أفرح وكيل وزارة التعليم العالي للشؤون التعليمية الدكتور عبدالله العثمان أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا بتصريحه عن الانتهاء من دراسة الكادر الجديد لأعضاء هيئة التدريس ورفعها للمقام السامي، وأدخل روح التفاؤل إلى قلوبهم. وفسّر البعض تصريحه بقرب انتهاء سنوات طويلة من الانتظار لذلك الكادر؛ الذي أجمع القاصي والداني على ضرورة تحسينه، فنحن تقريباً الدولة الوحيدة التي تفوق فيها علاوة مدرس يحمل شهادة البكالوريوس زميله الذي يحمل شهادة الدكتوراه، وقد لا يفوقه في العلاوة فقط، بل قد يفوقه في المرتب أيضاً.
ولكن نظرة التفاؤل التي غمرت أوساط أعضاء هيئة التدريس لأول وهلة بددتها المخاوف من إشاعات انتشرت، نأمل أن تكون غير صحيحة حول مواقف معارضة لتحسين الكادر من بعض الجهات الرسمية، ومنهم وللأسف مسؤولون تخرجوا من الجامعات نفسها وتركوها ربما بسبب ضعف كوادرها، وقد لا يدرسون أولادهم فيها؛ لأنهم غير متأكدين من تأثير تدني الكادر على مستواها.
وفي تصوري فإن انعدام الشفافية، وكثرة القيل والقال، وكثرة الوعود وطول فترات الانتظار لتحسين الكادر قد أضرت بمعنويات أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا أكثر من الكادر ذاته. ولذلك فقد كان تصريح وكيل الوزارة شجاعاً ومسؤولاً، وحدد موقف وزارة التعليم من الكادر بشكل لا يحمل اللبس، والجميع يشكره على ذلك، ولاسيما، أنه عضو هيئة تدريس سابق، أي أنه من أهل مكة ولديه الخبرة الكافية بشعابها.
الكلام عن ضعف الكادر مكرر ومعاد، وسبق أن نبه إليه الكثير من الكتاب والمسؤولين، ولكن أن تصدر دراسة موثقة توضح أن كادر أعضاء هيئة التدريس لدينا هو الأدنى بين دول الخليج، وأن ذلك سبب رئيس في تدني المستوى التعليمي في جامعاتنا، فهذا أمر يكاد يكون خطيراً ويجب تداركه، مع العلم أن البعض ممن يبخسون أمور التعليم العالي قد يعترفون بأننا قد دخلنا مرحلة حرجة، وأن إنقاذ التعليم العالي في بلادنا قد يحتاج لأكثر بكثير من عملية تحسين للكادر ربما تأتي متأخرة.
وبالأمس القريب، أيام دراستنا نحن في الجامعة، كانت جامعاتنا تعج بمبتعثين من بعض دول الخليج المجاورة؛ لأنه ليس بها جامعات، وكانت تلك الدول تنظر لنا بعين الغبطة على أننا واحة يانعة للتعليم الراقي في الجزيرة العربية، اليوم تلك الدول ذاتها تكاد تسبقنا في المستوى التعليمي، وتحصل على أفضل الكوادر التعليمية، ونحصل نحن على المتردية والنطيحة منهم؛ لأن الرواتب التي نقدمها لهم متدنية جداً وغير منافسة. وأنا شخصياً قد ذهبت للتعاقد لأكثر من مرة في مؤتمرات في الخارج، وكان المتقدمون يعربون لنا عن تفضيلهم للمملكة العربية السعودية كمكان للعمل، ويعبرون عن فرحهم بسنوح الفرصة لهم للعمل والإقامة بها، ولكن ما أن نأتي على ذكر المرتب حتى ترى غبار أرجلهم هرباً.
وللأمانة أقول، ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فاليوم يلحظ الجميع هروباً متسارعاً للكوادر المؤهلة تأهيلاً جيداً من جامعات عالمية ممن يعملون لدينا للدول المجاورة لنا، ولم يبق لدينا إلا من لم تتح له الفرصة للانتقال من خريجي الجامعات العربية التي تمر بظروف أسوأ منا. والبعض من المتعاقدين، من بعض الجنسيات العربية غير الخليجية ناهيك عن الجنسيات الأخرى، فضل العودة لبلاده؛ لأن الفارق بين مرتبه هناك ومرتبه هنا لم يعد مغرياً كما كان في السابق، فمرتباتهم ترتفع وساعات عملهم تنخفض وظروفهم تتحسن، أما في جامعاتنا فساعات التدريس هي التي زادت، وأعداد الطلاب ارتفعت، والظروف الله أعلم بها.
بالأمس كنا نفتخر بأن أوراق طلاب كليات الطب لدينا تصحح في جامعات عالمية تأكيداً على مستواها، واليوم نحن نفتخر بإنجازات خريجي تلك المراحل في هذا المجال على مستوى عالمي. وبالأمس كان الأطباء في جامعاتنا متفرغين كلياً لطلابهم ومرضاهم واليوم يكادون يمرون على المستشفيات والكليات مرور الكرام، لماذا؟ لأننا سمحنا لهذه الفئة فقط من أعضاء هيئة التدريس بتحسين مستواهم المعيشي بالعمل خارج الجامعات، إقراراً منا بضرورة ذلك، ولم نسمح لزملائهم من التخصصات الأخرى بذلك، وكأن أمر معيشتهم غير ذي أهمية.
فدعونا نكون واقعيين! هل تكفي تسعة آلاف شهرياً مرتباً لشخص قضى ما لا يقل عن سبع سنوات بعد تخرجه من الجامعة في الدراسة في الخارج. وهو في الغالب يعود بأطفاله وزوجته ومبلغ من الدين لا بأس به إلى جامعة لا يتوافر له فيها مسكن جيد في مجتمع شغله الأول المناسبات الاجتماعية، وهمه الأكبر التظاهر الاجتماعي الذي لا يرحم. وبدلاً من أن ينشغل بتدريس المعلومات الجديدة لديه بكل حماس يجد نفسه يلاحق أمور حياته اليومية وأمور سكنه وغير ذلك. فهل هذا ما نريده لعضو هيئة التدريس الجديد؟
الحكمة القديمة تذكرنا بأن الطبيب والمعلم لا بد أن توفيهما حقهما من الأجر؛ لأنهما يجدان بقدر ما يجدان، وهذا الكلام لا ينطبق على أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا اليوم، فمعظمهم يجد ويجتهد على الرغم من ضعف كادر «العرقة»؛ لأنهم يؤمنون بسمو رسالتهم، ولكن الإحباط والعياذ بالله قد بدأ التمكن من الكثير منهم، فإذا كان هناك كادر جديد فيجب ألا ينتظر كثيراً، فنحن لن نحصل على جامعات ذات مستوى جيد بدون أعضاء هيئة تدريس جيدين ومتحمسين. والتوسع في التعليم الجامعي الذي نشهده اليوم يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الكيف وليس الكم فقط. والأهم من توفير المقاعد الدراسية هو توفير المستوى التعليمي الجيد.
































