
المغرب - محمد نجيم
صدر مؤخراً كتاب السميولوجيا والتواصل، وهو كتاب مهم من إصدارات مجموعة البحث البلاغي والتواصل، وهو في الأصل ترجمة جزئية لكتاب «التواصل والتمفصل اللغوي»، وقد أصدره إيريك بويسنس منذ أزيد من ثلاثة عقود، ويعد من أهم المراجع في هذا المجال، وقد قام بترجمته الباحث والمترجم المغربي: جواد بنيس.
يتضمن الكتاب قسمين، أحدهما مخصص للسميولوجيا والآخر للسانيات. وقد أقدم المترجم على ترجمة القسم الأول لما له من قيمة معرفية وتاريخية، وسيلاحظ القارئ أن بعض تحليلات المؤلف ليست دائماً سهلة المنال وأن إدراكها يتطلب إعمال الفكر وإعادة النظر بسبب أصالة وعمق الأطروحات المقترحة. ولعل هذا هو ما سوغ له نحت اصطلاحات خاصة ترجمها الباحث جواد بنيس على التوالي بفعل سيميائي وسيمياء وسيميائية. ونشير إلى أن علماء الدلالة يوظفون المصطلح الثاني بمعنى لا علاقة له بالإستعمال الوارد عند المؤلف.
وفي تقديمه لهذا الكتاب يرى المترجم: إن نظرية بويسنس تقوم في مجال السميولوجيا على فصل قاطع بين مفهومي المؤشر والإشارة. وهو يتبع في ذلك رودولف كلينبول الذي سبق له أن ميز بين الأحداث القابلة للتأويل والأفعال المعبرة عن رغبة حقيقية في التواصل. لكن بويسنس يذهب بعيداً في محاولة تقديم شرح علمي لهذين المفهومين، حيث يقصد بالتأويل عنده الرجوع إلى أصل وسبب ما نلاحظه: فنتف الجليد على النافذة تعني وجود الصقيع في الخارج. يقيم الملاحظ إذن علاقة بين النتيجة الظاهرة(نتف الجليد) وسببها (الصقيع). لكن عندما يهز محاوري كتفيه فإنه يلجأ إلى وسيلة عرفية ليخبرني بعدم علمه بأمر معين. هكذا يتحدد الفرق بين مفهومي المؤشر والإشارة على أساس أن الأول نتيجة يكمن وراءها سبب، في حين أن الثاني وسيلة تترجم نية من استعملها؛ فالقصدية هي نقطة الارتكاز لتمييز الفعل التواصلي عن الحدث«الطبيعي».
ويسمي المؤلف كل فعل تواصلي فعلاً سيميائياً؛ كما يوظف في نفس الإطار مفهومين مركزيين آخرين هما السيمياء والسيميائية. يقصد بالسيمياء كل إجراء عرفي يمكن تحققه الملموس (المسمى بالفعل السيميائي) بالتواصل. السيمياء إذن هي الجزء الوظيفي من الفعل السيميائي وتتكون من العناصر الوظيفية للسلوك المحسوس. تبعاً لذلك فإن «موضوع السميولوجيا ليس هو بالظبط الفعل السيميائي في واقعه الملموس، بل فقط مجموع عناصره الوظيفية. وعندما يكون السميولوجي شاهداً على فعل فعل سيميائي، يلزمه أن يستخرج منه السيمياء». ويمكن تشبيه ثنائية الفعل السيميائي والسيمياء بثنائية الكلام والخطاب عند اللساني الذي يلزمه دراسة تجليات الكلام ليستخرج منها الجانب الوظيفي أي الخطاب.
ويتخلى بويسنس-حسب المترجم- عن استعمال مصطلح لغة لتسمية أشكال التواصل اللغوية وغير اللغوية فيتبنى لفظ سيميائية للإشارة إلى اللغات وعلامات المرور والعلامات الغرافية (الخطية) المستعملة في العلوم الدقيقة والمنطق، والحركات المستعملة عند الرهبان اللاتربيين في الدير أوعند الهنود الحمر... ويعتبر كل عنصر من هذه العناصر سيميائية متكونة من مجموعة من السيمياءات المتعارضة. كما يقترح تصنيفاً لمختلف السيميائيات من وجهات نظر متعددة، بحيث تصنيف السيميائيات من وجهة النظر الحواسية، أي بالاعتماد على الحواس المستعملة للتواصل. أو من وجهة النظر الاقتصادية، حيث تلبي السيميائيات حاجات تواصلية متنوعة باستعمال وسائل محدودة.
أو من وجهة النظر التشريعية، إذ يوجد تفاوت بين السيميائيات من حيث درجة خضوعها للسلطة.
وكذلك من وجهة النظر السوسيولوجية، تختص كل فئة اجتماعية بسيميائية معينة.
إن القضايا التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب أعمق بكثير من الملاحظات السريعة المسجلة أعلاه. وحتى نفهم الدور الرائد الذي اضطلع به بويسنس من أجل تأسيس وتطوير السميولوجيا، علينا أن نعلم بأنه صاحب أول مرجع سميولوجي حقيقي في القرن العشرين. أما الصدى الذي خلفته آراؤه، فيمكن تلمسه بوضوح في كتابات لوي برييتو وأمبرتو إيكو وجان مارتيني وجورج مونان،على سبيل المثال لا الحصر.
وبعد المقدمة ومقدمة المؤلف، نقرأ في فصول هذا الكتاب المفيد والقيم: فى الفصل الأول: الفعل السيميائي: تسميات جديدة، المجال السيميائي، اللجوء الى الدلالة. وفي الفصل الثاني نقرأ: تعريف السيمياء، التجريد، التمييز بين الفعل السيميائي والسيمياء، الكلام والخطاب واللسان. وفي الفصل الثالث نقرأ تصنيف السيميائيات: وجهة النظر الحواسية، وجهة النظر الدلالية، وجهة النظر الإقتصادية ،وجهة النظر السوسيولوجية، وجهة النظر التشريعية، وفى الفصل الخامس نقرأ العلامات: المدلول والدلالة،التصنيف الشكلي للعلامة،الطابع المعرفي للعلامة، ونقرأ في الفصل السادس: المعرفة والدلالة، التمييز بين المعرفة والدلالة، تأثير الدلالة فى المعرفة، تأثير معرفة فى الدلالة. وينتهي الكتاب بفصل: الخصائص الأساسية للغات، كما ضم الكتاب ثبت المصطلحات وتبث الأعلام. أما لوحة الكتاب فهي للفنان الشهير كلود موني.