المقالات

العدد 1862 - 25/06/2005

د. فلاديمير عبدالله نيرشا.. الذي هجر الفيزياء والرياضيات لـ «رحاب الإيمان»

قضيت 12 عاماً في ترجمة صحيح

موسكو - د. خالد العطواني

هناك جهود فردية لخدمة الإسلام يقدمها أشخاص في بقاع العالم كله تظل مجهولة إلا من مجتمعها القريب، لا يقصد بها هؤلاء الأفراد سوى وجه الله، وهناك جهود للمملكة العربية السعودية بمؤسساتها الخيرية لا تقتصر على بناء المباني وحفر الآبار وإقامة الندوات الإرشادية والتعريفية في العالم، بين هذين الجهدين رابط واحد هو خدمة الإسلام، والدكتور فلاديمير عبدالله نيرشا مواطن روسي، أحب اللغة العربية، ودخل الإسلام وقام بجهد علمي خدم به المسلمين في روسيا بلاده، حيث ترجم أكثر من 04 كتاباً إسلامياً إلى اللغة الروسية بمساعدة مؤسسات خيرية سعودية، التقينا به ليحدثنا عن مشروعه الإسلامي الذي تصدى له، وإسهامات المملكة في هذا المشروع:

بداية، هل كان دخولك إلى مجال اللغة العربية بالمصادفة كما يشير أغلب المهتمين بها في روسيا عندما يتحدثون عن خطواتهم الأولى في هذا الطريق؟
- ولدت في عام 1925م في عائلة محارب روسي في مدينة كيشينوف التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من الاتحاد السوفييتي، وعشت هناك حتى عام 1917م، حيث أكملت المدرسةالثانوية، وقد بدأ اهتمامي بقراءة أدب الشعوب الشرقية عندما كان عمري14 سنة فقرأت ترجمتي كراتشكوفسكي وسوبولوف لمعاني القرآن الكريم ليبدأ منذ ذلك الوقت اهتمامي بالإسلام والشرق بشكل عام. كما كان من الصعب جداً الحصول على هذين الكتابين أو العثور عليهما في المكتبات العامة. فقد تم نشر ترجمة كراتشكوفسكي في عام 1936م وبخمسة آلاف نسخة فقط بينما كان يعيش في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق عشرات الملايين من المسلمين. ورغم حبي للرياضيات والفيزياء في المدرسة الثانوية وسعيي إلى إكمال دراستي الجامعية في هذا المجال كان ينازعني في ذلك الوقت حب آخر للغة العربية والآداب الشرقية. وبعد أن أنهيت المرحلة الأولى في كلية الفيزياء والرياضيات تركت الدراسة لألتحق في عام 1917م بقسم اللغة العربية في كلية الآداب الشرقية.

على طريق الإسلام

كيف بدأت خطواتك الأولى في التعرف على الإسلام والدخول فيه خصوصاً أنك ولدت في عائلة غير مسلمة؟
- لقد عانيت من أزمة روحية صعبة في سنوات المراهقة، فكنت أفكر بعدم جدوى الحياة التي نعيشها وبفراغها الكبير. وعلى رغم صعوبة هذا الأمر، وبعد ستة أشهر من التفكير العميق وصلت إلى قناعة مفادها أن الحياة عديمة الجدوى إذا كنا لا نؤمن بوجود الله تعالى. وبعد ذلك ازداد اهتمامي بدراسة الأديان بشكل عام إلى أن حصلت على ترجمتي معاني القرآن الكريم كما قلت سابقاً، وقرأت ما كان متوافراً من الكتب الدينية في ذلك الوقت التي كانت الأيدي تتناقلها سراً وبعيداً عن أعين السلطة والمخبرين. بعد ذلك وجدت أن مصيري قد ارتبط بالإسلام على رغم خطورة ذلك في تلك الأيام، فوالداي كانا بعيدين كل البعث عن الإسلام، ولم يتصورا في يوم من الأيام أن ابنهما سيعتنق الإسلام. لم أجد في مرحلة الشباب الطريق الذي يوصلني إلى اعتناق الإسلام فكنت أردد في نفسي عبارات مثل: (لا حول ولا قوة إلا بالله) و(توكلت على الله) و(الحمد لله) وباللغة العربية، وبعد أن أكملت دراستي في الجامعة عملت مترجماً لعدة سنوات في بعض الدول العربية ثم أستاذاً في معهد الاستشراق في جامعة طشقند، حيث تمكنت من المناقشة عن أطروحة الدكتوراه في الفلسفة. وبعد سفري إلى موسكو للعمل اعتنقت الإسلام، وأقدمت على الخطوة التي غيرت مجرى حياتي، وأبعدتني عن الكثير من الأقرباء وقربتني ممن كنت لا أتوقع أن ألتقي بهم في يوم من الأيام. وبدأت أفكر في عام1989م بترجمة الكتب التي يحتاج إليها المسلمون في روسيا.

ترجمة صحيح البخاري

لماذا لم تتجه في البداية إلى ترجمة معاني القرآن الكريم خصوصاً وأنك ذكرت أن التراجم التي كانت متوافرة في ذلك الوقت شحيحة وقديمة مما قد يجعلها ضعيفة وغير واضحة؟
- كانت هناك العديد من تراجم معاني القرآن الكريم وعلى رغم ضعفها في ذلك الوقت إلا أن المسلمين كانوا على الأقل يجدونها، بينما كانت كتب السنة النبوية التي تعتبر الأساس الثاني للإسلام لم تكن موجودة في ذلك الوقت. ولهذا بدأت بترجمة كتاب صحيح البخاري باعتباره أحد الكتب المهمة والشاملة لأحاديث الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأحد المراجع الإسلامية الرئيسة. وبدأت بترجمة هذا الكتاب المهم في عام 1989م ليستمر العمل عليه سنوات طويلة. وعلى رغم وصولي إلى مرحلة متقدمة في معرفة اللغة العربية إلا أنني عانيت الكثير من الصعوبات أثناء ترجمته فقد كان العمل يتطلب إلماماً شاملاً بجميع المصطلحات الإسلامية مع اطلاع واسع على القرآن الكريم ومبادئ الشريعة الإسلامية. وبعد دراسة مستفيضة وبحث ومراجعة صدر الكتاب في عام 2002م لتستغرق عملية ترجمته ومراجعته حوالي 21 عاماً. وأثناء هذه الفترة عملت على ترجمة العديد من الكتب الإسلامية المتوسطة والصغيرة. كما تمكنت وبالتعاون مع مؤسسة إبراهيم بن عبدالعزيز البراهيم الخيرية من إصدار ترجمة كتاب رياض الصالحين إلى اللغة الروسية في عام 2001م وتوزيعه مجاناً في مساجد ومنظمات روسيا الإسلامية ليعد في ذلك الوقت حدثاً مهماً في حياة المسلمين في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق.

الفضل بعد الله للمملكة

ما المؤسسات التي قدمت لكم الدعم في ترجمة الكتب الإسلامية في روسيا بالإضافة إلى مؤسسة إبراهيم بن عبدالعزيز البراهيم؟
- أود في البداية أن أعبر ومن خلال مجلتكم عن شكري وامتناني للمملكة العربية السعودية وحكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود على الجهود الكبيرة التي بذلتها من أجل مساعدة المسلمين في روسيا، ورفع مستوى ثقافتهم ووعيهم الإسلامي. كما أتقدم بالشكر الجزيل لوزارة الشؤون الإسلامية والإرشاد والأوقاف السعودية ولمؤسسة إبراهيم بن عبدالعزيز البراهيم الخيرية، وللعديد من المواطنين السعوديين. وهناك الكثير من المسلمين، سواء في روسيا أو جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق يسألوننا عن سبب توقف نشاط مؤسسة إبراهيم بن عبدالعزيز البراهيم الخيرية بينما نحن للأسف الشديد لا نملك الإجابة عن هذا السؤال. لقد قامت المؤسسة بطبع آلاف النسخ وترجمتها إلى اللغة الروسية وتوزيعها مجاناً على المساجد والإدارات الدينية والمراكز الإسلامية. أكرر شكري وامتناني للمملكة العربية السعودية ومؤسساتها الخيرية التي ساعدتني خلال فترة ست سنوات فقط على ترجمة أكثر من30 كتاباً إسلامياً إلى اللغة الروسية وإصدارها وتوزيعها مجاناً على المسلمين.
بعد إغلاق فرع مؤسسة إبراهيم بن عبدالعزيز البراهيم الخيرية في موسكو هل ظهرت هناك مؤسسات أخرى تعنى بطباعة الكتاب الإسلامي في روسيا وتعينكم على ترجمته إلى اللغة الروسية؟
- نعم لقد ظهرت بعض المكاتب الخاصة غير الحكومية التي تخصصت في طباعة الكتب الدينية في روسيا وعلى أساس تجاري لكي تتمكن من مواصلة عملها خصوصاً وهي جهات لا تتلقى أي دعم حكومي. ومن تلك المكاتب والمؤسسات دار «بدر» التي تم إغلاقها هي الأخرى فيما بعد لتبقى دار نشر الأمة» فقط. وتعتبر هذه الدار في بداية طريقها على رغم نشاطها الواضح على الساحة الروسية فخلال فترة أقل من سنتين استطاعت إصدار حوالي 30 كتاباً إسلامياً باللغة الروسية ولغات الشعوب المسلمة كالتترية والطاجيكية وغيرهما، منها أربعة كتب قمت بترجمتها.
بعد أكثر من 40 كتاباً مترجماً هل سيواصل عبدالله نيرشا مشواره في إيصال الكتاب الإسلامي العربي إلى المواطنين الروس، وما هو الكتاب الجديد الذي تعمل على ترجمته الآن؟
- اسمح لي ألا أذكر اسم الكتاب الذي أعمل على ترجمته الآن لأنني تعودت ألا أذكر العمل حتى أكمله. ولكنني أستطيع أن أقول إن الكتاب الجديد من الكتب الإسلامية المهمة التي ستعود بالنفع إن شاء الله على المسلمين في روسيا. كما أن هذا الكتاب يتميز بشموليته وحجمه الكبير، حيث يبلغ عدد صفحاته 1000صفحة. أما بالنسبة للمستقبل فلا بد من القول إنه حان الوقت لترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغة الروسية. وأود هنا أن أشير إلى إمكانية وأهمية تفسير القرطبي، ولكن مثل هذا العمل الكبير يتطلب ترك كل شيء والتركيز على ترجمة مثل هذا الكتاب الضخم، وإن شاء الله سأجد لذلك الوقت الكافي في المستقبل.