بعد توسعها، أو عندما تشمل ألعاباً أخرى.
ولكن هذا، في رأيه، مشروط باستثمار وتطوير الدوري السعودي وخاصة في مجال اللعبة الأولى، كرة القدم، لجعله دورياً سعودياً ذا انتشارٍ عربيّ، أي أن ينافس الدوري المحلي في كل دولة من الدول العربية من حيث التشويق وعدد المشاهدين، أي "جعله الدوري الثاني في كل دولة". ولكن هذا الأمر يتطلب أولاً خصخصة الفرق السعودية، وبيعها لشركات أو أفراد بهدف استثمارها، ومن أجل إيجاد موارد مالية مستدامة ومستقرة لها.
وهو يرى أن هناك نموذجين رئيسين لإدارة الرياضة في العالم الغربي المتقدم، الأول في أوربا، وفي أمريكا في دوري الهوكي الوطني NHL، ودوري البيسبول MLB، ويقوم على أساس أن كل نادٍ يتحكم في إيراداته، وهو نموذج قد لا يصلح للرياضة في المملكة. أما النموذج الثاني، فهو المطبق في دوري كرة القدم الأمريكية NFL ودوري كرة السلة NBA، ويعتمد مبدأ "المشاركة" في الدخل، وذلك للاحتفاظ باستمرارية المنافسة، والحفاظ على دوري قوي ومشوق وعلى تعميق المصلحة المشتركة بين الفرق المتنافسة دون الإخلال بروح التنافس بينها. وهو يرى أن هذا النموذج أنسب للرياضة في المملكة، فكيف يتم ذلك؟
أولاً، تقتسم الأندية معظم مصادر الدخل الرئيسية بالتساوي مثل النقل التلفزيوني فمثلاً توزع حصة الأسد منها 60% مثلاً بين الأندية بالتساوي، وذلك لضمان دخل دائم ومستمر للفرق الصغيرة، و20%، مثلاً، لتحفيز الحصول على مراكز متقدمة، و20% لمن تنقل له مباريات أكثر. وقد استشففت من المحادثة أن النقل التلفزيوني المدروس قد يحقق ما يقارب 250مليون ريال للأندية في الدوري السعودي.
ولكل ناد أن يحتفظ بمعظم دخل التذاكر على ملعبه، أو يتقاسمه تناسباً مع الفريق الذي يلعب معه، ويمكن له أخذ نسبة مما يباع خلال هذه المباريات، أو أن يؤجر مقصورات خاصـة Private Boxes للشركات ورجال الأعمال، لدعوة ضيوفهم أو إقامة الحفلات فيها، كما في أمريكا وأوربا، وتدرّ هذه المقصورات أرباحاً مجزية على الأندية. وندرك أهمية هذه المقصورات إذا عرفنا، مثلاً، أن فريق ريال مدريد لديه 320مقصورة يؤجرها خلال مبارياته. ويضاف إلى ذلك إنشاء شركة موحدة للصناعات الرياضية، لصناعة الملابس والمتعلقات الرياضية، تضمن الجودة والسعر المعقول، والتسويق الجيد، ويحصل كل فريق على نسبة معينة مما تبيعه تزداد كلما كان ما يباع يحمل شعاره الرياضي.
هذه الطريق للخصخصة تضمن دخلاً مجزياً ودائماً للأندية، كما تضمن "مشاركة غير متساوية في الدخل" بحيث تمنع الفرق الكبيرة من ابتلاع الفرق الصغيرة. كما أنها تضمن دخلاً جيداً للفرق خارج المدن الكبرى في مناطق المملكة فتتوسع معه مناطق الأندية. وهذا يوسع بدوره من دائرة التنافس ومن عدد المتابعين للدوري، وكثافة قاعدة المشتركين في الحركة الرياضية ويسهم في تطوير شامل للرياضة في المملكة. ولذلك فأبو عبد الرحمن، يؤكد، أن خصخصة الفرق الكبيرة فقط قد لا تكون كافية بدون اعتماد مبدأ "المشاركة في الدخل"، وبدون التخطيط السليم لذلك.
هذه بعض الأفكار التي استطعت استرجاعها من حديثي مع سمو الأمير عبد الله بن مساعد، وهي بلا شك قد تكون ناقصة، وربما تحتاج للأرقام والتفاصيل التي يمطر بها عادة أبو عبدالرحمن محدثيه، حتى تكون أكثر إقناعاً، ولكنني ومن مبدأ ما لا يذكر كله لا يغفل جله، قررت مشاطرة القارئ الكريم ببعض ما تذكرته، والعذر مسبقاً لأبي عبد الرحمن عن أي سهو أو نسيان، والسلام.
































