سعودة وتوطين الوظائف هدف وفن استراتيجي يفرض نفسه بقوة على أجندة تخطيطنا الآني والمستقبلي في ظل النموالسكاني المضطرد في المملكة، وتزايد أعداد الباحثين عن العمل من الشباب والشابات السعوديات، وتضاعف أعداد الخريجين من مؤسساتنا التعليمية والتدريبية، وعلى الرغم من القناعة الراسخة بالأولوية التي تحتلها السعودة إلا أن هناك عقبات كثيرة مازالت على الطريق: وهنا يقدم لنا المشاركون الأفاضل تقييماً للشوط الذي قطعته برامج السعودة حتى الآن، وما أهم العوائق التي برزت على ضوء الجهود المبذولة على هذا الصعيد؟ والأسباب الحقيقية التي تجعل شركات ومؤسسات القطاع الخاص تبدو مترددة في التجاوب مع خطط سعودة وظائفها؟ وما الكيفية التي يمكننا أن نوجد بها أرضية مشتركة بين هذا القطاع ووزارة العمل فيما يتعلق بتقنين عملية استقدام العمالة الأجنبية ومنح العمالة الوطنية أولوية في وظائف القطاع الخاص؟ وهل مشكلة السعودة حاجز نفسي بين صاحب العمل والعمالة الوطنية أو قصور في مناهج وأساليب التعليم والتدريب؟

































يفتتح د.عبدالواحد بن خالد الحميد قضيتنا لهذا الأسبوع مبدياً رأيه حول الشوط الذي قطعته برامج السعودة حتى الآن هكذا: أصدرت وزارة العمل الكثير من القرارات، كما اتخذت العديد من السياسات في مجال السعودة؛ ونظمت أخيراً حملة توظيف وطنية تم من خلالها حصر وتسجيل الباحثين عن العمل، وانطلقت من ذلك إلى توظيف أكثر من ستين ألف من هؤلاء الباحثين عن العمل. ويمكن القول إنه رغم ما تحقق فإن نسبة السعودة مازالت دون الطموحات، ففي المؤسسات الكبيرة وصلت إلى حوالي 16 والصغيرة حوالي 3 مما يتطلب مزيداً من الجهود والتضافر والمشاركة من الجهات المعنية التنفيذية والتخطيطية والتعليمية والتدريبية، يأتي في مقدمتها القطاع الخاص مع الأخذ في الاعتبار أهمية تأهيل العمالة الوطنية لمتطلبات سوق العمل.
بين الكم والنوع
ولا يشك د. سعد عطية الغامدي بأن : سعودة وتوطين الوظائف هي استراتيجية تشترك فيها جميع الوزارات المعنية ولا تنصب على عاتق وزارة العمل وحدها. ويقول د. الغامدي: لقد قطعنا والحمد لله شوطاً ملحوظاً لا بأس به في تحقيق نسب قد تكون معقولة بالرغم من كل التحديات وذلك على المستوى (الكمي) أما من حيث مستوى النوعية والجودة فأمامنا الكثير لتدريبهم والقيام بالدور الذي كان يجب أن تقوم به الوزارات المعنية. والوزارة المختصة لم تعر هذا الأمر اهتمامها، ويبدو أنهم يعتبرون أن العطالة والبطالة وإعداد الأجيال للعمل هي مسؤولية وزارة العمل فقط. بينما واقع الأمر هو العكس.. سبحان الله.. كيف قدموا القروض ورخصوا للمصانع والمنشآت ولم يخططوا لاحتياجات هذه المنشآت من كوادر ومهارات وخبرات!! القطاع الخاص يحاول أن يتعايش مع سعودة لا يقتنع بها.
جيد.. ولكن!!
برامج السعودة قامت بدور جيد في رفع نسبة توطين عدد من الوظائف، كما يقول د. خالد العنقري ولكن تبقى حقيقة قائمة أن نجاح هذه البرامج يعتمد بشكل كبير على دور القطاع الخاص في تبني فكرة السعودة وتطبيقها من خلال توطين الوظائف بالأيدي الوطنية المؤهلة، والتي أثبتت وجودها في كثير من ميادين العمل والإنتاج. والجميع يتطلع إلى مزيد من المشاركة الفعالة من قبل القطاع الخاص في استقطاب الأيدي السعودية في سد احتياجاتهم المهنية والوظيفية لتحل محل العمالة الوافدة.
ويؤكّد د. علي مشهور السفلان بأن السعودة بدأت تأخذ مأخذاً جيداً لا بأس به لكنه ليس بالطموحات التي نتمناها. ويضيف د. السفلان: فما زال هناك قصور في الوعي حول مفهوم السعودة. وعلى ذات المحور يقول خالد إبراهيم الفقيه: السعودة جيدة في بعض المجالات وفشلت في مجالات أخرى: مثل البنوك والشركات الضخمة التي استطاعت أن تُنجح الفرد، وعموماً الأعمال المكتبية ينجح فيها الفرد السعودي أو أعمال الحراسة وغيرها من الأعمال البسيطة التي لا تتطلب مهارة، ولكن في الأعمال الحرفية مثل أعمال العقار التي تتطلب مهارات محددة لا ينجح فيها السعودي أبداً. وأرى أن مشروع السعودة مشروع ليس ذا قيمة، بل إن فتح السوق مثلما هو موجود في الخارج هو الذي يدعم اقتصاد الوطن ويكسب المواطن مهارات متعددة، والإصرار على سعودة كل المهن والحرف خلق لنا كارثة البطالة المقنعة. وعلى ذات الإطار يرى الأستاذ سمير بن عبدالرحمن المقرن بأن هناك العديد من الجهود الكبيرة التي تبذل من القطاع العام والخاص ممثلة بالعديد من المنظمات ومدعومة بشكل كبير وخصوصاً الحكومية منها لتحقيق أهداف برامج السعودة، وللأسف كما يقول المقرن فإن نتائج هذه الجهود لا تتناسب مع حجم الدعم الذي تتلقاه ولا الموارد التي تستهلكها هذه المنظمات.
ما أضيق العيش
هناك مؤشرات تبعث على الأمل في مسألة السعودة كما يقول الأستاذ سعيد الأسمري: وكل الإجراءات والقرارات السامية، والمتابعة المستمرة من المسؤولين هي على أساس مؤشر الأمل الذي نعيشه، وهناك تحوّل إيجابي في سوق العمل السعودي على رغم بعض المعوقات لكن ننظر لها كمتخصصين كمؤشر تفاؤل في حين يراها رجل الشارع محبطة لكنها في الحقيقة مؤشرات إيجابية.
ويختلف رأي الأستاذة نورة مهدي عن كل ما سبق حينما تقول: لا أعتقد أن السعودة قد خطت خطوة كبيرة، إذ ما زال ينظر للسعودي على أنه غير قادر على العطاء، وأيضاً الفرد السعودي (رجل وامرأة) ينقصه الثقة في النفس وهذا العامل من العوامل المهمة التي تؤخر سير برامج السعودة.
معضلة رئيسة وعوائق
وعلى سياق آخر يؤكّد لنا د. سمير أسعد مرشد بأن أهم العوائق التي تواجه السعودة مرتبطة بالقطاع الخاص وتتمثل في بطء تجاوبه مع السعودة، شباب طموح أكثر رغبة في تطوير ذاته فلا بد من التعاون في مجال السعودة، فالسعودة قضية وطنية ولا بد من تعاون جميع الأطراف في تذليل العقبات التي تواجهها.
وعلى ذات الإطار يجمل لنا المهندس عباس رضي الشماسي عوائق السعودة في النقاط التالية:
- تهرب أصحاب الأعمال من الالتزامات الخاصة بخطط توطين الوظائف بتحديد أجور منخفضة ومتدنية لمن يتم توظيفهم من المواطنين، وهو ما يدفعهم إلى الاستقالة لعدم كفاية الأجر لمتطلبات المعيشة.
- عزوف بعض أصحاب العمل عن توظيف العمال السعوديين بدعوى أنهم أقل إنتاجية من العمال الأجانب وأعلى تكلفة في التدريب.
- اتسام بعض الوظائف ولا سيما الفنية بعدم المرونة وعدم توافر البديل السعودي الكفء القادر على القيام بهذه الوظيفة؛ الأمر الذي يدفع أصحاب العمل إلى الاستعانة بالوافدين.
- عزوف السعوديين عن العمل في المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم، لانخفاض معدل الدخل وعدم ملاءمة الوظائف لتطلعاتهم، وصعوبة المواصلات وبُعد مقار العمل عن سكناهم، وطول ساعات العمل، وعدم وجود مميزات وظيفية مثل الشركات الكبرى.
- عدم تناسب مخرجات التخصصات الفنية الناتجة من مؤسسات التعليم الفني مع احتياجات سوق العمل.
شكل جرعات
وقد تكون العوائق التي برزت في مسألة السعودة تشريعية أو تنظيمية كما يقول د. علي مشهور السفلان، وربما يكون فيها المبالغة في وضعها أي لم يؤخذ فيها التدرج، حيث بدأت بأنظمة قاسية وقوية قد لا يقبلها رجل الأعمال أو طالب الوظيفة. ويرى د. السفلان أن تعطى على شكل جرعات لأننا مجتمع استهلاكي نامٍ نحتاج إلى شيء من التدرج في عملية التطوير والتنمية ولا يمكن بأي حال من الأحوال حتى ولو كان وعينا وجامعاتنا ومعاهدنا التي أنشئت من أجل خدمة المجتمع في مجال التدريب كلها جيدة لا يمكن أن نبدأ بأنظمة قاسية وقوية في مرحلة التطبيق، ولكن علينا أن نبدأ بأنظمة فيها شيء من التدريجية.
وفي منطور نورة مهدي فإن أهم عوائق السعودة تكمن في الشخص نفسه، والبيئة المحيطة به: فمثلاً الفرد يخشى نظرة المجتمع له حين يرتاد مهنة بسيطة.. والعمالة السعودية جربت ووجدت أفضل بكثير من الأجنبي على كل المستويات، ولكن الأستاذ خالد الفقيه يعتقد أن السعودي لا يمكن أن يتطور أو يتمكن في القطاعات الحرفية لأنه لا يملك الاستعداد لينطلق ويصبح منتجاً فيها؟ وفي الأعمال المكتبية المحاسبة ينجح دائماً لأنه يكون تحت مراقبة وضغط، وهنا يستطيع أن يعطي وينجح بينما في الأعمال الحرفية مثل السباكة والكهرباء لا يحتاج إلى مراقبة فلم ينجح فيها!
كما أن وزارة العمل تفرض علينا تدريب الشاب قبل توظيفه ثم توظيفه وهذا يهدر الوقت والمال على الشاب ربما ينجح وربما لا ينجح، فيما الوافد أطلبه أنا بمييزات محددة في الغالب تتطابق تماماً، ويقوم بالعمل على أكمل وجه وأفضل دقة ويعطي نتائج رهيبة، وهنا تكمن مشكلة كبيرة. أنا لا يهمني هل هذا الفرد سعودي أو غير سعودي المهم هو: هل هذا الإنسان منتج ويقبل العمل أم مجرد زيادة عدد؟
ثلاثة أطراف
أما د. خالد العنقري فيؤكّد أن هناك ثلاثة أطراف فاعلة ومؤثّرة في موضوع السعودة وهي مخرجات ومؤسسات التدريب والتعليم ووزارة العمل ورجال الأعمال، وبأن هناك تميزاً كبيراً لدى كل طرف، كما أن هناك عوائق من كل طرف ومن هذه العوائق:
- ضعف أخلاقيات العمل لدى البعض من الشباب والحرص على الوظيفة مهما كانت على حساب العمل بالقطاع الخاص، وهذه المشكلة يجب أن يسهم المجتمع في علاجها.
- ضعف النظم المعلوماتية المتكاملة التي تسهم في توجيه الشخص المناسب للوظيفة المناسبة ثم الرقابة على أداء والتزام طرفي العقد بالتزاماتهما ليمكن ردع المستهتر من الطرفين.
- ضعف حماس بعض المنشآت في سعودة الوظائف لديها بسبب تعودها على العمالة الوافدة التي تتقاضى أجوراً متدنية.
- بعض المنشآت ترفع شعار السعودة وفي الوقت نفسه تعرض رواتب متدنية لا تقبلها الأيدي الوطنية، وفي تصوري هذا الأسلوب ينم عن عدم الجدية في السعودة.
- بعض مسؤولي المنشآت لا يدرك حقيقة المستوى التدريبي والتأهيلي الذي حققته مؤسسات وجهات التعليم والتدريب وبالتالي يظل لديهم برود تجاه سعودة الوظائف بسبب الانطباع القاتم عن مستوى التدريب.
إحداث التغير
ويؤكّد د. عبد الواحد الحميد بأن الخلل في سوق العمل بالمملكة أدى إلى عدم قدرة هذا السوق على المواءمة بين جانبي العرض والطلب واختلال العلاقة التقليدية بينهما والسبب الرئيس لذلك هو تجزؤ سوق العمل - ولا سيما جانب العرض منه - إلى سوق للعمالة الوفادة وآخر للعمالة الوطنية واعتماد كثير من المنشآت على العمالة الوافدة التي أصبحت تمثل في حد ذاتها عائقاً أمام توظيف العمالة الوطنية نتيجة توجه كثير من أصحاب العمل نحو الاستفادة من ميزة الأجور المنخفضة لتلك العمالة، وبالتالي تفضيلها على نظيرتها الوطنية بغض النظر عن تطور العرض من العمالة الوطنية. كما أن كثيراً من المنشآت أصبحت تقام على دراسات جدوى تبنى في الأساس على الأجور المنخفضة للعمالة الوافدة ما يجعل استمرارية تلك المنشآت في ممارسة النشاط معتمدة على توظيف تلك العمالة لتحقيق عائد اقتصادي قائم على خفض تكاليف الأجور، وزيادة الإنتاجية، حيث يعتقد البعض أن إنتاجية العامل السعودي منخفضة نسبياً وأجره مرتفع بالنسبة للعامل الوافد.
ومن ثم فإن الفرق بين الأجر والإنتاجية بين العامل السعودي والوافد من العوائق التي تحد من السعودة.
ويستطرد د. الحميد: ومن العوائق التي برزت أيضاً عدم توافر بيئة العمل المناسبة في بعض المنشآت أو عدم تطويرها بشكل يواكب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، ويرتبط ذلك أيضاً بما يتعلق بسلوكيات العمل... ولهذا تتميز اليابان - على سبيل المثال - بنسبة عالية من الإنتاجية بسبب العلاقات الجيدة بين العاملين، وبينهم وبين الإدارة، فالمنشأة يقع عليها العبء الأكبر في خلق علاقات إنسانية جيدة وظروف عمل مريحة، وفي نفس الوقت ينبغي على العاملين أن يتوافر لديهم الولاء للمنشأة. ويضيف د. الحميد: إن أحداث التغير في السلوكيات تجاه العمل ليس أمراً سهلاً أو يتم بقرار ولكن يحتاج إلى وقت وإعداد وتدرج خاصة في مجتمعنا الذي واجه نقلة نوعية كبيرة في مختلف المجالات، وبالرغم من أن هناك تقبلاً للتغيير والتطور إلا أن حجم هذه النقلة الكبيرة يتطلب المزيد من العمل والتهيئة للتعامل بما يتلاءم مع قيم العمل الإيجابية.
في هذا السياق أيضاً فإن صغر حجم منشآت القطاع الخاص يحد من إمكانية تحقيق السعودة خاصة في أنشطة الخدمات الشخصية والمجتمعية، والمحال العامة باعتبار أن المؤسسات الفردية والمحال العامة تشكل غالبية المنشآت الأهلية القائمة وتستوعب وحدها نسبة عالية من العمالة الوافدة، ويتسم معظمها بضآلة رأس المال، وعدم القدرة على دفع أجور عالية، حيث إن عامل التكلفة والربحية يظل محور اهتمام هذه المنشآت. يضاف إلى العوائق طول فترة الدوام بمنشآت القطاع الخاص التي تؤدي إلى عزوف بعض العمالة الوطنية بها، وكذلك المبالغة في شروط التوظيف التي تعلن عنها هذه المنشآت وعدم وجود التأهيل العلمي والتدريب المناسب لمتطلبات سوق العمل باعتبار أن عامل التعليم والتدريب يمثل عنصراً أساسياً متفاعلاً ومتكاملاً مع العوامل الأخرى التي تؤثّر في عملية السعودة.
أسئلة مشروعة
هناك معضلة رئيسة كما يرى الأستاذ سمير المقرن وهي في تعريف واستخدام مصطلح السعودة، فهو ليس ببساطة التخلص من أجنبي وتعيين سعودي مكانه لقصور هذا التعريف وصعوبة تطبيقه لما له من تأثير سلبي على نجاح جزء كبير من طالبي العمل من السعوديين في تحقيق متطلبات العمل في القطاع الخاص؛ فمن المناسب أن يكون التعريف هو إتاحة فرص تأهيل لطالبي العمل من السعوديين للتمكن من تأدية متطلبات العمل في القطاع الخاص، ويسهم في دفع عجلة تطوره مما سيوجد فرص عمل إضافية في المستقبل لتلبية الزيادة المتوقعة لطالبي العمل؛ ولكن هذا التعريف سيكون قاصراً لوحده مالم تشمل جهود السعودة الإجابة بوضوح ودقة عن مجموعة من الأسئلة، وأن تلتزم المنظمات القائمة على هذه الجهود بمعالجة السلبيات، والأسئلة يجملها المقرن في التالي:
هل لدينا آلية تأهيل مناسبة لقوى العمل الوطنية؟
هل المميزات المقدمة للأجنبي كافية وملائمة لقوى العمل الوطنية؟
هل لدينا نظام ضبط ورقابة متمكن ويملك القدرة على تقييم ورقابة سوق العمل السعودي بتنوع أنشطته وباختلاف متطلبات وظـائفه؟
هل هناك جهة مركزية واحدة تدير دفة هذه الجهود وتنسقها وتمنع انحراف أو ضعف أداء أي منها؟
وهل كافة الأنظمة تسهم في دعم توفير فرص عمل لقوى العمل الوطنية؟
في مسألة التجاوب
ونترك أسئلة الأستاذ سمير المقرن لنعود إلى أحد أسئلتنا المحورية وهو البحث عن الأسباب الحقيقية التي تجعل شركات القطاع الخاص تبدو مترددة في التجاوب مع خطط السعودة..
وهنا يقول د.سمير مرشد: القطاع الخاص ببساطة مثله مثل أي جهة أو شخص ينظر إلى مصلحته الذاتية؟ وإذا شعر أن في مصلحته أن يتعاون في تحقيق السعودة فإنه سيقوم بذلك، ولكن في ظل عدم وجود حوافز كافية وظروف مواتية لتفاعل القطاع الخاص الجدي للتغلب على هذه المعوقات فسيظل التقدم في مجال السعودة بطيئاً.
ومن جانبه يقول سعيد الأسمري: ربما لأن البعض تعوّد على نمط واحد من العمالة الأجنبية، والبعض يرى أن العمالة الأجنبية مطيعة في كل شيء، وأن السعودي غير جاد.. والمسألة في النهاية مسألة تعوّد ممكن تجاوزها.
وترى نورة مهدي أن الالتزامات العائلية والواجبات الاجتماعية هي أحد أسباب تردد القطاع الخاص في تشغيل المواطن لأنه ينفذ وقت المصلحة في أموره الخاصة والمسألة تزيد تعقيداً مع الفتيات.
وفي سياق متصل لا يعتقد د. سعد عطية الغامدي أن القطاع الخاص متردد أو غير متجاوب مع خطط السعودة. ويضيف د. الغامدي: ولكن من وجهة نظري فإن هناك قصوراً من القطاع الخاص والوزارة ويكمن ذلك في توحيد البرامج المؤهلة إلى الوظائف.
ومن جانبه يرى د. علي مشهور السفلان أن هناك بعض الأسباب التي فيها شيء من المنطق وأخرى لا منطق لها إطلاقاً؛ فالتخوف في ذهن صاحب العمل من العمالة السعودية وأنه ليس لديها انضباط وصاحبة مزاج، هذا الاعتقاد كان له مبرراته في الماضي بسبب قلة الحاجة إلى العمل ووجود من يدعم هؤلاء العاطلين عن العمل ووجود فرص كثيرة، فتجد الشاب السعودي ينتقل من موقع لآخر أما قلة المهارة أو التدريب فهذا شيء طبيعي؛ فكل صاحب عمل يتمنى أن يحصل على أفضل العناصر البشرية في السوق لأنه يبحث عن الربح وهذه المشكلة خفت كثيراً بعد أن انتشرت مراكز التدريب.
وكل ما سبق أدى إلى ارتفاع وتغيير قناعة كثير من أصحاب العمل تجاه العمالة الوطنية وأصبح هناك نوع من الاطمئنان في استيعابها.
أما خالد الفقيه فيعزو الأسباب الحقيقية لتردد الشركات في الســعودة للفارق الواضح بين عطاء وإمكانات الوافـد وعطــاء وإمكانات الســعودي ويضيف الفقيه: وأيضاً فرضت علينا تجربة السعودة والتدريب دفع ضرائب لتدريب الشـباب في معاهد خاصة، وهـذا لن يحل المشكلة، بل يعقدها أكثر فقـد تسببنا بـدون وعي في إيجاد بطالـة مقنعة، وشباب موظف بلا وظيفة.
التحدي الأكبر
ويبرز التحدي الأكبر للسعودة حسب رأي عباس الشماسي في انفتاح الأسواق نتيجة لدخول المملكة في منطقة التجارة العالمية مما يعني تحرر التجارة من القيود وهذا يؤثّر على أنماط الوظائف وأدوار التدريب مما يحتم تخرج أجيال سعودية تتميز بالمهارات التي يتطلبها سوق العمل.
وزارة العمل والسعودة
وفي الإجابة عن الأرضية المشتركة بين القطاع الخاص ووزارة العمل يقول د.سمير مرشد: وزارة العمل قد تكون في الوقت الراهن من معوقات السعودة وليس من مسبباتها: لأن كثرة الضغوط على القطاع الأهلي بالسعودة في ظل عدم توافر المحفزات والظروف الأخرى المواتية سيجعل جزءاً كبيراً من القطاع الخاص يستثمر أمواله في الخارج، وكذلك مشاريعه وبرامجه؛ وهذا يقلل من الفرص الوظيفية المتاحة حالياً وكذلك المستقبلية. ويضيف د.مرشد: ووزارة العمل لا تستطيع لوحدها أن تفرض السعودة لأننا لكي نسعود لا بد من وجود منظومة متكاملة من محفزات القطاع الأهلي من سياسات حكومية وأنظمة مواكبة تحمي حقوق جميع الأطراف وأيضاً من الهجرة للخارج هرباً من ضغوط السعودة الممارسة عليهم داخلياً. لذا فإنني أعتقد - والحديث ما زال للدكتور سمير مرشد: بأن السعودة يجب ألا تفرض ولكن ينبغي أن يتعاون جميع الأطراف لتحقيقها بحيث توضع سياسات حكومية وتتخذ قرارات تشجع على السعودة وتحافظ على حقوق أصحاب رؤوس الأموال، وفي نفس الوقت يجب أن يتعاون القطاع الأهلي ليس من منطلق وطنيته فقط كما ينادي الكثير، ولكن يجب أن تُجعل عملية السعودة مغرية أيضاً له وممكنة مع عدم الإخلال بتحقيق هذا القطاع للكفاية الاقتصادية التي يجب ألا يتنازل عنها في عصر العولمة، كما يجب على الشباب أن يسعوا لتنمية قدراتهم وعدم الاكتفاء بالشهادات الرسمية التعليمية عموماً، كما يجب على المؤسسات التعليمية أن تتفاعل مع احتياجات سوق العمل وتعدل من مناهجها وبرامجها وفقاً لذلك.
دور رئيس
ولا يتفق د.خالد العنقري مع ما قاله د.سمير مرشد أعلاه بأن وزارة العمل قد تكون في الوقت الراهن من معوقات السعودة حينما يقول: لا شك أن الدور الذي تقوم به وزارة العمل هو دور رئيس يرمي إلى خدمة القطاع الخاص والمجتمع، فهي تعمل على تزويد المنشآت الخاصة بالأيدي الوطنية المؤهلة وتسعى لإنجاح مشاريع سعودة الوظائف والقضاء على البطالة، وما قامت به وزارة العمل من تفعيل قرارات نسب السعودة في القطاع الخاص يعتبر أمراً ضرورياً ومهماً في سبيل توظيف أبناء الوطن والتقليل من الاعتماد على الأيدي الأجنبية. ولكن - كما يضيف د. العنقري - لا بد أن نرى الواقع ونحلل الوضع فكما يقال (التشخيص الصحيح نصف العلاج) فاستمرار وجود العمالة الوافدة بهذا الشكل والكم مؤشر خطير لا يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني ولا مصلحة المجتمع عامة. ومن جانب آخر لا بد أن يوجد تفاعل منظم بين الجهات ذات العلاقة بحيث تكون المصلحة الوطنية هدف الجميع في سعيهم نحو حل مشكلة العمالة الوافدة التي تعمل على حساب أبناء الوطن خلقياً ومهنياً.
وفي منظور د. سعد عطية الغامدي فإن المشكلة لا تكمن بين القطاع الخاص ووزارة العمل ولكن هناك عدة أطراف ابتداء بوزارة التخطيط ووزارة المعارف ووزارة التعليم العالي وصندوق الموارد البشرية، حيث ينبغي أن توحد الجهود لضمان جودة ومواكبة مخرجات التعليم (السبب الرئيس في البطالة) مع احتياجات سوق العمل.
قائمة فعلاً
ويتناول د. عبدالواحد الحميد محور البحث عن الأرضية المشتركة بين القطاع الخاص ووزارة العمل هكذا: هذه الأرضية المشتركة قائمة فعلاً فهناك مجلس استشاري لوزير العمل يضم نخبة من رجال الأعمال لتقديم الرأي والمشورة للوزير في مختلف قضايا القوى العاملة والتوظيف والاستقدام في القطاع الخاص. ومن ثم فهذا المجلس هو بمثابة قناة اتصال منتظمة ومباشرة بين وزارة العمل والقطاع الخاص للحوار وتبادل وجهات النظر بما يحقق التنسيق المستمر والتعاون الدائم. كما أن لجنة الاستقدام المشكلة في الوزارة المنوط بها دراسة طلبات الاستقدام والبت فيها تضم في عضويتها ممثلاً للقطاع الخاص. وهناك شراكة أخرى بين الوزارة والغرف التجارية الصناعية ولا سيما لجان الاستقدام والتوظيف بهذه الغرف. ويضيف د.الحميد: وفي هذا الإطار طرحت الوزارة على القطاع مشروع استراتيجية التوظيف السعودية التي أعدتها، وذلك من خلال ورش عمل عقدت في الغرف التجارية الصناعية ببعض المناطق، حيث تبلورت الرؤى حول هذا المشروع، وآثرت الحوارات التي دارت مشروع الاستراتيجية، ويجري حالياً مراجعته بشكل مضمون حسب ما اتفق عليه مع القطاع الخاص.
صوت المرأة
يجب إعادة هيكلة خطط السعودة من جديد على الأقل فيما يشمل العمل النسائي كما تقول نورة مهدي.. وإيجاد تدريب متخصص لصقل المهارات بحيث يجعلنا نستغني عن كل العمالة المستقدمة، وبتمويل من وزارة العمل بعد دراسة حاجة السوق حتى لا تخرج أعداد نتورط فيها فيما بعد. وكذلك تنسيق ساعات العمل مع ما يتناسب مع أسلوب حياتنا. كما يجب أن يجبر الراغب في العمل على دورات تدريبية في تعزيز الثقة بالنفس، ثم توجيهه إلى أي مؤسسة يمكنه العمل بها، وبهذا تكون المسؤولية مقسمة بين وزارة العمل والقطاع الخاص بمعنى أن الوزارة تؤهل والقطاع الخاص يشغل.
الحاجز النفسي
د. سعد عطية الغامدي يتناول محورنا الأخير عن السعودة والحاجز النفسي بين صاحب العمل والعمالة الوطنية أو القصور في مناهج وأساليب التعليم والتدريب قائلاً: مشكلة السعودة كما أرى أنها قصور كبير في مناهج وأساليب التعليم والتدريب، لأن قناعة صاحب العمل تقف بشكل كبير على مستوى جودة وكفاءة الشاب السعودي.
ويسجل خالد الفقيه بأن المجتمع يضطهد العامل الحرفي وينظر له بدونية فإذا تغلبنا على هذا الأمر نكون قد حققنا نصف معادلة خطط السعودة. كما أنني لا أغفل أن هناك قصوراً في مناهج وأساليب التعليم والتدريب.
ويلاحظ سمير المقرن بأن سوق العمل السعودي لم يتم تصنيفه وبناؤه على أساس متطلبات المهارة والتعليم التي يحتاجها، ولم تتم مراعاة مستوى الدخل الذي يمكن أن يقدمه لقوى العمل الوطنية. ويقترح المقرن لكي يتحقق هدف إتاحة فرص عمل مناسبة لقوى العمل الوطنية وبشكل مستمر ومتزايد في القطاع الخاص ألا يتم التعامل مع سوق العمل والوظائف المتاحة به كسوق واحد؛ بل يجب تصنيف سوق العمل والوظائف المتاحة به بناء على طبيعة العمل ومستوى التأهيل المطلوب للوظيفة وكذلك الدخل وملاءمته لأبناء الوطن.