المقالات

العدد 1881 - 12/11/2005
بقلم: محمد جبر الحربي



سجون الحرية!!

أتعجب كلما رأيت حملة من حملات أمريكا الباذخة لتحسين صورتها التي لم تعد ترضي مواطنيها المنكوبين بالعواصف السياسية والطبيعية، قبل أن ترضي العالم المنكوب بسياساتها الرعناء.
تطلب أمريكا من العالم، والعالم العربي بشكل خاص تطبيق أمور لم تنجح هي في تطبيقها، فهي بضاعة استهلاكية لفرض إرادتها على الخارج.
فهي تطلب الإصلاح ونظامها السياسي قائم على الخراب والتخريب، وتطلب الشفافية والصدق والحرية الإعلامية، وإعلامها قائم على التعتيم والكذب ودس التقارير المزيفة.
وفي أمريكا يجوز لك حسب أحوال هذه الإدارة استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مصالحك، ومن ذلك التلفيق والكذب حتى يقبض عليك وعندها بالإمكان التضحية بك سواء انتحرت أم استقلت فالمهم أن تستمر الأسطوانة بالدوران.
وقد كانت الأشهر الأخيرة قاسية على الإدارة الأمريكية بتراكم الفضائح وتتاليها بشكل لا يسعفها ولا يتيح لها المجال للترقيع.
فالدولة التي تهدم دولاً أخرى رغبة في نشر قيمة المساواة فيها كما تزعم يفضحها إعصار، ويكشف عورة التمييز العنصري الموجودة فيها بدرجة تتجاوز حدود دول العالم الثالث الدنيا حسب تعبير البريطانيين حلفائها في تغيير العالم نحو الديموقراطية والشفافية والحرية والصدق!!
والدولة التي تحتل دولاً أخرى، يكتشف أنها لفقت الأدلة التي كانت سبب الاحتلال بدءاً من عربات باول الذي يتأسف على كذبه في الأمم المتحدة بعد أن أصبح خارج الحكم، إلى كذب لويس ليبي اليهودي الأمريكي الصهيوني من المحافظين الجدد وهو تحت القسم، فكذب عميلة السي آي أي التي افتضح أمرها، إلى كذب تشيني، إلى كذب رامسفيلد، إلى كذب رايس، إلى كذب بوش...
تخيل أن يكون لديك إدارة كاملة من الكاذبين.
وأن تكون هذه الإدارة هي التي تحاول أن تعلم العالم الصدق بالتهديد؟!
أما بالنسبة لاتهام أمريكا للإعلام العربي بأنه إعلام دعائي وموجه ويجب قص أجنحته، فإن إعلامها هو مبتكر هذا النمط من الإعلام وأكبر دليل تغطيتها للحرب الأخيرة المستمرة، حيث إن الإعلاميين والشبكات الإعلامية ليست مصادر مستقلة وإنما مصادر متنقلة مع القوات الأمريكية في نفس المركبات ونفس الفنادق ونفس الخنادق.
أي إنه إعلام مسيس، بل إن قناة فوكس كانت تعمل لصالح بوش عياناً بياناً.
ماذا تبقى إذاً من أسلحة أمريكا ضد من لا يعجبها لتأليب العالم عليه؟!
بقيت الحرية بمعناها الواسع.
فأين هو نموذج الحرية الذي تنشــده أمريكا؟! تـرى هل يكون في العراق المسيج، الذي يعتبر أكبر سجـــن في العـالم، أم في المنطقـة الخضــراء، أم في أفغانســتان المنسية!! أم في الضفة وغزة اللتين أصبحتا سجناً بالفعل، ناهيك عن عشرات الآلاف من المعتقلين؟!
أم يكون النموذج في السجون التي لم تعلن عنها وافتضح أمرها في أوروبا الشرقية؟!
لقد أصبح كل ما تقوله واشنطن عبر قادتها في نظر العالم مستهجناً، مرفوضاً، يبعث على الريبة والشك، بسب سنة الكذب التي اختطتها وتعتمد عليها لتمرير مشاريعها التي لا تصب إلا في مصلحتها، ولكن حبل الكذب في النهاية قصير، وهاهي أمريكا لا تخرج من فضيحة مدوية إلا لتدخل في أخرى.. وذلك ما لا يريده العقلاء لدول المنطقة التي تريد أمريكا أن يتتلمذوا على يديها، وأن يتخذوا من العراق وإسرائيل مثلاً يحتذى بهما، ونموذجاً للديموقراطية المنشودة!!
يقول خبير غربي: لو التفتت أمريكا للخراب الذي تعيشه لأمكن إصلاح العالم!!
أظن أنه أصدق ما سمعته من أمريكا عنها، على الأقل منذ مجيء بوش ومجموعته العجيبة.