يقولون: إن المرأة لا تفلح إلا في الولادة والطبخ!!.. ولقد قالوا كلمة الجهل والبلادة والعنصرية. فالوقائع الموضوعية تبطل هذه المزاعم وتلغيها.
لقد رفعت الدكتورة ريم الطويرقي شأن دينها ووطنها وبنات نوعها من السعوديات وغيرهن وهي (تتفوق) في علم الفيزياء وتنبغ نبوغاً تُوِّج بتكريمها في حفل بباريس في سياق (السنة الدولية للفيزياء)، حيث ظفرت بثناء علمي معرفي دولي على جهودها التخصصية، وإسهاماتها في نشر (الثقافة العلمية) في هذا الحقل.
وإذ نزجي التقدير الجم لأختنا المتألقة بأضواء العلم والمعرفة، فإن مفاهيم ثرة وعميقة تنثال بهذه المناسبة المعرفية الاجتماعية التقدمية:
1 - مفهوم (التحرر) من سجن (الخيارات الضيقة الحصرية). فهناك من الناس من يصر على (إحراج) الناس وحصرهم وحشرهم في (إماتين) اثنتين لا ثالث ولا رابع لهما البتة. أي لا توجد - قط - خيارات أو منافذ أخرى غير: إما.. وإما: إما الخبز، وإما الحرية.. إما الرأسمالية المتوحشة، وإما الاشتراكية الطوبادية. إما الدين، وإما الدنيا.. إما التقدم المقترن بالإباحية.. وإما التخلف المقترن بالقيم والأخلاق!!.
ويمثل التحرر من هذه المحابس والمضايق في (نموذج) ريم الطويرقي، فهي متخصصة في علم (العلوم) - إن صح التعبير - فعلى علم الفيزياء تنبني علوم أخرى كثيرة.. يضم إلى ذلك أن تخصصها لم يكن (جامداً) ولا هامداً، بل كان مبدعاً مضيفاً، ولا سيما في مجال الإنتاج والتعريف والتثقيف الفيزيائي بلسان العرب.. نعم هي فعلت ذلك، ومع ذلك ظلت محتفظة بقيمها، محافظة على حشمتها: ملغية بهذا خيارات (الإماتين) الوحيدتين: إما التقدم المقترن بالإباحية.. وإما التخلف المقترن بالقيم«!!». فقد أثبتت - بعلمها وسلوكها - خياراً ثالثاً واسعاً واقعياً واعداً: خيار (التقدم المصحوب بالالتزام بقيم الإسلام وآدابه).
2 - يتكامل مفهوم التحرر من محبس (الإماتين) مع مفهوم آخر صنو وهو: مفهوم تصحيح المعايير المختلطة المضطربة. فمن الناس من يختل معيار التقدم في عقله ويده فيخلط بين السلوك الخاطئ وبين المعرفة العلمية الصائبة.. على سبيل المثال: هذا طالب يدرس الهندسة على يد أستاذ عَلَم جهبذ في هذا الفن، ولما كان الأستاذ الكبير متفوقاً نابغة في علمه، فإن الطالب أعجب به أيما إعجاب.. وفي أمسية ما ذهب الطالب إلى مطعم ليتعشى، فوقعت عينه على أستاذه وهو يشرب الخمر فراح يربط بين تفوق الأستاذ وبين الخمر: ربطاً تجرد من العقل والمنطق والسببية الواقعية الصحيحة. ذلك أن لا علاقة - قط - بين كيمياء الخمر وبين أصول الهندسة المعمارية من بناء وفراغات وجمال وصحة بيئة... إلخ.. ثم إن الواقع ينطق بأن هناك ألوف المهندسين المعماريين المهرة: لا يشربون الخمر.
وتمام هذه النقطة هي: يستحيل إقامة الدليل على أن هناك علاقة: علمية أو تطبيقية بين المثلث الهندسي أو علاج القرنية أو التجربة الفيزيائية وبين العري والابتذال.. فهناك ألوف من النساء العالمات المثقفات المبدعات المتفوقات محتشمات. فالاحتشام ليس ناقضاً للعلم، ولا موصداً لأبواب المعرفة.. ونموذج ريم الطويرقي برهان حاسم على هذه الحقيقة العلمية الاجتماعية.
3 - مفهوم: أن ليس كل المحتشمات (جاهلات)، وليس كل السافرات (عالمات مثقفات).
وهذا مفهوم يقود إلى قضية خليقة بالاعتبار والطرح وهي: أن تغطية شعر المرأة لا يكفي وحده. فالمهم هو (ما تحت الشعر) فما قيمة رأس مستورة: عارية من العلم والمعرفة والمعايير السليمة في الرفض والقبول، رأس لا تحسن التفكير في دين ودنيا وتربية ونهضة، رأس لا تستقل باعتقاد ولا نية ولا رأي، ولا عمل صالح - كما أرادها الإسلام - بل هي مطلق تابع للزوج أو الأب أو الأخ؟
ويخطئ من يتعجل فيظن أن هذا الكلام يتضمن ذرة واحدة من التوهين من شأن الاحتشام الذي هدى إليه الإسلام، إذ المقصود: أنه يجب أن يكون للاحتشام (مضمون) معرفي وثقافي وقيمي وأخلاقي وعقلاني ومعياري، وإلا أصبح الاحتشام (شكلاً) تقليدياً بلا مضمون ينهار عند أول صدمة حضارية.. ثم إن الاحتشام قربى إلى الله. ولا يتقرب إلى الله إلا بالعلم والمعرفة المفضيان إلى السلوك الحق: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}.
































