المقالات

العدد 1842 - 05/02/2005

قصيدة النثر بين القبول والرفض
هي النص الجديد!
رداً على العمودي!
طرق المستقبل الشعرية!
الثوابت الشعرية
هؤلاء صبية
إيقاع اللغة العربية!
الذين يجادلون بالباطل!

بين أنصارها الحـداثيين وخصومها المحافظين:

أدارها: سيد زايـد

هي النص الجديد!

الشاعر الدكتور حمدي الجيزاوي - أكاديمي وناقد حداثي، صدرت له الأعمال الكاملة بالشعر الحر - يرى أن قصيدة النثر هي النص الجديد الذي يستقي من منظومة مفاهيم وأعراف جديدة (الخطى، التجاوز، المغامرة والاختلاف)، فقصيدة النثر هي التجلي الشكلي لهذه الطروحات، كما أن إعادة تعريف الشعر التي جرى التنظير لها ليست هي الهدف من تلك المغامرة، بل هي مجرد محطة عابرة في سفر يطول ولا ينتهي.
ونستطيع القول: بأن قصيدتنا - قصيدة النثر - قد دخلت أرضاً بابلية بامتياز، أرض النص الجديد، الأرض التي انهار فيها البرج وتبلبلت الألسنة.
لذا، فقصيدة النثر تمثل الحداثة الشعرية بنمطها الذي شاع وأصبح كلي الحضور منذ مجلة "شعر" التي تبناها أدونيس ويوسف الخال وسعيد عقل، ومجلة "فصول" التي تبناها عز الدين إسماعيل وجابر عصفور، ومجلة "إبداع" التي تبناها عبد المعطي حجازي وحسن طلب، ومجلة "الآداب" البيروتية الشهيرة وغيرها من المجلات الثقافية الأخرى في المشرق والمغرب العربي. فقد ظلت هذه القصيدة طامحة إلى اكتساب تفرد وتميز دائم على مصطلحات: التخطي، التجاوز، الاختلاف، المغايرة.. وكلها ألفاظ مترعة بالمفهوم الزماني: إلغاء ما سبق، والوعد بما يلي، ولأنها كذلك كان لا بد من تجلّ شكلي يحرث لهذه الفرادة أرضها، ويجعل الوعد رهناً بالخيار الممكن لا مجرد إصبع تشير أبداً باتجاه الأقصى البعيد جداً... هذا هو الرحم الذي خرجت منه قصيدة النثر العربية، وكان حتماً على ثمرة المختلف أن تكون مسكونة بالتناقض، ليس بدلالة جمعها بين قصيدة ونثر فقط، وإنما بدلالة فتحها باباً لا يفضي إلا إليها، أي الوصول معها ومن خلالها إلى منغلق دائرة التجلي الشكلي لطروحات الحداثة الشعرية.

رداً على العمودي!

ويتفق مع هذه الرؤية تماماً - الشاعر الأديب سمير أمين - الذي يؤكد أن قصيدة النثر ترغب في التحرر والانعتاق من التقاليد المسماة "العروض"، فقصيدتنا ترفض نظم الشعر للبحث عن إيقاع نثري تستمد منه هذه القصيدة نتائج شعرية جديدة تماماً.
ويرى الشاعر سمير أمين أن قصيدة النثر جاءت في الأصل رداً على الشعر العمودي الذي نشأ في القصور، وتبناه الحكام والولاة والسلاطين في العصور الماضية كلها.
أو باختصار فإن قصيدة النثر تمقت القوالب الجاهزة تماماً والإيقاعات المفروضة عليه من الخارج، وسوف تمضي قصيدة النثر هاربة من الشعر داخل النثر، ومن التراكيب البلاغية والسمات المنطقية المفخمة. وهذه القصيدة النثرية بحكم مرونتها سيكون بمقدورها منح الفكرة الشعرية الحق في أن تخلق شكل تطورها وقدرتها على استيعاب مفردات طازجة وتسمية الأشياء بأسمائها، ولأنها مكتوبة نثراً فقد أغنت الشاعرية ببضع صيغ جديدة لا يمكن قبولها بسهولة في فن نظم الشعر الكلاسيكي.. ولا ننسى أن القصيدة ستفرض قوانينها العضوية على ذلك النثر في اختيار مفرداته وتراكيبه وأسلوبه أيضاً.
واسمحوا لي أن أكرر ما قاله رواد هذه القصيدة وهو أن الذي دفعنا إلى كتابة هذه القصيدة هو نصرة قصيدتنا لا أكثر، والذود عنها في وجه خصومها وأعدائها الألداء، وأدعو شعراء قصيدة النثر في كل مكان أن يكتفوا بكتابتها فقط، بعيداً عن التنظير لها، لأن التنظير استفزازي وغير مقنع، وليتركوا الحكم على قصيدتهم للزمن والمستقبل الذي قطعاً سينتصر لهم ولإبداعاتهم.

طرق المستقبل الشعرية!

ومن جانبه يرى الناقد الدكتور/ صلاح فضل - أستاذ الأدب الحديث بجامعة عين شمس - أنه إذا كان شعراء المدرسة التعبيرية المستقرة في الضمير الأدبي، لا يجدون صعوبة في التواصل مع جمهورهم، لأنهم يتبعون أنماطاً شعرية معروفة ومجربة من قبل، لا يزيدون عن تنميتها واستثمارها والاستمتاع بنتائجها، فإن شعراء الحداثة الطليعيين يشقون طرق المستقبل للشعرية العربية، ويجهدون للإضافة إلى تقنياتها الفنية المنجزة تقنيات أخرى لم تعرفها من قبل يستحقون ضعف الاهتمام النقدي والمتابعة المستمرة، لا لمد الجسور بينهم وبين القراء المحبين للشعر فحسب، بل لمعرفة طبيعة هذه الإضافات العسيرة الجديدة، التي تجعل قراءتهم مغامرة ممتعة لا يقوى عليها سوى المحترفين المتمكنين من الثقافة الأدبية.
ويضيف د. صلاح فضل: بأن أهم المبادئ الضمنية التي تحكم قراءة شعر الحداثة افتراض أولي بأن ما تتحدث عنه لا وجود له بشكل متعين في الواقع، بل هو شيء متخيل غير محدد ولا معروف، وأن الأوصاف التي ستعطى له مهما كانت درجة تماسكها لن تغير هذا الوضع كثيراً، بل ستزيده رهافة وتناقضاً واستعصاء على التحقق والتجسد، إنها أوصاف سلبية وهمية في معظم الأحيان، لكن جدواها الشعرية لا حدّ لها، لأنها ستجعلنا نستجيب لأثر الأشياء ووقعها على نفوسنا، ستدفع بنا لكي ندخل في لعبة التوهم ونمارسها مع الشاعر، تجعلنا ننشط لغوياً لنبني شيئاً على غير أساس، لنستخدم ذكاءنا بقوة في بعث روح الشعر.

الثوابت الشعرية

أما الفريق المعارض لفكرة ومصطلح قصيدة النثر، والتي يرى أنها رجس من عمل الشيطان، فيأتي في مقدمتهم الدكتور عبده زايد - أستاذ البلاغة والنقد بالجامعة الأزهرية - الذي يرى أن الوزن والقافية من الثوابت الراسخة في الشعر العربي، ولم يكن سهلاً أن يقتلعهما أحد أو فريق بين عشية وضحاها كما دعا إلى هذا أصحاب صيحات التجديد في الشعر... إن المسألة ليست مسألة شكل فني أفضل ولا لغة تعبير أرقي، فكل هذا لا خطر فيه ولا خوف منه بل وندعو إليه - ولكنها قضية محو وإثبات، محو للتصورات الإسلامية وإثبات لتصورات بديلة مناقضة لها تماماً، كما فعل دعاة التجديد على امتداد الوطن العربي... ولم يكن الشعر في رحلته الطويلة جامداً لا يتطور، فقد تطور في لغته وأسلوبه ومعانيه وأغراضه على السواء... وقد ثار على النمط الشعري المألوف أبو نواس وبشار، وأبو تمام وأبو العتاهية وغيرهم ولكن جميع هذه الثورات لم تثر على الوزن والقافية، لكنهم جددوا في الأوزان وأبدعوا في القوافي... لكن مشكلة هؤلاء - دعاة الحداثة - لم تكن راجعة إلى الوزن والقافية فقط، ولكن إلى لغة الشعر وأسلوبه ومضامينه وغايته وتنوع أشكاله تنوعاً لا حصر له.. إنهم يريدون أن يزرعوا الشعر الغربي في البيئة العربية بدلاً من الشعر العربي، ولا يكفون عن استهجان الشعر العربي وذمه والسخرية منه لا لوزنه وقافيته فقط، ولكن لمعانيه وأغراضه وأخيلته وكل ما يتصل به كذلك وهذا هو سبب احتدام المعركة.

هؤلاء صبية

ويستنكر الشاعر المكي مصطفى زقزوق - موجة الحداثة التي حملت في طياتها هذا الشكل المستهجن الذي أطلق عليه "قصيدة النثر" فيقول: تقرأ - مثلاً - الصفحات الثقافية والملاحق الأدبية فلا تجد نكهة الوطن ولا ترى ملامح العروبة ولا السحنات الأصيلة، وذلك بسبب الوهم الذي ملأ عقول أولئك الصبية والنقلة والمقلدين، والسابحين في فضاءات التقليد الأعمى لكل ما هو غريب، والراكضين خلف كل ناعق.. اعتقاداً منهم بأنهم يقفون على شواطئ العالمية بتقليد آداب الأمم الأخرى ومحاكاتها في نظرياتها وآثارها، ونسي أولئك أن الضعيف هو الذي يقلد القوي! وأمتنا العربية ليست كذلك، فلها فكرها ولها شخصيتها المستقلة وأدبها الرصين وعراقتها وسعة أفق رجالها في كافة الآداب والعلوم، وأخذت بقصب السبق وأسست دعائم النهضة في كافة المجالات، لكنها ابتليت بعقوق بعض أبنائها وتنكرهم لها!!
هؤلاء الأدعياء من المروجين لمذاهب الحداثة الغربية، يتمسحون بأردان أدونيس، ويوسف الخال، وسعدي يوسف، وعبد المعطي حجازي، وكمال أبو ديب وغيرهم من أصحاب المذاهب التغريبية والأفكار المنحرفة.. هؤلاء الأصنام الذين سخروا ثقافتهم وعلمهم لخدمة الفكر المناوىء، والأدب المضاد للتقليل من شأن هذه الأمة.. ولن يفلحوا أبداً.

إيقاع اللغة العربية!

وعن تفسيره لعدم قبول الناس لقصيدة النثر يقول الدكتور طه أبو كريشة - نائب رئيس جامعة الأزهر، والعميد السابق لكلية اللغة العربية -: التعليل على ذلك سهل جداً.. إنك لا تستطيع أن تفرض طعاماً على من لا يستسيغه، وسليقتنا العربية تعودت أن تستسيغ لوناً معيناً من ألوان الشعر، وكذلك الآذان العربية ألفت لوناً معيناً يتناسب مع إيقاع اللغة العربية نفسها.
والشعر الذي خرج عن قاعدته ما استساغته الأذن العربية من قديم، يحكم على نفسه بنفسه، ويفتقد رجع الصدى في الآذان العربية ومن ثم يذهب أدراج الرياح، فلا تلقى له سامعاً ولا حافظاً وإلا فأخبرنى عن أي من المعجبين بهذا اللون من الأداء كم يحفظ في ذاكرته وكم يستعيد منه عندما تدعو المناسبة للاستشهاد والتمثيل بشيء من الشعر.

الذين يجادلون بالباطل!

هذا، فيما يرى الناقد الدكتور/ صابر عبد الدايم - وكيل كلية اللغة العربية - أنه إذا كانت قصيدة النثر قد تلاشت أو اندثرت وذهب ريحها في بعض البلدان، فإنها مازالت تجد لها أنصاراً ومدافعين يجادلون عنها بالباطل في بلدان أخرى، كمحاولة ميئوسة من أنصارها لمواراة ضعفهم وعجزهم عن الإيقاع الشعري الصحيح في ثوب المؤثر..
وعلى القصيدة "العمودية"، بل على مبدعي الشعر "المقفى" أن يخلصوا لفن الشعر، وان يقدموا تجارب شعرية فياضة بمقومات الشعر الأصيل، وألا يكتفوا بتقديم المضمون في صياغة مباشرة سليمة لغوياً فقط، وإنما لا بد من تقديم التجربة في إطار الصورة الشعرية الجديدة الكلية الرامزة الموحية.. التي تجعل للقصيدة أكثر من بوابة للدخول إلى عالمها.
وعلى مبدعي الشعر- أيا كان تفعيلياً أو شعر الشطرين، ألا يفرطوا في موسيقى الشعر الخارجية أو الداخلية، فالشعر إيقاع موزون، وصورة كلية جديدة، وبناء لغوى دال يضيء المعنى وآفاق النص، ولا وجود لما يسمى بقصيدة "النثر" في دائرة الشعر الجاد الأصيل، فالشعر كان - ولا يزال - ديوان العرب، وسجل حياتهم ومعاشهم.. على الشعراء الشبان الأصلاء أن يتجاوزوا اللغة النثرية الذهنية، وأن يقدموا البناء اللغوي الإيحائى الجديد المثير للتساؤل والشعور والانتباه.