
شوارع المدن العراقية في العيد هي ذاتها في الأوقات العادية لا استثناءات.. لا جديد بين أزقتها وطرقاتها التي أتى الخراب على مفاصلها وصارت أكثر انحناءً وخوفاً من شمس كل غدٍ قد يأتي بمزيد من البارود والدمار والدم وإن كان في وجوه العابرين لها بعض أمل ممزق في أن تتلاشى الأحقاد والضغائن التي نشأت وتوالدت في ساعة دون وعي وتتصافى القلوب والخصوم مع أنفسهم بعيداً عن تناحر كراسي السلطة السياسية الأبدي، فبينما تقول أم ياسين لابنتها: «سنقضي العيد في البيت نستقبل الضيوف والتهاني بعيداً عن احتمالات عبوة ناسفة وسيارة مفخخة أنساها حقدها العيد» وبينما ترد على سؤالنا لماذا بأن «هناك من لا يريدنا أن نفرح بالعيد» تقول لنا إيمان نجم وهي تمر بعمر الزهور، في مكان آخر ووضع آخر، «لن نحمل أنفسنا ما يفوق طاقتها ألا يكفي حجم الألم الذي نواجهه من هؤلاء الذين يحاولون قبر أحلامنا.. والنيل من سعادتنا.. لِمَ لا نعيش دون أن نتذكر خلافاتنا» وتضيف في صباح العيد: «نحن الآن وسط هذا البركان من الدم بحاجة إلى الصفاء أو شيء من الصفاء»، ليتفاجأ العراقيون رغم تفاؤل إيمان نجم المفعم بالتصبر بعملية «الساتر الفولاذي» التي ينفذها الجيش الأمريكي غرب العراق أيام العيد وكأنها تستفز ما تبقى من البارود لتدمر ما تبقى من احتمالات مجيء الفرحة رغم نزاهة أهدافها العسكرية «المعلنة» في اقتفاء منابع ومداخل الإرهاب.
كل سنة تمضي يقتص السلاح من العيد في العراق فالمباهج المفعمة بالحياة والحب وطعم حلويات الفرح المتكدس بطعم العيد ينقص عاماً بعد عام، فأين لنا بالعيد الذي بدأ يشيخ في الأعين والمذاق والكلام؟.. هكذا سألت صبا خالد ونحن نسألها عن العيد الآتي وهي تتجول في الأسواق بحثاً عما يناسبها من ملابس ترتديها في سوق فقد لمعته وبريقه ولغة الموضة في عيد الفطر السعيد، إلاّ أنها شحذت المختبئ في نفسها وقالت مستدركة: «لا بد أن نمد أنفسنا ببعض التفاؤل والأمل وإلاّ قضي علينا، حتى وإن كانا سينتهيان بانتهاء أيام العيد»، ثم زادت بأسى: «نحن نفترض أنه عيد سعيد لا يسعنا أن نقول غير ذلك»، في السوق نفسه كانت هناك مجموعات عائلية تتبضع للعيد بذائقة مشوهة وإيمان ناقص بأن يكون هناك مكان للفرحة وسط ركام الحطام النفسي والمادي الذي يحيك خيوطه على الحياة العراقية. لكن السوق يعج بالمتبضعين مثل أي مناسبة يمر بها العراقيون وما زالت التهاني بين المشترين والبائعين متبادلة وإن كانت أقل حماساً وأخفض صوتاً.
حتى السعر الواحد انقسم قسمين، فهناك سعر لاهب وحيناً بارد لمن يستطيع شراء حاجيات العيد من ملابس وألعاب وحلويات ومقتنيات، فهناك من أجّل الشراء لبعض احتياجاته لعل وعسى أن يستطيع مستقبلاً، لكن الجميع اتفقوا على أن لا مجال لشراء غير الضروري لتحقيق الحد الأدنى من مظاهر الفرحة.
العيد لا يعرف البطولة
أطفاله يتقافزون من حوله فرحاً، هكذا كان حال حسن المشهداني العسكري السابق الذي وجد نفسه عاطلاً عن العمل بعد أن حُلّ الجيش العراقي السابق، قال لنا وسط صراخ أطفاله الذي يحثه على الشراء: «كنا دائماً نقول إن العيد هو للأطفال، أنا أضغط على نفسي كي أستطيع شراء ما يرغبون به فلا ذنب لهم فيما يحدث حولنا من عنف».
في الصباح كان هناك سعادة مكسورة الخاطر تتصاعد بين أنفاس الشوارع العراقية التي أيقظتها شمس العيد الخجولة، لكن حديقة وحيدة لم توصد أبوابها أو تهترئ بفعل الصدود والحرب، في أحد أحياء بغداد ما زالت أراجيحها تقاوم الصدأ بمساعدة أطفالٍ تعرفوا على مصطلحات الحرب مبكراً لكن معاني العيد في أنفسهم لها مساحة أكبر، أطفالٌ يتراكضون بفرح ويتراجحون بسعادة وسط حراسة أعين آبائهم وابتساماتهم المغتصبة قسراً من الحزن خوفاً عليهم من عبوة ناسفة مجانية أو تفجير لم يعرف الفرح منذ أن وجد في الحياة.