المقالات

العدد 1842 - 05/02/2005
بقلم: فوزية الجارالله



الحاجب..!

كنت ولا زلت أعجب كثيراً كيف يتم اختيار بعض الموظفين في سلسلة من الوظائف المتفاوتة أدنى وأعلى الهرم التنظيمي للمراتب الوظيفية.. أحد هذه الوظائف مدير المكتب، الذي هو في حقيقته سكرتير تم إضافة شيء من الفخامة على وظيفته الحقيقية ليصبح مديراً وليس سكرتيراً، فقد لا يكون حجم العمل في إحدى الجهات بحاجة إلى هذه السلسلة البيروقراطية والأسوأ أن يتفق هذا الأمر مع وجود شخصية مشوشة بينها وبين النضج مسافات ليست بالقصيرة.. هنا يصبح الأمر حشفاً وسوء كيلة.. سوء في الاختيار ورداءة في الأقدار ولات حين فرار..!!
حين يحدث ذلك فكأنما هبط مدير المكتب هذا ليصبح عقاباً معجلاً لكل موظف في هذا العمل أو الدائرة ولكل مراجع بسيط من خارجها.. وأمثال أولئك من السهل اكتشافهم والإحساس بهم حالاً فهم يكدرون ما حولهم تماماً مثلما هو الأمر مع كتلة من الطين الثقيلة حين ترمى على وجه بحيرة صافية، حينها لا ترى دوائر حولها وحسب وإنما ترى اصفرار الطين قد غشيها وتتحسر على ذلك الصفاء الذي كان..
من السهل اكتشاف هؤلاء لأن الموصوف آنفاً لا يفهم وليس لديه استعداد للفهم، فأول ما يفعله أمثال أولئك هو التدخل في كل صغيرة وكبيرة في العمل.. أليست كل الأعمال تعرض عليه وهو همزة الوصل الأولى بين الموظفين والمدير؟! إذاً لا مانع من ذلك..! يتمادى وتختلط عليه الأمور فهو لا يجد فرقاً إطلاقاً بين وظيفته مديراً للمكتب وبين إحساسه الداخلي بأنه المدير أو المشرف العام لا فرق بينهما.. الوظيفة الثانية التي يمارسها بجدارة وبشكل مثير للدهشة والضحك هي الحجب (حجب، يحجب، حجباً) وهو بهذا المعنى حاجب للشمس والهواء.. حاجب للضوء وللخير بكافة معانيه، وهو يمارس هذا العمل بمنتهى الصلف بطريقة تبدو للمدير (رئيسه المباشر) تنظيماً للعمل وحرصاً عليه بينما هي في الحقيقة ممارسة جائرة لصلاحيات سيئة جاءت إليه مصادفة.. فهو يحجب انتقاماً وتسلطاً وليس تنظيماً واهتماماً، بحيث يمارس إذلال أولئك الموظفين وإشعارهم المستمر بأنهم بحاجة ماسة للوقوف بين يديه، وتقديم فروض الولاء والطاعة والانقياد كي يصبحوا مرضياً عنهم ومسموحاً لهم بالدخول إلى حمى المدير..
الجدير بالذكر أن المسؤول في هذه الجهة قد يعلم وقد لا يعلم..! فهو قد يعلم بهذا الأمر فيطيب له ويعجبه من منطلق واحد، فهو محجوب عن موظفيه وعن كل ما يكدر خاطره ويزعج لحظاته دون أن يفكر في عواقب هذا الوضع الذي سيكون سبباً مع مرور الوقت بخلق هوة هائلة بينه وبين موظفيه تزرع لديهم إحساساً بأنه يمارس إقصاء نفسه عنهم متحصناً في برج عاجي، وهذا الوضع من أسوأ ما يمكن أن يكون عليه أسلوب الإدارة في أي جهة كانت..! وقد يكون مظلوماً في هذا التصور بأن لا يعلم بأن الأمر يمارس بمثل هذه الصلافة والسطحية.. حيث يبدو له الأمر كما أسلفت تنظيماً واهتماماً وهنا ينبغي أن يوجد من يوقظه من هذه الغفلة فمن يكون يا ترى؟ ومن يقرع أجراس الوعي أمام هذه الظاهرة..؟