المقالات

العدد 1893 - 11/01/2006



الرسـائـل الـواردة

إذا قلت لفلانة محذراً: هل تعرفين أن هذا الشاب الذي أنت على علاقة غرامية به كل هذه المدة لن يفكر يوماً في الاقتران بك؟ أجابت: أدري!! حتى أنا لا أثق به زوجاً..

ارتبطت به لعامين.. كانت بالنسبة لي أجمل أيام حياتي، وأظن أنها كذلك بالنسبة له. كنّا طوال الوقت نتحدث، أبسط الأشياء، وأقل الموضوعات التفاتاً تبدو بالنسبة لنا مثيرة، حدثاً مبهراً. إن لم نتحدث فإن هناك طنين الرسائل الذي لا يكف، نبعث مقاطع الأغاني الغرامية، وننبه بعضنا لأغاني العشّاق الملتهبة التي تبث على الإذاعة أو التلفزيون. كان حاضراً معي طوال الوقت، منذ أن أفتح عيني ساعات الصباح الأولى ، لا أنهض من سريري إلا بعد سماع صوته، كان هو كذلك إن استيقظ قبلي، وفي المساء نظل نتحدث حتى يسقط الهاتف من يدينا، فنغفو من التعب.. ذات يوم اتفقنا أن نلتقي لأول مرة، لقد شعرنا ألاّ غنى لأحدنا عن الآخر. عندما لمحته من بعيد كأنما هوى سقف المكان على رأسي فجأة!! شعرت باشمئزاز حد القرف من هيئته، وبالغثيان من تآكل أسنانه، وبالشفقة من طريقة لباسه، وبالذهول من تفاصيل وجهه التي تضرب في كل اتجاه لتصوير انفعاله وهو يتحدث.. كان هو فرحاً بي، وكنت أنا قد قررت شأناً آخر.. عندما عدت إلى البيت محبطة أوهمت نفسي على أن الرجل الذي التقيته قبل قليل لا علاقة له بالآخر الذي أحبه طوال تلك المدة على الهاتف، فاندمجت أكثر إصراراً وحماساً في العلاقة على نحو أكثر إيغالاً مما كنت عليه من قبل، مكتفية بالامتلاء العاطفي الذي منحني إياه.. ضميري يؤرقني فكلما حاول الخوض في مسألة الزواج حاولت أنا تحويل اهتمامه إلى شأن آخر.. أبكي طوال الليل على وسادتي.. فليس في مقدوري تخيل الوجود دونه.
كانت هذه هي فحوى رسالة بعثت بها إحداهن في صفحة الاستشارات النفسية لإحدى المطبوعات منذ سنوات عديدة.. لم تكن ترى نفسها خائنة بعدم رغبتها الخفية في تصعيد العلاقة حد الاقتران، هي ضعيفة، لا تحتمل اتخاذ قرار قطع العلاقة، لا تحتمل الضياع الذي سيخلّفه غيابه، ولا الشعور بالوحدة من جديد، لقد منحتها العلاقة أشياء جميلة لم تكن تعرفها من قبل، ولن تستطيع العيش دونها.
الرجل المتزوج حين يغرم بأخرى يعرف جيداً أنه لن يغامر بأسرته؛ أولاده وزوجته، لن يغامر بحياة طويلة كان قد بدأها من قبل... لن يغامر بالأمن والاستقرار الذي يحياه أبناؤه من أجل الزواج بفتاته. لكنه لا يجسر على الاعتراف بذلك، لا يريد أن يخسر الحياة الجديدة الجميلة التي منحت عواطفه شرعية الوجود، لا يريد العودة إلى ركود أيامه المقيتة، فيخسر قلبه معاودة تلك الرعشات اللذيذة الأولى التي كانت قد عرفها في بدايات انتباهه للأنثى.
الذين يعيشون فترة خطبة ترى على وجوههم ألق الحياة يتوهج، بريق أعينهم كما الصغار في دهشة لا تكف، وتوقد وحماسة لتدشين صباحاتهم الجديدة الحافلة.. تتخشب أيديهم نحو آذانهم، مع الوقت يحكمون عصابة متينة حول أعينهم، لا يعودون يرون مساوئ الشريك القادم، لا يرغبون في خسارة الحياة الجديدة؛ حيث طنين الرسائل، وإلحاح الاتصالات.. كل ما يأتي لا يهم، فهم لا يملكون البديل للفراغ الذي يمكن أن تخلفه خسارة الشريك، لا يريدون أن يعودوا كما كانوا يعيشون في بلادة فلا أحد يسألهم عن أحوالهم... مخمورون بالتجربة اللذيذة، لا يصدقون أكاذيب الوشاة بأنهم حين يلتقون بالشريك تحت سقف واحد قد لا يعودون يشعرون بالامتلاء وبالحياة مثل ملايين الأزواج الذين تنبهوا فجأة بأنهم كانو ذات يوم يحلمون باستغراق..
هناك صدمة نفسية مرضية ناتجة عمّا يعرف بصعوبة التكيف لما بعد فشل علاقة عاطفية، حيث الفراغ الممتد، والوحدة المضاعفة الذي يخلفها هذا الإخفاق. قد تتطور هذه الأزمة إلى عوارض مرضية كالقلق، والأرق، والصداع، أو الطفح الجلدي، أو زيادة الوزن، أو الشحوب الشديد.. والسؤال الذي يلحّ دوماً على من خاضوا تجربة الصدمة هو: كيف كنّا نحيا من قبل تعرفنا على الحبيب، وكيف سنواصل الحياة بعد ضياعه؟
بطلة رواية الطاهر بن جلون (ليلة القدر) التي حكم عليها بالسجن خمسة عشر عاماً، كان حبيبها الذي عاهدها على التواصل معها قد أنساها الجريمة التي نفذتها (قتل عمها). في إقامتها في السجن، لم تحس يوماً أنها نزيلة تعاني العزلة والوحدة كباقي السجينات، بل على العكس تماماً كان انتظارها للحبيب قد جعلها تستعذب العزلة، وتعتاد العتمة، وتدفع المال لتظفر بالسلام والوحدة، كانت حياتها في السجن امتداداً لحريتها في الخارج بتواصل الحبيب معها وانتظارها زياراته المتكررة التي تمنحها فضيلة الصبر. وعندما اعترف لها الحبيب في آخر زياراته: «جئتُ للوداع والمغفرة. فقد غدت قصتنا مستحيلة. سأواصل عيشها في مكان آخر وبطريقة أخرى».. عند هذا الحد تنبهت البطلة إلى أنها نزيلة سجن حقيقي بقضبان وجدران رمادية، وأن عليها منذ تحطم الحب في قلبها أن تستقبل حياتها الطبيعية في السجن والعزلة والعتمة، فتتعلم بدءاً من الآن كيف تتعاطى مع تجربة العقوبة، ومع زميلاتها السجينات. لقد دام استيعابها لصدمة الواقع بعد غياب الحبيب شهوراً عديدة، كانت تردد خلالها «إن بالإمكان نسيان وجه ما، لكن لا يمكن أن نمحو تماماً من الذاكرة دفء انفعال.. وصدى صوت حنون».