المقالات

العدد 1862 - 25/06/2005

احتضنت نازك الملائكة والسياب في "الغري" ... وشيخ العراقيين (صحفني)

.. المثقف والشاعر والإداري عبدالله الجشي

حوار: فؤاد نصرالله
2/2
هنا.. نستكمل رحلتنا في فكر وقلب هذا العلم البارز والعلامة المضيئة في جبين الثقافة والأدب وتاجهما الشعر.. الشاعر والمثقف عبدالله الجشي، وها هو في هذا الجزء الثاني والأخير يروي لنا رحلته مع الصحافة وإسهاماته ما بين صحافة القطيف والأحساء في المملكة، والعراق والبحرين ولبنان..
ويتوقف عند زيارة مهمة كانت لها بصمة على حياته الشعرية، زيارة الدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطئ» إلى القطيف.
ويصف لنا الشاعر الجشي مشاعره إزاء التكريم الذي حظي به من سمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز فيقول إنه وسام على صدره، وتكريم يؤكد أن ما من جهد يضيع ولا حقيقة تخفى، ونثير معه في هذه السطور رأيه في القصيدة النثرية التي لا يعترف بها كشعر، وينتقل بنا ليحكي لنا رحلته الثقافية الثرية التي قضاها في العراق.. فلنواصل السياحة في فكر المثقف المبدع عبدالله الجشي

بعض المؤرخين ممن تتبعوا الحركة الثقافية في القطيف يرون أن الجيل الذي تنتمون إليه قد حاول أن يستعيد دورها الحضاري القديم، ولم تقصر أدواتهم عن تحقيق هذه الغاية. إلى أي حد تصدق هذه المقولة على تجربة جيلكم؟
- هذا القول لا تعوزه الصحة فقد كانت هناك محاولة قوية وإصرار كي تعود القطيف للعب دورها الحضاري كمركز متقدم للحضارة العربية لطبيعة جغرافيتها، وموقعها الممتاز، وقامت حركة ثقافية نشطة حققت الكثير من ملامح التفوق كما كانت هناك ملامح محددة للحركة الأدبية في هذه البقعة المضيئة من أرض الوطن، وهو ما أشار إليه بوضوح مؤرخو هذه المنطقة ومن أبرزهم المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم في كتابه «ساحل الذهب الأسود»، وهو كتاب هام يوضح عناصر النهضة الثقافية الحديثة، إضافة إلى كتاب ثان له هو «واحة على ضفاف الخليج»، وثمة كتاب يستقصي الملامح الشعرية لكتاب هذه المنطقة هو «القطيف وأضواء على شعرها المعاصر» للأستاذ عبد العلي آل سيف، ويمكن أن نزعم أن القطيف كانت من البؤر الثقافية المتأججة بالشعر والنثر على السواء وهو ما أوضحه الشيخ علي بن منصور المرهون في موسوعة له أسماها «شعراء القطيف» في عدة أجزاء، ومن المؤكد أن شعراء القطيف كانوا مرتبطين بشكل أو بآخر بالواقع الثقافي في عدد من العواصم العربية مثل القاهرة، وبغداد، ودمشق، مما جعلهم يؤثرون ويتأثرون، فلم تكن حركتهم الأدبية أو اجتهادهم الثقافي بمعزل عما يجري في الأمة العربية.
هذا يدفعنا إلى السؤال عن زيارة الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) للقطيف، ولقائك بها، والقصيدة التي ألقيتها في حضورها مع أعضاء الوفد المصري؟
- حدث أن زارتنا الدكتورة عائشة عبد الرحمن، ضمن الوفد المصري الذي كان على رأسه زوجها الشيخ أمين الخولي، وكان لقاءً جميلاً وثقته الكاتبة الراحلة في كتاب صدر لها هو «أرض المعجزات» وقد دهشت للشعر الذي استمعت إليه، ولهذا القدر من رحابة الأفق والتفاعل مع الحياة الثقافية في حواضر البلدان العربية فسجلت كل ذلك وكانت مما قالته: (وهي ـ أي القطيف ـ على الهجر الأليم لا تكف عن ذكر مصر، وتتبع أخبارها العلمية والأدبية، بل هي في معزلها النائي المهجور! على ساحل الخليج تستورد البضاعة الأدبية من ضفاف النيل، وتعرف عن سير الفن والحياة بها، وأعلام الأدب والفكر فيها ما يجهله المصريون أنفسهم غير قلة من الدارسين.
متى كان ذلك؟
- في صباح يوم الخميس 2 فبراير 1591م تلقينا دعوة من حمود البقعاوي أمير القطيف ؛ إذ وجه الدعوة إلى عدد من الأدباء والوجهاء ليحضروا إلى مقر الإمارة للسلام على الوفد، وتم توجيه الدعوة لموعد تال في بستان الوجيه عبد الله بن علي بن منصور إخوان وحدد له عصر السبت التالي. وفي الموعد المحدد تقاطر الأدباء وحضر الضيوف، وكانت قصيدتي عن أرض الكنانة التي استرعت انتباه الضيوف وسجلوها عندهم قلت فيها:
بلد عريق في الحضارة نير
ورسالة من عهد خوفو تؤثر
وثقافة شهدت أثينــــا فجرها
فغدت على آثــــــارها تتأثر
فكأن مصر على الزمان قلادة
من خير ماقد أبدعـــته عبقر
آمنت بالمجد التليد ومثلـــــــه
مجد طريف في البلاد مشهر
حفلت بها دنيا القديم ولم تــزل
آثارها مثل الكواكب تزهر
صحف منشرة تفيض معــارفا
شتى وفناً بالأوابــــد يزخر
والخالدات معــاهداً ونواديــــا
هي للتقدم والتطـــور عنصر
نهضت بها فتيانها وشبـــــابها
حتى تكاد بها السمـــا تــّنور
وهي قصيدة نشرت كلها في مجلة الواحة، وضمنتها ديوانا لي أسميته «الحب للأرض والإنسان».
ما الأثر الذي تبقى في ذاكرتك عن هذه الزيارة؟
- لقد تركت بنت الشاطيء أثراً كبيراً في نفسي، فهي المناسبة الوحيدة التي أتاحت لي أن أوصل صوتي إلى مجالات واسعة. وعندما استمعت إلى القصيدة كاملة قالت: «هذه القصيدة مشروع ملحمة».
وأظن أن واقع الحياة هو الذي حفزني لهذا اللون من الكتابة كما أن تقدير بنت الشاطيء مثل لي حافزاً معنوياً قوياً ؛ فأنت تعلم أن الانسان يستمد قوته وعزيمته من ردود الفعل للطرف الآخر.
لا شك أن الفترة التي قضيتها في النجف كانت هامة جداً في تشكيل ملامحك الشعرية، ألا سردتم لنا بعض الندوات الهامة التي حفلت بها هذه المدينة العريقة؟
- ندوات كثيرة حضرتها بالنجف الأشرف منها ندوة الشيخ قاسم محيى الدين، وقد كانت ندوة ليلية تستمر حوالي أربع ساعات كاملة ويفد إليها شعراء وعلماء وطلاب جامعة، وكانت ندوة تهتم بطرح الآراء والأحاديث والتعليقات والاستفسارات، وفيها تقرأ الصحف التي كانت هي أقرب وسيلة لتتبع الأخبار، وكان يتم فيها طرح الجديد من الكتب التي تصدر حديثاً وكان عدد أفراد الندوة يتجاوز الثلاثين.
وهناك ندوة الأستاذ فاضل معلة، وهو محامٍ يشتغل بالقانون وكانت تربطه صلة قوية بحزب الاستقلال العراقي ويأتي تحديد موعد الندوة قبلها بأيام ومن الجميل الإشارة إلى أن جريدة «الاستقلال» كانت تتبع الحزب وتنشر قصائد بعض المترددين على الندوة.
ويمكنني أن أتذكر ندوة الحاج عبد الله الصراف، وهو أحد أعضاء جمعية الرابطة الأدبية، وكان مجال عمله الأساسي في مصرف محلي، وكانت ندوته تعقد مساء كل اثنين وفيها يتم استضافة رموز أدبية، وتلقى قصائد من عيون الشعر العربي.
ومن أمثلة تلك الندوات ندوة كان يقيمها الأستاذ جواد محمد الغبان في بغداد بعد أن هاجر إليها من مدينة النجف وكانت تنعقد مساء الأحد بصفة أسبوعية ويحضر إليها علماء فكر ورجال دين وأدباء من الأعلام، أذكر منهم الشيخ بهجت الأثري رئيس المجمع العلمي العراقي والدكتورعلي الوردي وهو عالم في الاجتماع.
معنى هذا أن هذه الندوات كانت هي المختبر الحقيقي الذي نضجت خلالها تجربتك مع وجود أساتذة ومعلمين أخذوا بأيديكم إلى جادة الطريق؟
- لم يكن هناك يوم يخلو من مثل هذه الندوات التي أسهمت بحق في تعريفي بمدى تطور لغة الشعر فإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة ما أخذناه من مجالس القطيف أكتملت الصورة، ولا يفوتني أن أشير إلى ندوة كانت هي الأفخم والأضخم في تاريخ بغداد، وهي ندوة الصرياف في الكرادة الشرقية وميزة تلك الندوة أن من كان يؤمها هم قطاعات واسعة من الجمهور والتجار إضافة إلى مرتاديها من الشعراء وكتاب النثر الفني، وفي هذه الندوة ألقيت قصيدة «في رثاء أمي»، فقد كانت بغدادية الأصل ماتت في القطيف.
هل تذكر شيئاً من هذه القصيدة؟
- أحاول أن أتذكر، وكانت القصيدة بعنوان «الأم الطيبة» أستهلها بقولي:
فرض علي وأي فرض أكبر
أني أزورك ما حييت وأكثر
متى ألقيت هذه القصيدة؟
- في الثاني عشر من أكتوبر عام 8691م، وقلت فيها:
كانت حياتي كالربيع مديدة
أفياؤها بك والغصــــون تنور
تهفو لها اللذات وهي رضية
كالطير يستصبيه مرج مزهر
فتشابكت أسرابها في رفرف
وثنى جناحــيه ســــــلام خير
واختتم ندوات تلك الفترة بندوة تظل عالقة في الذاكرة لأن صاحبها كان يصمم على عقدها صباح كل يوم جمعة، ويحضرها عدد من الدكاترة والأساتذة من زملاء المخزومي الذي كان يشتغل في كلية الآداب بجامعة بغداد.
وما طبيعة ما كان يطرح في ندوة المخزومي. هل كان لها منحى أكاديمي؟
- هذا صحيح فقد كان الدكتور المخزومي ضليعاً في علوم اللغة، وفي تحقيق المعاجم اللغوية، ومن كتبه التي حققها: كتاب «العين» للخليل الفراهيدي، وقد اشترك معه في تحقيقه عالم جليل آخر هو الدكتور ابراهيم السامرائي، وممن كانوا حريصين على حضور تلك الندوة الدكتور زهير زهدي زاهر وكان أستاذا للأدب العربي في جامعة البصرة، ثم انتقل بعدها لجامعة بغداد.
تلك الندوات التي كانت بمثابة جامعة مفتوحة لتلقي العلم، والأخذ من التراث، والانفتاح على تجارب الشعوب الأخرى في الفنون والحضارة ـ فقد كان مسموحاً بحضور زوار من أي بقعة في العالم ـ أسهمت في تشكيل عقلي وشحذ وجداني وأكدت لي أن العلم بحر لا ينتهي مهما أخذت منه، وهو المعنى الذي عشت مؤمناً به.

قصتي مع الصحافة

هذا الاعتقاد بالعلم هو الذي دفعك للالتحاق بالدراسة في معهد الإدارة في الرياض فترة الستينات؟
- نعم، وحين افتتحت وزارة المالية بالرياض معهداً للتعليم الإداري، وكان تحت إدارة الأستاذ الشيخ محمد أبا الخيل، وطلب من كل وزارة أن ترشح أحد موظفيها للدراسة بالمعهد، وكان شرط الانتساب أن يكون متفرغاً، وقد رشحت لهذه المهمة، واكتسبت في المعهد معلومات ومعارف لا حصر لها، واكتسبت عدداً من الأصدقاء منهم المحاسب الأستاذ أحمد بديوي بوزارة الدفاع، والأستاذ عبد الرحمن دهلوي من المنطقة الغربية، وغيرهم كثير، وقد كلفت مجموعتنا بالاشتراك في إعداد بحث حول موضوع من موضوعات الإدارة فأنابني زملائي في هذا التكليف، وقمت بالمطلوب نيابة عنهم على خير وجه، وأعتبر هذه من التجارب المفيدة لي في التعرف على علوم الإدارة بشكل علمي منهجي.
لقد خضت تجربة الصحافة منذ وقت مبكر، واجتهدت في هذا الشأن في وقت لم تكن فيه المؤسسات الصحافية قد ارتقت وانتظمت كما هو حادث الآن. حدثونا عن تلك التجربة؟
- الحديث ذو شجون، والشاهد أن مجموعة كبيرة من أبناء الخليج كانوا يلتقون كل يوم بعد نهاية اليوم المدرسي في مجلس الشيخ ياسين أبو خمسين الإحسائي، وأغلبهم كان يشتري الصحف اليومية التي تصدر في بغداد، ويحرصون على قراءة الأخبار فيها، وكنت أتابع واستمع لما يجري من أحداث، وهو ما هيأ لي فرصة التعرف على الصحافة كمفهوم، وبعد أن انتسبت إلى جمعية الرابطة تحول اهتمامي من قارئ عادي للأخبار والأحداث إلى الولوج إلى ساحة الثقافة والأدب، وكنت أتابع مجلة «الغري» التي كانت تصدر من النجف وكان المسئول عنها الشيخ عبد الرضا كاشف الغطا وكان يلقب وقتها (بشيخ العراقيين) كنت أذهب لشراء نسخها أسبوعياً من مكتبة الأستاذ عبد الأمير الشريفي وكان سعر النسخة خمسة فلوس. وقد استمر لقائي مع صاحبها شيخ العراقيين مع مجموعة من أعضاء الرابطة، وهذا دفعني إلى زيارة إدارة (مجلة الغري) وكانت مطبعتها في الجزء الشرقي من النجف، وبعد أن كانت زياراتي متقطعة بغرض التعارف تطورت إلى مشاركتي في نشر المواد المرسلة إليها، وتصحيحها وإعدادها للتوزيع على المكتبات ومجموعة المشتركين، وتطور الأمر فكان صاحب المجلة يسعى في الأرض ويسافر لشئونه الخاصة تاركاً لي مهمة الإشراف على إعداد المجلة واختيار الأبحاث والمواد التي يمكن نشرها مع تصحيح ما يطبع.
وهل كنت تحصل على راتب مقابل هذه الجهود التي قمت بها؟
- أبداً والله فقد كان عملي تطوعياً ومما اعتز به وما زلت أفخر أنني عبر صفحات المجلة قمت باحتضان الشاعرين العراقيين نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في بداية توجههما للشعر وكانا متأثرين بالشاعر الانجليزي ت. س. أليوت صاحب الديوان الشهير «الأرض الخراب» وكانا طالبين في كلية المعلمين العليا في بغداد، وقد رحت أنشر لهما الكثير من شعرهما في مجلة الغري، وأذكر أن نازك الملائكة عندما أصدرت ديوانها الأول «عاشقة الليل» تناولت الديوان بالنقد ووقعت باسم (أبو عقيل)، وقد زرتها بعد ذلك في بيت والدها الأستاذ صادق الملائكة مع مجموعة من الشعراء في بيتهم بحي الأعظمية.
هل كانت تلك تجربتك الوحيدة مع الصحافة أم أن هناك تجارب أخرى؟
- كانت هذه مجرد البداية، فخلال فترة تحريري لمجلة الغري كانت هناك مجلة شهرية يصدرها زميلنا في الرابطة الأستاذ محمد على البلاغي واسمها (الاعتدال) وقد أسهم لقائي معه وحوارنا حول الكثير من القضايا الثقافية إلى التقارب معه ثم مشاركته في تصحيح ملازمها في الغري، وهو ما اتاح لي فرصة الاشتراك أيضاً في اختيار ما ينشر بها وتصحيح المواد قبل الدفع بها للمطبعة كذلك نشأت صداقة قوية بيني وبين صاحب مجلة (الهاتف) النجفية وخلال الفترة التي ساهمت فيها في الإشراف على تحرير المواد الثقافية نشرت في (مجلة الاعتدال) عدداً من قصائدي الشعرية.
على أن رحلتي مع الصحافة لم تقتصر على فترة وجودي بالنجف فقد زرت البحرين مع والدي عام 7491م، وحينها تعرفت على واقع الحركة الثقافية هناك، فلما صدر أول عدد من مجلة (صوت البحرين) كنت من أوائل من نشر فيها شعراً ونثراً، وأصبحت واحداً من أسرتها، وهي الفترة التي نشرت فيها الكثير من البحوث التاريخية حول الخليج والبحرين.
وأذكر أن مجلة (العرفان) اللبنانية نشرت لي قصيدة عنوانها (لؤلؤة الخليج)، قلت فيها:
أنت الخليج أم الربيع الباكر
أم طاف فيك من الطبيعة ساحر
ومن مساهمات تلك الفترة ما جاء في (مجلة البيان) حين أصدر صاحبها الأستاذ علي الخاقاني كتاباً موسعاً من عدة مجلدات أسماه (شعراء الغري) وجاء فيه ذكري باسم (عبد الرسول الجشي).
نعرف أنك قمت بمحاولات مضنية لإنشاء صحف في المنطقة الشرقية، نريد أن تلقوا الضوء على هذا الجانب المطمور من مساهماتكم؟
- حدث هذا بالفعل، فقد تقدمت بواسطة الأستاذ عبد الله بلخير سكرتير الملك سعود رحمه الله بطلب لمنحي امتياز صحيفة أدبية تحمل اسم (الجزيرة) والذي حدث أن من حصل على حق الامتياز هو أحد الأصدقاء، وباركت له أن يكون بالمنطقة الشرقية مثل هذه الصحيفة لكنه لم يصدرها فعلياً.
وأذكر أن الأستاذ أحمد الشيخ يعقوب من الجبيل تقدم بطلب كي يصدر صحيفة أسبوعية باسم (الفجر الجديد)، وقد شاركت في تحريرها ونشرت فيها مقالاً من جزأين غير أن المجلة توقفت بعد أن أصدرت أربعة أعداد فقط.
وبالطبع لم أكن وحدي في هذا المجال فهناك جهود مخلصة ظلت تحاول كي تصدر صحفاً تتحدث باسم سكان المنطقة ومثقفيها، ومن أجل هذا اجتمع بعض أدباء المنطقة الشرقية وقرروا إصدار صحيفة باسم (أخبار الظهران) وكان من محرريها الأساتذة: محمد سعيد المسلم، سعود العيسى، فوزان الصالح، وكنت معهم، وبالطبع الأستاذ عبد الكريم الجهيمان قبل أن يقدم استقالته، وفي هذه الصحيفة كنت مهتماً بالشأن العمالي ونشر ما يخص العمل والعمال خلال عملي بالدمام ثم بعدها انتدبت للعمل في الرياض حينما تحولت المصلحة إلى وزارة بعدها توقفت عن النشـر فيها.
نعود إلى الشعر الذي نبغت فيه ..كيف ترى دور الشاعر في واقعه؟
- أستطيع أن أقول إنني أعيش في الحياة كفرد فيها، أقترب من هموم الناس وأترجم أحاسيسهم،كما أنني أتاثر بقضايا هذا الواقع ولا أبتعد عن طموحاته ؛ ذلك أن الشاعر هو ترجمان الأمة، ولسانها الناطق، وهو مخزن هواجسها، وشعلتها المضيئة دائماً، وقد تيسر لي أن تطغى نشأتي الأولى في القطيف على طبيعتي فرأيتني أسعى كي أتناغم مع الطبيعة، وأتأثر بها، وأعبر كذلك عنها في شعري.
هل قابلت الجواهري؟
- نعم، وحدث أن التقيت به في بغداد أكثر من مرة.
كتبت قصيدة شعرية في الجواهري فما قصة هذه القصيدة؟
- كتبت القصيدة إعجاباً بشعره، واستجابة لدعوة الرابطة الأدبية لتكريمه، وقد حالت الأوضاع دون إقامة حفل التكريم، لكنني نشرت تلك القصيدة في مجلة (الألواح) وهي مجلة لبنانية، وكان تاريخ النشر هو تموز 1591م. وجعلت لها عنواناً دالاً هو (خصب الفراتين)، ومنها:
بوركت مهد النابغـــــين صعيدا
عقم الزمان وما برحت ولودا
ما زلت حبلى بالسرات ولم يزل
فجر النبوغ على سماك شهيداً
العبقرية من رمـــالك حفـــــــنة
لو أومضت شهباً لكان سعودا
وقد احتلت هذه القصيدة مكانها في القصائد الشهيرة التي تحدثت عن حضارة العراق وسطوع أنجمها الزاهرة سواء في بغداد أو النجف، في البصرة أو الكوفة، وأنت تعرف أن العراق يتنفس شعراً، وأغلب حركات التجديد بدأت من هناك بحق.
هل عرفت كشاعر في العراق؟
- بالتأكيد برزت كشاعر مميز جداً، خاصة أنني بدأت شاعراً متمكناً، ولم تكن تعوزني أدوات المهنة، ناهيك عن رصيدي الذي استقيته من مجالس القطيف المتعددة.

آراء في الشعر والشعراء

قال عنك الشيخ الخاقاني إنك شاعر مرموق وأنت لم تجتز العقد الثاني.هل لديك تبرير لما وصفك به؟
- لعله استكثر عليّ أن أتقدم في مثل ذلك السن المبكر، وأن أحتل مكانة بارزة في المجتمع الأدبي بالنجف، خاصة أن هذا المجتمع لم يكن يقبل إلا بالثقافة العميقة، والشعر القوي المجهري الرصين. وهذا هو سبب دهشة البعض أن يتمكن شاب صغير من اختراق الصفوف.
كيف تجد مستقبل الشعر العمودي؟
- لا يزال حاضراً، وإذا كان هناك تطور فهذا لمصلحة الشعر، ولكن يجب أن أسجل هنا أن التطور يجب أن يكون للأفضل. وربما كان مكملاً لهذا الحديث أن أحدد أن الواقع الثقافي القوي والمنفتح على تجارب العالم هو الذي تظهر فيه حركات التجديد، وقوة التجديد تنشأ بالمواءمة بين التراث بجذوره، وبين نزعات المغامرة الفنية المحسوبة.
ما رأيك إذن في قصيدة النثر؟
- لا أعتقد في قصيدة النثر فهي في نظري ليست شعراً، ومن يقول بغير هذا هو بحاجة إلى مراجعة خصائص القصيدة الشعرية العربية.
وماذا عن قصيدة التفعيلة؟
- أنا في حل من هذا النوع من الشعر رغم كتابتي بعض النماذج، لكنني مهما حاولت فلا أعتقد أنني أجيدها.
وهل يمكننا أن نقول إن فترة أشرافك على نشر القصائد في (مجلة الغري) التي كانت تصدر من النجف قد صقلت ذائقتك النقدية؟
- كانت تلك الفترة مفيدة للغاية، وفيـها أمكنني أن أستن معايير خاصة لنشر القصيدة، بالطبع مأخوذة مــن مصادر تراثية، لكنني بت أعتقد أن المغامرة الفنيـــة لو تسلحت بالموهبة والدراسة فسوف تؤتي أكلها.
فقد كنت أتعامل مع شعراء كبار وآخرين واعدين، وكان مما أعتز به أنني استطعت من خلال هذه المجلة أن أعرف القراء بشاعرين مجددين بقوة هما نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب ـ وهو ما سبق أن ذكرته ـ وأريد أن أسجل هنا أن الشاعر أو الأديب عامة المجدد لا بد له من منبر كي ينشر فيه تجاربه، وقد كانت (الغري) هي أحد أهم تلك المنابر.
لو أن مسيرة حياتك هي الآن في بدايتها، ترى ماذا أنت فاعل؟
- لقد عملت بما أتيح لي، واجتهدت كي أكون مفيداً ومعطاء لوطني، ولو تغيرت الأحداث لعملت بما يناسب الزمن القادم.
لمن تقرأ من الشعراء؟
- قراءاتي في الشعر قليلة هذه الأيام.
من من الشعراء الحاليين سلكوا نفس الدرب في كتابة القصائد العمودية وبنفس السبك الفني المتقن؟
- يمكنني أن أذكر هنا الشاعر علي الفرج، والشاعر جاسم الصحيح.
ماذا تتابع في الفضائيات؟
- والله حسب الأحداث الجارية، خاصة السياسية منها، وظروف الحياة اليومية.
هل تتابع الصحافة اليومية؟
- إلى حد ما.
كيف تقضي أوقاتك؟
- أقضي أوقاتي بين استقبال الأصدقاء، وبعض القراءات المتنوعة.
ماذا عن كتاباتك النثرية؟
- تعرف أنني كتبت عن تاريخ القطيف والأحساء، وعن عدد من رموزها التاريخية، وهي كتابة علمية رغم أن ما خطها شاعر، وهي سمة غالبة على كتابات مؤرخي تلك المنطقة.
هل تعتبر أن ما يكتبه أدونيس إبداع؟
- بالطبع هو إبداع، رغم أنني أختلف معه في طريقة كتابته الشعرية، فأنا أؤمن بالتجاور، وأن تجربة جديدة ما لا ينبغي لها أن تلغي ما قبلها، وهذه من حكمة الحياة.
ما آخر قصيدة كتبتها؟
- قصيدة رثائية في وفاة سيد علي العوامي.
أستاذ عبد الله. هل شعرت ذات مرة أن السرب قد فاتك؟
- الحقيقة أنه قد فاتتني أسراب كثيرة، وهذه طبيعة الحياة المراوغة حيث لا يمكن أن تحصل على كل شيء تريده، لكنني حصدت أخيراً الكثير مما أعتز به.
ماذا تقول عن تكريم سمو ولي العهد لشخصكم؟
- هذا التكريم تقدير لعطائي الطويل، وانعكاس قوي لإحساس المسئولين بالدولة عمن قدم شيئاً نافعاً للوطن، وإنني أثمنه وأعتز به كثيراً، وأضعه وساماً على صدري.
وقد جاء من أهله، وجاء في وقته، وهو ما زادني سروراً أن أجد بلادي تكرمني هذا التكريم الذي يدل على أنه ما من جهد يضيع، ولا من حقيقة تخفى، خاصة في مجال الكلمة والشعر التي هي من أهم مجالات الثقافة في بلادنا الحبيبة.
كيف وجدت استقبال «القطيف» وأبناء المنطقة الشرقية لك، وهل تأثرت بذلك؟
- أعترف بأن الاستقبال كان حافلاً من المسئولين على اختلاف درجاتهم، وأعتز باستقبال الناس الذي أسمعني الكثير من الثناء.
ما مظاهر التكريم الأخرى التي لقيتها وعبرت عن اعتراف الدوائر المحلية والعربية بك كشاعر؟
- في عام 9991م كرمتني الجامعة العربية في مهرجان تكريم الرواد العرب الذي شمل العشرات من الرموز الهامة من أدباء العالم العربي. وفي عام 1002م أقام لي أهالي القطيف حفلاً، وقد شارك فيه مجموعة كبيرة من مثقفي المملكة العربية السعودية،وشاركت فيه بمقطوعة شعرية صغيرة، وتضافرت فيه جهود أبناء البلدة بكل طوائفها، وهو احتفال تكريمي شعرت بحلاوته والكل يحيط بي في فخر وسعادة، وقد وفد إلى الاحتفال أدباء وشعراء كثر من شتى مناطق الجزيرة العربية والخليج، ووزع يومها مطوية تضمنت بعض أبياتي الشعرية مع نتف من سيرتي.
هل شعرت بالفرح لهذا التجمع مع إقبال أفراد من جيلك كي يحتفوا بشخصكم الكريم؟
- لا أخفيك ســعادتي، وتلك الروح التي ردت إلي و أنا أرى وفــوداً من كل مكان تأتي كي تشـــاركني البهجـة والســـرور، وقد أفاض الحضـور بذكر مناقبي غير أن ما استقر في وجـداني منذ هذا الاحتفال شيء واحد هـو أن ما تبذله من مشقة وتضحية وصدق مع الذات ومـع الآخرين لا بد أن ينعكس على تقدير الناس لك، والحمـد لله.