المقالات

العدد 1881 - 12/11/2005



الســـيــادة والكـــرامـــة

الخبراء بالشؤون الدولية يعرفون حق المعرفة بأنه ثمة قانون دولي موجود موثق باتفاقيات وتشريعات دولية، قانون له مؤسسات وهيئات قضائية تشرف على سنِّه أو تعديله أو ربما تطبيقه. و لكنهم يعرفون أيضاً، بكثير من الوضوح، بأنه لا وجود فعلي لأي من الكيانات اللفظية التي تتكرر ذكرها في وسائل الإعلام مثل «المجتمع الدولي» أو «الأسرة الدولية» أو الأقارب الدوليين، أو حتى الأصدقاء الدوليين الدائمين.
الفرق بين ما يسمى بالقانون الدولي والقانون المحلي أو السيادي هو أن الأخير له آليات وإجراءات واضحة للتطبيق وقوة يناط بها فرضه، بينما لا يوجد شيء مشابه لذلك في القانون الدولي. ويمكن النظر لتطبيق القانون الدولي كباروميتر لقياس الضغوط الدولية وفقاً لموازين القوى السائدة. ولذلك دخلت إسرائيل، وتايوان هيئة الأمم المتحدة قبل الصين الشعبية التي بها ربع سكان الأرض.
أما المؤسسات الدولية، هيئة الأمم بجمعيتها العمومية أو مجلس أمنها، فهي وريث «عصبة الأمم السابقة» التي شكلتها القوى الاستعمارية بعد الحروب العالمية لمنع حروب عالمية أخرى حول المستعمرات أو مناطق الانتداب والنفوذ. ولذلك أنيط حل النزاعات، ومنع الحروب بمجلس الأمن وليس بالجمعية العمومية، ومنحت خمس دول كبرى هي، باستثناء الصين، الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، حق النقض أو الفيتو على قرارات مجلس الأمن، بينما بقيت الجمعية العمومية كمجلسٍ «عرضحالجيٍ» لدول ما يمكن تسميته بالمجتمع الدولي.
وحجر الزاوية في القانون الدولي هو السيادة الوطنية التي تعني السلطة الكاملة لعضو من أعضاء المنظمة الدولية على أراضيه وعلى التشريعات التي يراها مناسبة للتطبيق في هذه الأراضي. هذه السيادة غير قابلة للتدخل أو الانتقاص، وهي واجبة الاحترام بصرف النظر عمن يجسد هذه السيادة. والحفاظ على السيادة الوطنية لشعب ما على أراضيه تعادل حفاظ الفرد على شرفه من الاعتداء لو نظرنا للدولة كفرد. ولجميع الدول رموزاً لسيادتها مثل العلم الوطني و شخصية قائدها، ولقائد الدولة هنا شخصيتان مختلفتان: شخصية اعتبارية سيادية يستمدها من كونه قائد الدولة، وشخصية مدنية مستمدة من ولادته ومعاشه وكونه مواطناً من مواطني هذه الدولة.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة بعض الأحداث التي حدثت وتحدث بوتيرة متسارعة في منطقتنا ومنها ما يدور في العراق وسوريا هذه الأيام. فغزو العراق واحتلاله كان بمختلف المعايير الدولية غير شرعي؛ لأنه شطب السيادة الدولية لعضو في هيئة الأمم المتحدة، ولهذا سارعت أمريكا وبريطانيا بطلب مجلس الأمن باعتبارهما قوتي احتلال في العراق، ومعروف يعد أكبر مخالفة لمبادئ القانون الدولي و لأهم القواعد التي أسست عليها هيئة الأمم، وهو مبد السيادة الوطنية، والمهمة الرئيسة لمجلس الأمن هي الحفاظ عليها وليس العكس. وما دام الشيء بالشيء يذكر، فمن هذا المنطلق يمكن فهم الضغط الأمريكي والإسرائيلي على الفلسطينيين بالقبول بتحويل وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة من «أراضي محتلة» إلى «أراضي متنازع عليها».
كما يمكن فهم مدى مشروعية الدستور العراقي الذي تم التصويت عليه مؤخراً، لأنه لا يمكن سن دستور في أرض محتلة لا سيادة لها، و في فقه القانون الدولي المتعارف عليه تسبق السيادة الدستور؛ لأن الدستور ليس إلا تأكيداً وانعكاساً لها. وهذا يفسر حرص الأمريكيين على عقد انتخابات سريعة في العراق، لأنهم أرادوا إيهام الجميع على أن حكومة عراقية منتخبة هي تجسيد لسيادة عراقية مفترضة. غير أن الوضع الصحيح هو السيادة أولاً (أي غياب الاحتلال)، ثم الدستور، وعادة ما يعمل بالدستور السابق مرحلياً حتى إقرار الدستور الجديد، ثم الانتخابات الحرة، أي أن السلطات المحتلة في العراق عكست التسلسل المنطقي لمبادئ القانون الدولي.
أما فيما يتعلق بالوضع في سوريا ولبنان فإن الإشكال الأساسي في رأيي هو أن هناك من ربط بين عملية سحب سوريا لقواتها من لبنان احتراماً لسيادته بموجب القرار 1559، وبين التحقيقات الجارية في اغتيال الرئيس الحريري رحمه الله، أي تنفيذ القرارين رقم 1595بتشكيل لجنة ميليس 1636الذي ينظم عملها. وفي الحقيقة فإن الأنظمة السورية المتعاقبة كانت تنظر للسيادة الوطنية اللبنانية على أنها جزء من السيادة السورية لأن فرنسا، حسب إدعاء البعض، هي من فصلت لبنان عن سوريا، وهناك من اللبنانيين أنفسهم كأعضاء الحزب القومي الاشتراكي اللبناني، وأعضاء حزب البعث اللبناني، وحزب الله من يؤيد توحيد السيادتين: اللبنانية والسورية، بينما تعارض الأحزاب الأخرى وخاصة القوى المسيحية المختلفة ذلك.
ولذلك بقيت علاقات سوريا ولبنان مكاناً للجذب والشد بناء على المتغيرات الطارئة في المنطقة، فقد قبل اللبنانيون بالتدخل السوري لفرض الأمن في لبنان بالتدخل العسكري على حساب سيادته.. اعترف اتفاق الطائف «بوضع خاص» لعلاقة سوريا بلبنان، والآن ومع تغير الظروف طلب من سوريا الخروج منه تحت تهديد القوة لأن سوريا، «الدولة المارقة» في عالم ما بعد 11 سبتمبر الأمريكي، أصبحت تشكل عبئاً على لبنان. وهنا سارعت أمريكا وفرنسا بموجب 1559بالتأكيد والتشديد على احترام سوريا لسيادة لبنان وتم الانسحاب السوري فعلاً.
غير أن هناك من لم يقبل خروجاً سلمياً لسوريا من لبنان سواء من النظام الداخلي لسوريا، أو أطراف خارجية أخرى، لم تعجبها الخطوة السورية الذكية بالاستجابة للقرار 1595فكان اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري. عندئذٍ أصرت أمريكا وفرنسا على أن ينظر مجلس الأمن لاغتيال الحريري على أنه استمرار في الاختراق السوري لسيادة لبنان، أي أنه يشكل تدخلاً سورياً خارجياً في لبنان يجب أن تعاقب عليه دولياً. بينما تنظر سوريا ومعها بعض الأطراف المتعاطفة معها على أن جريمة الاغتيال حادثة جنائية لم يثبت حتى الآن بشكل كامل تورط سوريا، كنظام سيادي، وليس كأفراد، فيها. بينما تصر أمريكا وفرنسا وأطراف لبنانية على العكس.
عموماً لمجلس الأمن أن يشكل اللجنة التي يراها، فهذا حق شرعي له، ولكن ليس حق أن ينتهك السيادة الوطنية لدولة مستقلة بلجنة تحقيق غير مسبوقة في تاريخه. فكيف يحق لمجلس الأمن أن يطلب من مدعٍ عام سابق، لم تصل رتبته الوظيفية إلى رتبة وزير، أن يحقق مع رمز السيادة لدولة ما، الذي هو رئيسها؟ كما كيف يمكن أن يطلب من دولة أن تسلم مواطنيها لجهة أجنبية للتحقيق معهم؟ وهو ما لا يقل انتهاكاً للسيادة عن سابقه. فكيف سيكون رد أمريكا لو طلب مجلس الأمن تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث 11/9 التي قلبت العالم رأساً على عقب واحتلت بموجبه دولتين عضوين في الأمم المتحدة؟ و كانت فرنسا قد رفضت طلب نيوزيلاندا في تحقيق مشترك في قضية إغراق أفراد من المخابرات الفرنسية «لسفينة القرين بيس» على أراضيها. ومنعت أمريكا مجلس الأمن حتى من النظر في مذابح قانا، وعرقلت بالفيتو إدانة لإسرائيل على مذبحة جنين.
في تصوري فإن الحكومات العربية محقة في الموافقة، أو حتى دعم القرارات التي تحفظ وتحافظ على السيادة الوطنية لأي من الدول العربية، مثل استنكار احتلال العراق للكويت، واستنكار احتلال أمريكا للعراق، ودعم انسحاب سوريا الكامل من لبنان، لأن في ذلك تأكيداً على ضرورة احترام سيادة الدول العربية الوطنية. لكنهم يخطئون بشكل فادح في الموافقة على القرارات التي تنتهك أو تنتقص من هذه السيادة؛ لأنه قد ينظر له على أنه نوع من التساهل بها، ومن قبيل ذلك إصرار المفتشين الدوليين على تفتيش غرف نوم الرئيس العراقي الأسبق، وإصرار أمريكا وبريطانيا على تسليم ليبيا لمواطنين ليبيين لدول خارجية لمحاكمتهما، وإصرارهم اليوم على تسليم سوريا لمواطنيها للاستجواب خارج الأراضي السورية، أو تحقيق ميليس مع الرئيس السوري. فمن شأن ذلك أن يكرس الصورة الدولية للدول العربية كدول لا سيادة وطنية، ولا كرامة لها، خاصة إذا ما علمنا أن جميع قرارات مجلس الأمن التي اتخذت تحت الباب السابع من نظامه؛ والذي تخول استخدام العقوبات أو القوة، هي حتى اليوم قرارات اتخذت بشكل شبه حصري ضد دول عربية. والتفريط في الكرامة أسهل بكثير من استردادها، والسيادة الوطنية هي حـــــجر الزاوية في كرامة الأمة.