المقالات

العدد 1862 - 25/06/2005

بعض المثقفين مـلـــــــــــيشيـات مسلحـــــة

عبد الله الناصر الملحق الثقافي السعودي

لو افترضنا أن أمامك مسارين، أحدهما يشير إلى جهة (اليمين) والآخر إلى (اليسار) فأيهما تختاره مساراً لك؟
-..........
وأَهَدى الطريقين التي أتجَنّبُ
«المتنبي»
من يتابع مقالاتك «المميزة» في موضوعاتها ولغتها التي تنشرها في جريدة الرياض كل يوم جمعة، يتلمس بين سطورها حنينك الكبير إلى الوطن، فهل أصبحت برودة (الغربة) تدب في أطرافك وترغب الارتماء في (دفء) الوطن؟
- أصحاب الحقائب المنهكة بالرحيل يحتمون من صقيع ليلهم بسقوف الوطن.. والناس ملوك ما داموا يحلمون بأوطانهم... وكلما ابتعدت عن الوطن كلما رأيته أكثر جمالاً.
تكتب دائماً عن (أصحاب الأفكار الرخوة)، (المواقف الرخوة)، و(الكتابات الرخوة)، فمن هم هؤلاء (الرخويون)؟ وما هي ملامحهم؟
- أقصد الدجاج المحقون بهرمون أمريكي.. إنهم يضاعفون من قبح هذا العالم.
في سجن (أبو غريب) تمثل أمامنا نموذجاً مصغراً للإهانة العربية، وفي صور (صدام حسين) وهو يغسل ملابسه تجسد لنا معنى الإذلال العربي، وبتدنيس المصحف الشريف أحسسنا بعمق العبث بالكرامة العربية والإسلامية، أبعد هذا لا نزال نتساءل أين الأخلاق، وأين الحضارة، وأين الإنسانية مما يحدث لنا كأمة؟
- يا أمة ضحكت من ذلها الأمم.
كتابك (بالفصيح).. هل هو موجه بشكل مباشر لانتقاد الطرح الثقافي في الصحافة العربية والقنوات الفضائية؟
- والاحتجاج أيضاً على طريقة ذبح الدجاج العربي.
عندما شارك مستشار ألمانيا (غير هارد شرودر) مؤخراً في الاحتفال بالذكرى الستين لانتصار الحلفاء على ألمانيا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية، تساءل الكثيرون: هل شارك بصفته منتصراً أم مهزوماً؟
- بل المهزوم الذي انتصر.
بعض المبدعين السعوديين يذكرنا بحكاية الارستقراطي الأموي الذي سئل لماذا لا تختلط بالناس، فقال: «أخشى أن يزحمني البقالون»!، فهل تعتقد أن العزلة أو ادعاء النخبوية هو من متطلبات الإبداع لدينا؟
- المبدع الخلاق لا يمكن أن يعيش داخل صدفة، ولا يمكن أن يتحول إلى محارة تحت أتربة البحر.. العاجزون وقصار الموهبة هم الذين يذهبون إلى العزلة ليواروا عجزهم وكسلهم خلف سبات «النخبوية» و«الفرادة» والفوقية، كنوع من أنواع تضخيم الذات... المبدع الحقيقي هو الذي يفضل الموت على الصمت، لقد أطلق هيمنجواي الروائي العظيم النار على نفسه لأنه أحس بعجزه عن تقديم شيء جديد يحيا به بين الناس.
بصراحة: ألا تضيق بالآراء التي ينقصها الذكاء، التي لا تميز بين نقد العمل الثقافي، والخوض في شؤون المؤلف الشخصية؟
- نحن أمة مظهرية حتى في ثقافتنا فالكثير من سذج الثقافة يهمه اسم الكاتب أو الشاعر أكثر من كتابته أو شعره، ولهذا فنحن نرى طبولاً رنانة وجوفاء وإذا تفحصت إبداعها وجدته عادياً أو شبه عادي.. إنها المركز، والنفوذ، والمهارة في استخدام النفوذ الصحافي واصطياد البُله في شباك المراءاة والكذب.
تقمصت دور أحد محترفي جمع الكتب القديمة للحصول على نسخة نادرة من كتاب جورج بوش (الجد) الصادر في عام 4481م الذي يهاجم الرسول ويصف المسلمين (بالحشرات)، فهل تعتقد أن هذا الكتاب العنصري «الهايف» يستحق الاطلاع عليه، لو لم يكن حفيد مؤلفه رئيس أمريكا الحالي؟
- لا، ليس كتاباً «هايفاً» كما تذكر.. وإنما هو وثيقة لمرتكز عقائدي وثقافي قديم يكشف لنا من خلال حفرياته آثار كراهية تاريخية متأصلة.. ضاربة الجذور وقد أخذت فروعها تتمدد وتتطاول في السماء لتمطر علينا حمماً من الكراهية والقنابل والبغضاء التاريخية.
على الرغم من أن قصصها التي هي أكثر من «رائعة» إلا أن كثيراً من النقاد استغربوا مفردة (نعل) على صدر مجموعتك القصصية (سيرة نعل)، لماذا اخترت هذه المفردة؟
- أما ترينا حفاةً لا نعالَ لَنَا
إنّا كَذلك ما نَحفَى ونَنْتَعلُ
«بيض الله وجهك».. لمن تقولها..؟
- لكل من لم يسوّد ضميره بخيانة وطن أو دين.
ما الخلطة السرية التي يمكن من خلالها ضبط النفس، والتحلي بفضيلة الصمت، والاستجابة للأمر الواقع؟
- خلطة من «الجبن العربي» ماركة أبو عنز.
للبهائم في الغرب حقوق الاستمتاع بالحياة، فالمظاهرات تحشد لحماية الثعالب من القتل، وتقام للكلاب احتفالات خاصة للتزاوج ، وللقطط والطيور عيادات خدماتها ممتازة، في حين أن في الغرب ذاته لا يهتم الإنسان بأخيه الإنسان خاصة المشردين والفقراء، هذا التناقض ما هي أسبابه؟
- لو فتحت رأس الغربي لوجدت فيه «إلهاً» من عمله.
قال أحد المفكرين الغربيين: «إن أشد خطر تواجهه أي أمة من الأمم فقدان أبنائها للثقة في النفس وجهلهم بتاريخ أمتهم»، هل توافقه؟
- نعم.. شكسبير لا تزال مسرحياته تعرض إلى اليوم.. والإسرائيليون منذ ثلاثة آلاف سنة يبحثون عن هيكلهم.. وأوروبا تعتز بمتاحفها وتاريخها العريق، ونحن قذفنا معلقة أمرئ القيس وكتب الجاحظ في أول عربة «زبالة» صادفتنا..
ماذا تقول لمن يريد أن يعيش على هامش هذا الزمن، ويدور حول الماضي دورة الرحى، ويريد أن يصنع من الآخرين صوراً كربونية تفكر على طريقته؟
- أقول: سيعرككم الزمن عرك الرحى بثفالها..
طواحين الإعلام الإنجليزي وعلى رأسها صحيفة (الصن) تطحن منذ فترات طويلة «هفوات» بعض السياح الخليجيين في لندن وتنشرها على شكل فضائح مدوية تسيء لسمعة العرب بشكل عام، في رأيك كيف نصنع (دون كيشوت) إعلامي عربي يستطيع (غزو) هذه الطواحين الإعلامية، وإسكاتها؟
- أولاً أتمنى لبعض هؤلاء أن تطحن عظامهم وأضلعهم لأنهم يستحقون الطحن والهرس بسبب ما يمارسون من سلوكيات تخدش الحياء الحضاري والذوق الحضاري حيث يهبطون كالغربان، و«يدوجون» كالقنافذ لا هم لهم إلا السهر والعربدة والبذخ المزري.
في الملتقى الأول للمثقفين السعوديين الذي عقد في الرياض مؤخراً، هل خاف بعض المثقفين من أن توضع النقاط فوق حروف الكلمات؟
- المصححون وحدهم هم الذين دائماً يضعون النقاط والحركات على الحروف.
ما وجه الصورة الذي لا نريد - نحن الخليجيين - أن نراه دائماً؟
- أخي نحن لسنا دلافين ولا أسماك قرش.. لسنا أبناء خلجان ولا محيطات.. نحن أبناء جزيرة العرب..
تنتقد «بعض» الفنانين والفنانات في سلوكهم عندما يزورون لندن لإقامة حفلاتهم الغنائية، لكنك تتناسى أنهم لو لم يجدوا من يصفق لهم ويدعمهم لما «غنوا» و«اغتنوا»، لماذا لا تنتقد السبب قبل النتيجة؟
- هناك علاقة وثيقة بين ثقافة الفرد وذوقه.. الثقافة الجادة والأصيلة تنتج أجيالاً مثقفة محصنة بالذوق الرفيع والثقافة الهابطة الساذجة أي ثقافة الشارع الشعبي لا بد أن تنتج هذا النوع، من الفنانين، ومن المستمعين، وفي ظل الفراغ الثقافي الذي يجتاح الأمة مع المهازل السياسية، والارتباك الاجتماعي فإن التصفيق حالة لا شعورية.. وهي لا تدل على الإعجاب بقدر ما تدل على نكران الحالة.
تفجير، اختطافات، سيارات مفخخة تتطاير هنا وهناك، مظاهرات طائفية، هل تعتقد أن هذا المشهد العراقي يروج بشكل جيد للديمقراطية الأمريكية في الشرق الأوسط؟
- اسأل الذين هللوا وكبروا وصفقوا وزغردوا للفتح الأمريكي..!! نعم إنها ديمقراطية طائرة الشبح وتوماهوك والفلوجة وأبو غريب وسماسرة التبشير باستباحة الأمة وقتل كل نوازع الإحساس بالوطن.
يقول الإنجليز: «قل من تشجع أقل لك من أنت!!»، فهل أنت من مشجعي فريق (مانشستر يونايتد) أم فريق (الأرسنال)، ولماذا؟
- أنا من مشجعي فريق الضعفاء والمساكين الذين يدافعون عن أبواب بيوتهم وأبواب أوطانهم من ضربات الجزاء الظالمة التي تمزق شباك قلوبهم.
تساءل ناقد من نقادنا الكبار قائلاً: «لماذا كل من هب ودب أصبح ناقداً لدينا، على الرغم أننا لا نعلم من أين أتى!!»، فهل تعتقد أن لدينا أزمة نقاد أم نقد أم انتقاد؟
- مسألة «كبار» هذه كبيرة.. فكم عدد الكبار لدينا..؟ نحن في العالم العربي نجيد تفخيم وتضخيم الأشياء والنفخ فيها ببلاهة، وبلادة.. الكبير لا يحتاج إلى أن تقول عنه إنه كبير ناقداً ومنقوداً، والمبدع الحقيقي هو الذي يكبر كقطعة السحاب ويمطر أحياناً بلا برق ولا رعد. الناقد الكبير هو المكتشف لحقول الإبداع في باطن الرمل وعن اللآلئ في أعماق البحر وليس حامل الكرباج الذي يصفق له حتى المجلود.
في رأيك متى يبدأ (المثقف) العربي «يتدحرج» في سحابة الدخان، و«يشخر» بشكل عميق؟
- أظن أنه منذ زمن سحيق وهو يتدحرج ويشخر أما الآن فقد توقف حتى عن الحركة والتنفس بشكل طبيعي.
الغوص في أحضان الخصوصية والعزلة، هل تفيد المجتمعات النامية في زمن العولمة؟
- ما أجمل العزلة الروحية فهي ذات وعي روحي وعقلي لكن عزلة الجهل هي تخلف وجمود.. والعولمة لا تعني نفي الآخر فكراً وعقلاً وثقافة بل تجعله أكثر خصوصية كما تجعله أكثر خصوبة للتفاعل مع الآخر.
«هم» يعمرون الأرض بالاختراعات، و«نحن» نستهلك «بشراهة» ما يخترعونه ومع ذلك لا نمل من ذمهم والتقليل من حضارتهم، هذا التناقض الغريب في أي عقلية يمكن أن يتكون في رأيك؟
- لست أدري ولكن في العالم العربي أكثر من أربعمائة جامعة ولا نزال نستورد إبر الخياطة، وأعواد الثقاب. لو أن بعضاً مما ينفق على حفلات الغناء في الوطن العربي يصرف على مراكز البحث العلمي لكنا غزونا معظم النجوم.
معركتنا الحضارية والأخلاقية مع الآخرين، كيف يمكن أن نكسبها؟
- إذا كسبنا المعركة مع أنفسنا أولاً.
في أي موقف إنساني لا تستطيع التحكم بمشاعرك؟
- في المواقف الإنسانية لا تضبط المشاعر بالكوابح كما تضبط عجلات السيارة أو الدراجة النارية. المشاعر هنا كذرات البارود تشتعل رأساً إذا لمستها شرارة النار.
هل تعتقد أن من مهمات الناقد تصيد هفوات العمل الفني والتكلف في إبرازها؟
- مهمة الناقد الحقيقي هي الاكتشاف.. أما التصيد والصيد فمهمة الرماة، والحبالين، وأصحاب الفخاخ المعلقة.
نقذف التهم على أمريكا والغرب عموماً، فهل تعتقد أنهم أصبحوا شماعتنا المفضلة لنبرر فشلنا في عدم قدرتنا على تغيير أنفسنا؟
- لماذا نظلمهم يا أخي وهم لا يزالون يسمحون لنا بتغيير ملابسنا بكل ديمقراطية وتسامح..؟!
سؤال بلا رتوش: لماذا لا يكتب الحكام العرب مذكراتهم؟
- أنا مثلك لا أدري لماذا لا يستطيعون الكتابة..!!
قال أحد كتاب المهجر: «أنا مثلي الأعلى رؤساء أمريكا!»، فهل تعتقد أنه أحسن اختيار قدوته؟
- كن قوياً يحترمك الناس.. ويقتدون بك.
«لقد التم المتعوس على خايب الرجا»، متى تقولها؟
- إذا التقى قوس الربابة على حافر الحمار.
قال شاعر ذات مرة:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
هل تتفق مع هذا البيت؟
- أتفق مع الذي قال: على قدر أهل الذل تأتي الهزائمُ.
يقول (غوته): «إن ما جعلك عظيماً هو ألا تستطيع أن تنتهي من عطائك» هل توافقه؟
- نعم ولهذا قلت سابقاً إن همنجواي أطلق من بندقية الصيد النار على نفسه لأنه أحس بتوقفه عن الإبداع.
هل استطاعت القنوات العربية الإخبارية استقطاب «الزبون»، أم أنه «فلت» إلى غيرها من القنوات كالعادة.
- الزبون والقناة كل «أفلت» من أخيه.
متى ترى أن المصارحة أهم وسيلة لتقريب المسافات؟
- دائماً وأبداً.
أغنياء العرب احتلوا المراكز الأولى في التصنيف الأخير لأثرياء العالم، فأين هم من خدمة وتنمية مجتمعهم؟
- بشر الراقصات، والحانات الليلية، وملاعب الروليت..
ما الموعد الذي تحرص دائماً على أن تخلفه؟
- الموعد الثاني..
لماذا تنحو أغلب حواراتنا منحى العصبية وإقصاء الآخر؟
- لأن عقلنا الباطن لم يتخلص من داحس والغبراء بعد.
في قاعات الدرس من أفقد مربي الأجيال (هيبته) ؛ ومن سمح للطالب بالتطاول عليه؟
- الذي أسقط هيبته.
احتكار المنابر الثقافية لـ «بعض» المثقفين و«المتثاقفين» كيف نفهمه؟
- إنها ميليشيات مسلحة تدافع عن مواقعها حتى بالأظافر، ولا يدخل في طاعتها إلا من تسمح له بالدخول.. وعلى الإبداع السلام ورحمة الله وبركاته..
تناقلت وسائل الإعلام نية بعض أصحاب رؤوس الأموال في الخليج إنشاء قناة ثقافية.. فهل نتوقع لها النجاح؟
- إذا كانوا أصحاب رؤوس أموال وليسوا أصحاب رؤوس ثقافة فإنهم سيهبطون لمستوى السوق العامر بكل الصناعات الشعبية الرخيصة.