المقالات

العدد 1862 - 25/06/2005
بقلم: د. محمد بن عبدالله العوين



في رثاء أحد ضحايا 1/7!!

ها أنت تلج مكتبك الذي يا طالما انعقد على نسج الباطل من القول فلا تجد ما يسر ويبهج من استقبال حافل، وغاد ورائح، ومن طقوس الولاء، وفنون الخضوع والطاعة العمياء؛ بل يلاقيك من كنت تلاقيه كل صباح بوجه يكاد أن يكون مكفهراً، أو هكذا تخيّل إليك اللحظة النفسية المتأزمة.
ليس هذا فحسب؛ بل إن من تأكيد هذا الهاجس النفسي المدمِّر بتخلي الجوقة من المنتفعين والمرتزقة ومدعي الإخلاص والصحبة وناقلي الأخبار والوشايات والحكايا الصادق منها والكاذب أنك لم تر منهم أحداً هذا الصباح؛ وتذهب إلى تحليل هذا الخواء وانفضاض الحاشية بأن الخبر المنتظر السيئ قد تسرب إلى كل أذن مصغية متحفزة؛ ولربما لم يكن في مخيلتك من قبل أن تصدق كل هذه الآذان المحبة الملتفة حولك المشرئبة لهمسك وتوجيهاتك خبراً كهذا!!
إنك أنت نفسك لم تكن تصدق أنك راحل؛ هكذا بجرة قلم، وهكذا بدون زفة ولا مهرجان، وبدون ضجيج ولا صجيج ولا احتفال ومطولات ومدائح؛ بل لم يدر في خلدك أن من الممكن أن تسير دفة الحياة بدون وهج عبقريتك الفذة ولا آرائك الصائبة، وكيف لعجلة جهازك الذي تديره وترعرعت فيه منذ كنت شاباً حدثاً إلى حين زيفت عمرك بنقص خمس سنين كي لا تخسر الحياة وهج هذه العبقرية أن تدور وتنتج وتعطي وأنت بعيد عن إدارة مقودها وتوجيه دفة مسارها وقراءة تعاويذ التفوق والتميز والنجاح عليها كما يُخيل لك؟!
إنها الحقيقة المرة أيها السادر في غيه؛ تنبّه الآن؛ فقد أعلنت الشارة الحمراء لك التوقف النهائي كي تمنح الفرصة التي حبستها طويلاً وناضلت من أجل دفعها سنين وسنين لغيرك ممن طال بهم الانتظار وملوا الصبر وأدمنوه وقلبوا أوراق التقويم في كل سنة لعل تاريخاً جديداً يشرق عليهم مع بزوغ اليوم الأول من الشهر السابع من كل عام!
الحقيقة المرة اليوم ولا غيرها؛ وأنت وحدك في فضاء مكتبك الواسع العميق الذي ضاق بك حتى غدا كسم الخياط؛ تدير بين صرير أضراسك وابتلاع الهواء المحبوس في رئتيك قصصاً لئيمةً نسجتها منضدتك الممتدة في فُحشٍ بين يديك الآن، وتستعيد كم خط قلمك المتسربل في رداء الخطايا والذي لم يجد يوماً غير ديباجات الجزء الآخر غير المحترم من المواقف، وكم حشا وذيّل بلونه الأخضر الذي لا يصور حقيقته المخاتلة الملتبسة التي لو تعرّت لكان الأخضر هذا سماً زعافاً يراق على الورق ، لا خطاباً يتزيا بزي الإصلاح والانضباط وكل قواميس الكذب والنفاق والخديعة وسوء الأخلاق.
إنها لحظة الصحوة المرة!!
اللحظة الوحيدة التي أفقت فيها من سُكر المكان الذي لم يكن يوماً هدفاً لك ولا غاية؛ لأنك لم تعتقد لحظة أنك في حجم الممرالبعيد النائي الذي يقطنه سنين طوالاً موظفو الأرشيف وحفظ المستندات والأوراق.
لقد زفتك الصدفة - ولا غيرها - بحيث ارتج عليك طوال هذه السنين التي مارست فيها بؤسك الخاص على من عرفت ومن لم تعرف، وعلى من أخطأ ومن أصاب، وعلى المحب والكاره؛ واستثنيت من تستخدمه ممن حام حول مائدتك طمعاً في مغنم كي تناصب به من ستكابده ويكابدك في الخصومة؛ فاختبأت خلف هذا الطابور ممن يملأ طنينهم أجواءك، وممن يزجون إليك وينسجون لك ويقيمون حولك معماراً هائلاً من الخيال السلبي الموجع الذي يجعلك وحدك سر الحياة ونبضها الخفي والمعلن والبقية لا سبيل لهم إلى بعض من مغانم إلا من بابك المعصوم، ومن مهر قلمك الأخضر الموثوق الذي لا ينقضه سوى الموت أو 1/7,.!
هكذا كنت أيها الأهم إلاّ عن حكايات طيور المائدة!
وهكذا أصبحت ولا أحد يخدش فضاءك الصامت الساكن الممل ولو بحشرجة من طنين أو بتوسل أو استعطاف أو إعلان ولاء ومحبة كاذبة كما كان ذاك في يوم أمس!
لا أحد حولك..
بَقيت وحدَك!! والظنون وقصص مرة دونتها بخيبة وألم تتجرعها وأنت تغادر؛ ولكنها لا تغادرك!
بَقيَتْ جرحاً نازفاً؛ برئ أصحابه الكثيرون، وابتدأ معك ينز أسطراً وكلمات لا تعرف الحق تسري في دمك كالجمرات المتوقدة تدفعها بعيداً عن ذاكرتك فلا تبرحك!!
تَرْحلُ وحيداً بدون زفة ولا مهرجانٍ ولا طبل ولا مزمار.
وتسير الحياة جميلةً بدونك..
تزهر الغصون التي حصدتها بمنجلك المثلوم.
ويبقى عودك ذابلاً دون أوراق ولا غصون.
هي الخطايا وحدها من يلاحقك.