
سيد زايد - القاهرة
هذا الكتاب «الفلسفة والأدب عند نجيب محفوظ» الذي ألفته الدكتورة وفاء إبراهيم، هو - بمثابة - محاولة لرؤية الأدب بعين الفلسفة، أو على حد قول - المؤلفة - إن الذي أغراها على هذه القراءة الفلسفية، هو عمق هذا الأدب في حد ذاته، والرغبة في استجلاء دور الدراسة الفلسفية التي تلقاها نجيب محفوظ بالجامعة في أدبه الروائي.
تشير - المؤلفة - إلى أن نجيب محفوظ كان قد تخرج في قسم الدراسات الفلسفية بكلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1934م، وتقلب في بعض الوظائف الحكومية ذات الطابع الاجتماعي، كان أهمها - بالنسبة لاهتماماته الأدبية - عمله بمصلحة الرهنيات بوزارة الأوقاف، إذْ هيأ له هذا العمل مادة غزيرة من المشكلات والخبرات الاجتماعية والأنماط الشخصية، ومزيداً من الاقتراب من البنية الاجتماعية المصرية في أدق بيآتها الشعبية، فتأتى له من ذلك خبرة عميقة بالشخصية الاجتماعية المصرية كانت عوناً له على التحليل الاجتماعي وبناء الشخصيات في أعماله الأدبية.
كما تضيف - المؤلفة - بأن نجيب محفوظ الذي هو من مواليد القاهرة 1911م، هذا يعني أنه عاصر مراحل التطور الهامة في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، فقد عاصر ثورة 1919م بزعامة سعد زغلول والحركة الوفدية، ودستور 1923م، ومعاهدة 1936م، وموقف مصر في أثناء الحرب العظمى الثانية وأحداث 1943- 1944م، ثم حريق القاهرة في يناير 1952، وثورة يوليو منذ يومها الأول وما جاء في ركابها من انتصارات وانكسارات ومن أتت بهم من زعامات وما أفرزته من نظريات وخاضته من تجارب، فكان له من ذلك خلفية عريضة عميقة، انعكس وجودها في أعماله التاريخية والسياسية.
لكن كل هذا، كان يحفز إلى السؤال عن أثر الدراسة الجامعية في أدبه.. أين الفلسفة في البناء الروائي عند نجيب محفوظ؟ خاصة أن الفلسفة ليست من قبيل الدراسات التي يمكن للمرء أن يتجاهلها في أنشطته الفكرية الأخرى ورؤيته للحياة.
واستطاعت - المؤلفة - أن تعرض نموذجين للتواجد الفلسفي في أدب نجيب محفوظ، تناولت في النموذج الأول فكرة التاريخ في أدب نجيب محفوظ، وهو بيان للنظريات الفلسفية التي تبناها نجيب محفوظ في أعماله التاريخية ابتداء من «عبث الأقدار» إلى «يوم قتل الزعيم»، وفي النموذج الثاني تناولت - المؤلفة - عملاً روائياً واحداً هو «ليالي ألف ليلة» باعتباره عمـلاً يعكس على نحو جيد واحدة من أهم نظريات الفلسـفة الحديثة في الوجود والمعرفة على نحو يكاد يقطع بوجود هـذه النظريـة في صميم بناء العمل كله، خاصة وأن «ليالي ألف ليلة» رواية من النوع الذي يسميه علماء الأدب والنقد باسم «التناص»، أي: تركيب «نص» على «نص آخر» مع المغايرة في الدلالة المستهدفة.
فنجيب محفوظ ينسج روايته على نسيج «ألف ليلة وليلة» المعروفة في الآداب الشعبية، ويعتمد على شخوصها المعروفين للكافة، لكنه يوظف النص الشعبي القديم توظيفاً فكرياً جديداً من خلال أشهر نظريات الفلسفة في العصر الحديث.. نظرية الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في نقد العقل والمعرفة والوجود.