لا يهم أن يتأكّد شعورها في كل يوم تقضيه مع هذا الرجل بانضمامها إلى قافلة العبيد الجدد في العالم، لا استباحة الكرامة، ولا هدر الإنسانية، ولا الإذلال الذي شاخت بسببه فجأة يعنيها، المهم أن تستوعب الدرس الذي تعلمته من أمها وأبيها بعد أن تراجعت يائسة من معاودة الشكوى من جديدك: البيوت منغلقة على الستر، لكن إياك وفضيحة الطلاق.
أدفعها إلى أقرب سكير، عربيد، متخلف، مادام يتقاضى راتباً شهرياً تضمن استمراره لها ولأولادها في المستقبل بعد وفاته، سيتولى هو شأنها، سيعيد تربيتها من جديد حتى تتآلف مع سلوكه، بل تصبح نسخة منه، المهم أن تسترها بالزواج، فزواج البنات سترة لهن، وما خلف الأبواب حتماً سيتولاه الله.
لقد أفهموها أن عليها أن تكون قدوة للطالبات، تقلم أظفارها بعناية، ترتب شعرها بعقلانية، لا تلبس إلا الساتر، تخيط فتحة التنورة الخلفية، وتستبدل مقاس البلوزة المشدودة على الصدر بأخرى أكبر مقاس، وإياها ثم إياها أن تخطئ فتعالج أثناء الصف قضية برنامج غنائي، أو مسلسل تليفزيوني، أو فيلم سينمائي. أو أن تفتح حيزاً للحديث عن غرف الشات، أو جوالات الكاميرا، أو علاقة الفتاة بالشاب، وإذا ما توصلت إحدى طالباتها بمناقشة تلك الشؤون، عليها أن ترد فوراً بالإجابة التي علموها إياها أثناء إعدادها للتدريس، إعدادها قدوة: أرجو عدم الخروج عن موضوع الدرس. لا يهم بعد تجاوزها عتبة المدرسة إن كانت ستطيل أظفارها أو تستعير أخرى تليق بالساحرات، وأن تنزع شريحة جوالها لتلقمها الآخر المليء باللقطات، وتلبس في مناسباتها ما يستر حلمتي ثدييها وأعلى الركبة بقليل، وأن ترقص على المنصة، أو فوق الطاولة بهستريا عبدة الشيطان، وتقضي الليل كله في متابعة التلفاز. المهم هو أن تظل محافظة على استراتيجية التعليم التي أعدوها لأجلها: لا بد أن يقام بين المعلم والتلاميذ ملايين الجدران المتينة، ليزداد الطلاب يقيناً كل عام بأن المعلم لا يشبههم تماماً، لكأنما سقط فجأة من السماء يؤدي مهمته في إعلافهم درساً بائتاً، ثم ينصرف.
حسناً ستتخذ الطالبة المثالية من المعلمة قدوة؛ إذ لم يحدث يوماً أن تم ضبطها على مخالفة، ولم تتعرض للإقصاء من طابور صباح بسبب أظفارها، تقلمها بعناية، كما تلبس حذاءً ملتصقاً بالأرض، ومريولاً فضفاضاً، تكتفي بمزيل العرق دون العطر على رغم شعورها بالحرج، وفي أثناء عبورها باب المدرسة تتلفع بالعباءة على الرأس تتعثر بسبب طولها في مشيتها، ولن تحاول مرة أن ترفع غطاءها أثناء جلوسها في حافلة المدرسة حتى مع الحرارة والازدحام. وبعد أن تصل إلى البيت فإن الساحة الآن شأنها وحدها؛ ستهب إلى الهاتف لتلحق ببرنامج الأغاني الإذاعي، تهدي الحبيب أغنية الوعد بالاستمرار، وستكتب له رسالة على الإيميل مسروقة من كتاب أجمل الرسائل العصرية.
لا يهم أن تخرج خلسة من مكان دراستها، أو وظيفتها، تتجول مع الشاب الوسيم في السيارة، أو تستريح في بهو الفندق، وربما تأخذ غفوة في الطابق الخامس من مكان الاستراحة نفسه. المهم أن تكون متلفعة بالسواد تماماً، لا يراها أحد، لا يعرفها أحد على الإطلاق.
حذّر أبناءه من خطورة الكولا على الكبد والكلى، أيقظهم لصلاة الفجر، وشدّد على حضورهم مبكراً لخطبة الجمعة، فعل ذلك بعزيمة على مشهد منهم، وحين اختلى بنفسه أصبح بوسعه الآن أن يفعل ما يشاء، فهذه شأنه وحده؛ يتعاطى المشروبات حتى تتشمع كبده، ويغازل نصف نساء المدينة ما دام اسمه مرة وليد، ومرة خالد، ومرة إسماعيل، ثم ينام منهكاً كالحمار من أثر الخيالات التي دوخت رأسه بفعل اللقطات المنبعثة من القنوات، لكن انتبه من أن يكون أحدهم يتلصص عليك من خلف الباب، فتنهار أمامهم صورة القسيس الذي لا يخطئ.
لا تهم المشكلة، ولا الضحايا الذين سقطوا خلال فصولها المريرة، ولا الحقوق التي طالبوا بها ولن تجاب، ولا أن تعود المشكلة من جديد. لكن المهم والأهم من الأهمية هو أن لا يدري بها الآخرون (الغرب وأمريكا على وجه الخصوص)، فيشمتون بنا، ويستثمرون الحادثة لنقد مجتمعنا المثالي النظيف الذي نشأ على فضيلة الستر، الستر وحده وبعده الطوفان.
































