المقالات

العدد 1893 - 11/01/2006



الانفلات العنصري

ثور العنصرية الغربية، على ما يبدو قد انفلت من عقاله بعد أن كان ينطح فقط من هو قريب منه، وهو يزداد هيجاناً يوماً بعد الآخر على نغمة التصريحات الحمراء لبعض المسئولين الغربيين الذين أخذوا يتنافسون في انتقاد المسلمين، بدءاً بالمسئولين السياسيين وانتهاءً بالمتطرفين من أحزاب اليمين. والتهجم على المسلمين أصبح اليوم أكثر الدعايات الانتخابية استساغة حتى أن بعض من يحسبون أنفسهم على معسكر المسلمين من المرتزقة وضعاف النفوس والمتزلفين سارعوا ولو بخجل إلى الانضمام لجوقة العنصريين بحجة أنهم لا يتفهمون موقف بعض المسلمين المتطرفين.
ليس هناك جديد في وصفنا بالإرهابيين، فنحن في عين الغرب كذلك مهما فعلنا وحتى ولو قدمنا بعض أبنائنا لهم كقرابين لآلهة محاربة الإرهاب لديهم. نحن إرهابيون في إعلامهم حتى ولو تنازلنا عن جميع حقوقنا الإنسانية لهم، وحتى ولو خصصت أقسام خاصة في سفاراتهم، ولو دخلنا من بوابات هي أشبه بالزنازين في مطاراتهم، إرهابيون في نظرهم حتى ولو كانوا يحتلون أرضنا وبالنابالم يحرقون نساءنا وأطفالنا. صبرنا ولله الحمد لا ينفد، وشهيتنا لاستهلاك بضائعهم لا تنضب، ولكن ما دخل نبينا، وسيدنا، وحامل أفضل وأسمى رسالة سلام للبشرية ليسيء له أتفه البشر لديهم. وعندما نعترض ونحتج يفهم ذلك على أنه نوع من التحامل والتطاول عليهم. تحرق مشاعر ملياري مسلم، لا اعتذار ولا بأس، ولكن أن يحرق مبنىً دبلوماسي فيجب أن نعتذر صراحة بدون دبلوماسية أو التباس.
الغرب المتحضر الذي يقدس حرية الصحافة، لأن الناشر، كما زعم، لم يكن يعرف حساسية المسلمين لهذا الأمر، ولذلك لا داع للاعتذار لخطأ عفوي. وسمعت كلاماً مشابهاً من صديق أوروبي حديث العهد بالوطن العربي، حيث أوضح لي حينه بأنه يصعب على شخص غربي تفهم ردة فعل المسلمين لأنهم لا يستطيعون تقمص مشاعر المسلمين. فكثير من الغربيين يعتقد بأن الأمر مضخم وهو لا يعدو نشر بعض رسوم الكرتون وهو أمر لم يتسبب في قتل أحد. كما أن الغربيين، وخاصة الصحافيين، على استعداد للتضحية بكل شيء في سبيل الدفاع عن حرية الرأي.
السؤال الواجب طرحه هنا هو: لماذا يحاول أحدهم أن يدفع حدود حرية التعبير لأقصى حدودها، أو الخوض في جوانبها الرمادية، من أجل أهداف خسيسة تتجسد في البحث عن سبب للإساءة العنصرية لمعتقدات دينية لأمة بكاملها، دونما مبرر؟ وهل يدخل ذلك ضمن نطاق حرية الدفاع عن حرية التعبير؟ ألم تربط جميع التشريعات والدساتير هذه الحرية بالمسئولية المترتبة عليها؟
فالفرد عندما ينفرد بحريته الشخصية، أي بعبارة أخرى، حريته تجاه نفسه، إنما يعني ذلك تسليم مسئوليته عن ذاته له، بعيداً عن وصاية وليه أو أي مسئول عنه، فهل يعني ذلك أن له الحرية في إيذاء نفسه؟ بالطبع لا، حتى ولو أنه يتحمل مسئولية إيذاء نفسه فيما لو أساء لها هو، وليس غيره. وخير مثال على ذلك هو أن جميع الدساتير الغربية تحظر قتل الشخص لنفسه، والقتل الرحيم للمرضى الذين لا أمل من شفائهم، ممنوع دستورياً في كل الدول الغربية تقريباً حتى ولو كان ذلك بسبب آلام مبرحة يحس بها المريض، ولو كان أمر إنهاء حياته مبنياً على طلبه شخصياً. طبعاً له الحق أن ينتحر، ولكن الانتحار يعد مخالفاً للقوانين لأن الفرد يفقد مباشرة حقوقه التي ترتبت عليها وفاته، فيما لو كان الموت طبيعياً، مثل التقاعد والتأمين.
الغرب، الذي بشر بأن حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخرين، وبأن حرية التعبير ليست استثناءً من ذلك. فلو كنت في مكان ما مزدحم، وصرخت بأعلى صوتي اشتم شخصاً ما لكان له الحق في مقاضاتي. ولو صرخت بأن هناك قنبلة في هذا المكان، بحجة حرية التعبير طبعاً، وتدافع الناس وتضرروا لترتب على ذلك مسئولية قانونية علي. وآخر القيود التي أقرها الغرب هي حظر ما يسمى بالتحريض على العنف والكراهية بأي تصرف. طبعاً لهذه التشريعات جوانب أخرى تطبيقية لا تخلو، في حد ذاتها من التفرقة ونشر الكراهية. فحساسية الغرب تجاه نشر الكراهية تختلف على ما يبدو من عرق بشري لآخر.
في أمريكا مثلاً أنشأت الجماعات اليمينية والصهيونية مؤسسة متخصصة، هي معهد أبحاث ومراقبة الصحافة العربية التي تعرف باختصار MERIP، مهمتها جمع وترجمة كل ما ينشر أو يقال في مكان عام حول المسيحية واليهودية تمهيداً لمقاضاة المؤسسات العربية والإسلامية التي يصدر منها مثل هذه الإساءات. وتمت ترجمة كثير من مناهجنا الدراسية، وخطب الجمعة وغيرها، وطلب منا تغييرها. ومنع الشيخ القرضاوي من دخول أمريكا وأوروبا، بريطانيا تحديداً، أي بعبارة أخرى تمت مقاطعته وحرم من حقه في السفر، لأنه أصر على أن الجهاد ركن من أركان الإسلام. أما اليوم فتتسابق الصحف الغربية بحجة حماية حرية الصحافة لإعادة نشر الصور التي عبر مئات الملايين من البشر في كافة أنحاء الأرض عن استيائهم منها. بل إن مسئولين كباراً أيدوها وقالوا بحق الأمة ما هو أسوأ منها، ورغم ذلك يصرون على عدم الاعتذار.
يبدو الأمر وكأن جبناء الصحافيين الغربيين، الذين يتشدقون بحرية الصحافة، وهم لا يستطيعون كتابة أي شيء يسيء لجماعات متنفذة أخرى في مجتمعاتهم، يتعمدون بما لا يدع مجالاً للشك الإساءة للمسلمين كافة بهدف الاستفزاز، حتى ولو كان عدد كبير منهم يعيش في الغرب ويحمل الجنسية الغربية. فالمسلمون في الغرب معظمهم من الفقراء والمساكين ولا مشاعر لهم، وهم في بلدانهم الأصلية مقموعون وحقوقهم الإنسانية مهضومة حتى أنه بلغ الأمر بكثير من صحفيي الغرب أن يبرروا عدم اكتراثهم بحقوق المسلمين، بأن دولهم ليس فقط لا تكترث بمشاعر مواطنيها، بل إن بعض الدول تعذبهم وتقتلهم وأن الكثير لجأ إلى الغرب هرباً من القمع، عذر بالطبع أقبح من ذنب، ولكنه يوضح أن المسلمين المساكين أصبحوا حمى مستباحاً، وجداراً قصيراً، كما يقال.
حتى الآن لم يعتذر أحد، والأسف غير الاعتذار ولو أن الكثير من المسئولين الغربيين عبروا عن أسفهم وطلبوا منا أن نقبله كاعتذار. والجميع يعرف أن رئيس الوزراء المعني هنا رفض حتى استقبال سفراء الدول الإسلامية في البداية، غير أن مقاطعة منتجات بلاده دفعته للتحرك بعصبية يميناً وشمالاً، حتى أنه وجه دعوة لأئمة المساجد للاجتماع به، لكنه وهذا هو الأهم تأسف ولم يعتذر. وفي الحقيقة لا يهم أن يعتذر إذ إنه ربما كان للأمة خير من هذه الأزمة، وخير من تأخر الاعتذار، ولكن ذلك يعتمد على الطريقة التي يتعامل بها المسلمون معها.
أولاً: يجب أن يعرف الغرب بأننا نقع في قلب سياق مسئولية الحرية الصحافية والمادية وغيرها من الحريات، وبأننا لا نعيش على هامش هذا السياق. ولذلك يجب أن نعترض أيضاً على جميع العبارات غير المسئولة التي يطلقها المسئولون الغربيون في حقنا على عواهنها وتثير حساسيتنا، ومن ذلك عبارات مثل: «قوى الظلام»، «معسكر الشر»، «العالم غير المتحضر» وغير ذلك من العبارات العنصرية والشبه عنصرية. لأننا كنا أمة حضارة قبل أن يعرف العراة في شمال أوروبا ما هي الحضارة. ثانياً: عدم قبول عذر الجهل بحساسية الموضوع لأن القانون، كما يقول الغربيون لا يعفي الجاهل من المسئولية كما أنه لا يحمي المغفلين خاصة من المسئولين الإعلاميين. وأخيراً وليس آخرَ، حان الوقت لتنشيط الذاكرة العربية الإسلامية حتى لا تدخل مثل هذه الإساءات طور النسيان سريعاً، لأن الغرب يراهن دائماً على قصر مدى الذاكرة الإسلامية العربية.