من مقاصد الإسلام: إفشاء السلام في العالم، وخفض أو كبت (التوتر الديني) الناجم - مثلاً - عن (تبادل سب الآلهة): هذا يسب إله ذاك، وذاك يسب إله هذا، {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم}.
وليس من مناخ السلام العالمي المطلوب: تطاول صحيفة دانمركية - قلدتها صحف أوروبية أخرى في ذلك - على نبي الإسلام محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، بل إن هذا التصرف العدواني السفيه: يفسد مناخ السلام بين الأمم، ويرفع معدلات التوترات والكراهيات الدينية وهي توترات وكراهيات تضرب السلم العالمي في مقتل بكل توكيد.. والتاريخ البشري شاهد على أن أشد النزاعات التهاباً وتأججاً - بين الأمم -: ما كان سببه أو دافعه ديني.. من هنا كان رد فعل العالم الإسلامي شاملاً وعاصفاً على تلك الإساءات لنبي الإسلام، وهو رد فعل مشروع بل واجب. فمتى يغضب المسلمون إن لم يغضبوا لنبيهم الذي جاءهم برسالة تكفل السعادة للمؤمنين بها: أحياءً وأمواتاً؟.. بيد أن صوت الحق يجب أن يرتفع - بلا مداهنة - ليقول: ليس من رد الفعل السلمي المحمود: إحراق سفارات دول صدرت منها تلك الإساءات، وقذف كنائس، واغتيال قسيسين. فهذه تصرفات شاذة عن سنة النبي وهديه.
في هذه الأجواء الملتهبة - المثقلة بمخاطر تضر جميع الأطراف - تشتد الحاجة إلى عقلاء يجمعون بين الحزم، في رد الإساءة وبين (الحكمة) في احتواء المخاطر.
ولذا نقدر - باحترام حجم - موقفين للأمير نايف بن عبدالعزيز جمعا بين هاتين الخاصيتين: التي اشتدت الحاجة الدولية إليهما وهما خاصيتا (الحزم) و(الحكمة).
لقد كان الأمير نايف - بوجه خاص - وراء الفقرة (6) من بيان وزراء الداخلية العرب الذي انعقد في تونس في أواخر يناير الماضي، وتنص هذه الفقرة على «استنكار مجلس وزراء الداخلية العرب الشديد وإدانته لما نشر في الصحافة الدانمركية من إساءة للدين الإسلامي والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومطالبته الحكومة الدانماركية باتخاذ إجراءات حاسمة لمعاقبة المسؤولين عن تلك الإساءات وضمان عدم تكرارها باعتبار أن من شأن ذلك خلق توتر جديد وإثارة مشاعر الحقد والكراهية».. طبعاً ينبغي أن يذكر ويشكر موقف وزراء الداخلية العرب مجتمعين، فالبيان تضامني جماعي بحمد الله، إلا أنه يبقى للابتدار أهميته وجدواه.. ويأتي موقف الأمير نايف في سياق تبكير مجلس الوزراء باستنكار هذه الإساءات: تلى ذلك سحب السفير السعودي من الدانمارك احتجاجاً قوياً على ما جرى.
ثم كان موقف (الحكمة). فقد بادر الأمير نايف إلى مخاطبة عظيم الكاثوليك في العالم، أي بابا الفاتيكان، إذ دعاه إلى توضيح موقفه من هذه الإساءة لنبي الإسلام، بحسبانه، أي البابا، رجل دين يعرف ويقدر مكانة كل نبي عند أمته.
وكان لهذه المخاطبة صداها. فقد أصدر الفاتيكان بياناً يدين فيه الإساءات للأنبياء، والإهانة للأديان، ويطالب بالكف عن ذلك: احتراماً للمشاعر وعقائد اتباع الأنبياء.
وهذا مكسب عظيم.
مكسب صوت ديني قوي له تأثيره الواسع والعميق في العالم.
ومكسب رصيد إضافي لصالح احترام الأنبياء.
ومكسب أن احترام الأنبياء (قضية مشتركة) بين العالمين: الإسلامي والمسيحي.
ومكسب للبشرية من خلال المحافظة على أساس كبير من أسس وئامها وتعايشها وسلامها.
وهكذا ينفع الحزم في موضعه، كما تنفع الحكمة في موضعها.
وحكمة مخاطبة البابا بأن يتحدث في هذه القضية، تنطوي على مفهوم آخر نرى في إيراده جدوى.. هذا المفهوم هو: أن الأمير نايف وهو يغضب لنبيه كما يغضب كل مسلم غيور، فإنه - في الوقت نفسه - كان (مشفقاً) على السلام العالمي والأمن الدولي من تداعيات ما جرى.
إن الرجل يدير المؤسسة الأمنية الكبرى في البلاد منذ عقود. ومن ثم فهو يدرك - بخبرته الطويلة - خطورة الأفكار الشريرة، والكلمات التهييجية التحريضية على السلام العالمي والأمن الدولي، ولقد كان هذا الاتفاق على الأمن الدولي دافعاً من دوافعه إلى مخاطبة بابا الفاتيكان.
وهذا صحيح.
فإن ذلك الإعلام المتهور الطاعن في مقدسات المسلمين يرفع - بلا ريب - نسبة الكراهية بين اتباع الديانتين الكبيرتين، وهو ارتفاع يقوّض أسس السلام الذي دعا إليه وعاش له ومن أجله السيد المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام -، ويغذي نظريات الصراع بين الأمم بمزيد من وقود الاشتعال والصدام.. وهي نظريات تعتمد على الأفكار الشريرة الصدامية، وعلى الكلمات المهيجة التحريضية.
































