ربما يكون أغلب الناخبين الذين صوتوا لصالح حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني قد فعلوا ذلك بسبب نقمتهم على سوء الأوضاع داخل حركة «فتح» والفساد الذي نخر في أوصال السلطة الفلسطينية، ودرجة الانضباط والالتزام العالية التي تميز كوادر المنظمات الإسلامية عادة، لكن التصويت لحماس لا يعني بالضرورة تأييدها في زج الشعب الفلسطيني الأعزل في حرب غير متكافئة مع إسرائيل، وخسارة الحماية الدولية برغم محدوديتها إذا ما أعطت حماس لإسرائيل فرصة تعبئة الرأي العام الدولي والمنظمات الدولية ضد الحكومة الفلسطينية القادمة.
وما لم تقله حماس حتى الآن ويجب أن تقوله بصراحة لشعبها وللعالم هو: هل تنوي محاربة إسرائيل أم عقد اتفاق سلام معها؟ هذا سؤال جوهري يتوقف على إجابته الكثير لأن الدول التي تمسك بورقة القرار الدولي لن تسمح لحماس بالمناورة إلى ما لا نهاية، كما أن الرئيس الفلسطيني المنتخب على أساس برنامج التسوية السلمية يحتاج لمعرفة ما إذا كانت حكومة حماس القادمة ملتزمة بهذا الخط أم لا.
وفي هذه النقطة لا مجال للتذاكي والإجابات الفضفاضة.. فإذا كانت حماس ترفض الالتزام بالتعهدات التي قطعتها السلطة الفلسطينية في خريطة الطريق فإن هذا يعني ببساطة إطلاق يد إسرائيل من أي قيود دولية لتفعل بالفلسطينيين ما تشاء. ثم ما هو البرنامج البديل الذي تقدمه حماس لشعبها للمجتمع الدولي إذا كانت ترفض اتفاقيات أوسلو وخريطة الطريق؟
إن الفلسطينيين لم ينتخبوا حماس لتمارس الحكم على أساس الوضع القائم الآن، بل على أساس مواصلة كفاح الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وبدون الانخراط في عملية سياسية دولية تدفع نحو تسوية على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، فإن معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ستطول مما يعني قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وضمها للمستوطنات التي ستتوسع وتتمدد بمرور الوقت.
إن على حماس اتخاذ قرارات صعبة وبسرعة، إسرائيل تتحرك بذكاء لعزل الحكومة الفلسطينية دولياً أولاً قبل أن تضرب ضربتها بالفعل الأحادي الذي سيحرم الفلسطينيين من حلم دولة متصلة الأجزاء ومن عاصمة اسمها القدس وذلك بحجة عدم وجود شريك فلسطيني. إن (حماس) لن تستطيع ببساطة أن تقنع العالم بقبولها والتعاون معها ودعمها مالياً، إذا كانت ستسمح بشن هجمات على إسرائيل في وقت الهدنة والتفاوض، لكن المجتمع الدولي مطالب بمنع إسرائيل من استفزاز حماس وأنصارها بعمليات الاغتيال المتواصلة والمتعمدة لنشطاء الفصائل الفلسطينية؛ والتي تزايدت بوتيرة ملحوظة بهدف إرباك (حماس) ودفعها إلى مواقف متشددة.
إن أفق التفاوض هو الأفق الوحيد المفتوح أمام كل الأطراف وبرنامج حماس السياسي ليس نصاً مقدساً، بل أجندة سياسية يجب أن تتسم بالمرونة والبراغماتية والواقعية، لكن من حق حماس على المجتمع الدولي منحها الوقت للمراجعة والتقييم، وحتى تتبلور خيارات الحركة فإن الحديث عن حماس كحركة إرهابية ينطوي على إدانة وتجريم للشعب الفلسطيني الذي منحها غالبية أصواته في انتخابات حرة جرت في إطار متطلبات السلام والتسوية السلمية كما حددها المجتمع الدولي نفسه، ومحاولة التنصل من القبول بما أفرزته صناديق الاقتراع موقف غير أخلاقي ولا ينسجم أبداً مع الضجة التي يثيرها الغرب حكومات ومنظمات عن نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.
































