المقالات

العدد 1881 - 12/11/2005



يحدث غالباً في الزواج السعودي

عندما تتزوج فتاة جامعية من جزّار أو سمكري أو صنايعي بمؤهل دراسي متواضع للغاية وعقلية رجعية معقدة، أو عندما يحدث العكس فيتزوج خريج جامعة من فتاة لم تتلق تعليماً عالياً بتفكير ضحل، ورداءة في الذوق، يصبح الشأن حينها حدثاً كبيراً يصلح أن يكون موضوعاً لفيلم أو مسلسل يثير تعاطف المشاهدين، يحمل في رسالته الأخيرة موعظة بأن لا الفيلا ولا المجوهرات ولا السيارة قادرة على تبديد ملايين المسافات الشاسعة التي تفصل بين عقليتين هما على النقيض تماماً من التفكير والإحساس والأسلوب. يحدث هذا في المجتمعات الأخرى، وتحت مبرر إلحاح الحاجة المادية. أما في المجتمع السعودي فهو يحدث في الغالب في كثير من الزواج، لكن ليس للسبب المادي نفسه.
ليس غريباً هنا أن تعثر على فتاة جامعية، أو ذات تعليم عالٍ، أو تخصص دقيق، أو كاتبة مثقفة أو أستاذة جامعية ترتبط برجل بمستوى تعليمي متدن للغاية، وتفكير همجي، وضحالة في الأسلوب، وقناعات مريضة، وعقد نفسية متأصلة. فإذا ما تعرضت للوم: لماذا اخترتِ الزواج من هذا الرجل، إنه على النقيض تماماً مما كنت تريدين؟ أجابت: من قال إنني بالأساس اخترت؟!! لقد كان الوحيد الذي مر بباب بيت أهلي. الجائع يرضى بالطعام الرديء، لأنه لا يضمن حصوله على الأجود.
ليس غريباً أن تعثر على شاب بمؤهل عالٍ، تفكير منفتح، حاصل على الدكتوراه، أو مثقف، أو مفكر، يرتبط بفتاة كأنما جاءت لتمثل النقيض تماماً مما كان يريد؛ لا تعليم، لا ذوق، لا أنوثة، ولا طريقة متمدنة في التعاطي مع الآخرين. فإذا ما تعرض للوم: لماذا اخترت هذه الفتاة دوناً عن الأخريات؟ أجاب: من قال إنني بالأساس اخترت؟! كانت أمي من اختار.
إن أسوأ ما يتعرض إليه المرء هو استلاب حقه في اختيار الحياة التي يريد «الاختيار» الذي يقول عنه كير كجورد بأنه من خلاله وحده فقط تبلغ النفس ذاتها الحقيقية، فالحياة بمجملها قائمة على مسألة: (إما أو..). والإنسان، كما يقول سارتر، لم يوجد أولاً ليكون بعد ذلك حراً، تلك الحرية التي أشد ما تتجلى في حق الاختيار، إنما جيء به إلى الوجود مصحوباً بحريته. ألم يلمس عمر بن الخطاب من قبل تلك الفكرة الجوهرية في ارتباط الوجود بالحرية: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»؟! إذا كان الشأن كذلك فـإنه لا أمرّ على النفس من أن تكون على وعي تام باستلاب حريتها في الاختيار، لكنها تقف عند حدود هذا الوعي.
وإذا كان في مقدور الرجل أن يستعيض عن إحباطاته السابقة بالزواج من أخرى يتشدد هذه المرة في انتقائها على النحو الذي يروق له، أو يتعاطى كبسولات عاطفية مؤقتة بتنفيذه علاقات غرامية تبلل ما أصاب أيامه من جفاف، أو ينصرف عن ذلك كله بالتماس السلوى مع شلل المحبطين الهاربين مثله، حيث السهر، والسفر، والانبساط، فإن المرأة التي تورطت بهذا الارتباط عليها أن تظل طوال عمرها تدفع فاتورة قبولها الزواج بهذا الرجل، خلال عيشة نكدية لا تطاق، وعذابات نفسية لا تكف، وغربة تتمنى بسببها الموت على الاستمرار في جحيم فرض عليها.. تتآكل صحتها مع الزمن بسبب صدامها العنيف، ومناطحتها المنهكة مع عقلية زوج رجعية مريضة معقدة، وهي تعلم جيداً أنها لن تصل معه ذات يوم إلى وفاق، لأنه لا أصعب على السايس من ترويض الحمير.