المقالات

العدد 1893 - 11/01/2006

في ديوان جديد للشاعر حسن فتح الباب
العلاقات الاجتماعية من خلال النوازل الفقهية
(السميولوجيا والتواصل) لإيريك بويسنس

العصافير تنفض أغلالها في حفيف الصباح العربي

القاهرة - سيد زايد

كل صباح أغتدي لموعدي
أعود قابضاً على الرياح
ولا تعودين مع الصباح
فيغرب الشروق
ويشحب الطريق
لأنك السر الذي
يفجر الشعاع.. يُطلق الجناح
يعد الشاعر حسن فتح الباب أحد الوجوه الشعرية البارزة في عالمنا العربي، وذلك عبر مسيرة إبداعية تقارب نصف قرن، بدأها بديوانه الأول (من وحى بورسعيد) الذي صدر في عام 5791م، مروراً بدواوينه (فارس من محار) وغيرها من الدواوين التي تميزت بتواصل حميم مع معطيات الواقع العربي في مراحله المختلفة، في لغة شفيفة وشعرية نابضة بالتعبير الجمالي الذي عقد مزاوجة فريدة بين المضمون والجمال دون أن يطغى أحـدهما على الآخـر.
وفى ديوانه الأخير (العصافير تنفض أغلالها) الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية يتدفق هذا الإبحار في عوالم متباينة ما بين غنائية شجية، وتنويعات على لحن الحضور والغياب، ومساءلة الواقع العربي، وترانيم الحنين إلى حفيف الذكريات، خلال ما يزيد عن خمس وعشرين قصيدة محملة بتراكم الخبرات الشعرية والمعرفية بفعل التجربة الطويلة في الحياة والإبداع الشعري والأدبي.
ماذا يخفى القرن الحادي والعشرون
من أسرار للأرض الأم؟
للإنسان الصاعد في معراج المريخ
بسلطان العلم؟
للإنسان الساري في مركبة الأحياء الموتى
تطالعنا قصيدة (قبل القرن الحادي والعشرين) بتلويحة عاصفة يتبدى فيها الحس الدرامي الذي يتكئ على حوارية صادمة باكتشافها لب الصراع في العالم، محذرة من خفوت الصوت العربي، ويبرز صوت الشاعر يهتف يجلو الغمة وينزع الأقنعة عن مظاهر البطش في العالم على أيدي الصرب (القتلة) والانتهاكات الإسرائيلية لعرب فلسطين ،وهيمنة القطب الواحد، ليجدد الصوت صرخته بشحذ الهمم العربية في مواجهة رياح العولمة وأحادية السيطرة على مقدرات العالم.
لو يتكلم حجر في القدس
ماذا يحكى عنا؟
يحكى عنكم؟
يحكى عنهم؟
آه من حجر في القدس
أبيض كدموع العشاق المحرومين!

الرباط - حسن الأشرف

صدرمؤخراً للأستاذ الباحث المغربي إدريس كرم، وهو أيضاً المسؤول الثقافي والإعلامي في رابطة علماء المغرب، كتاب جديد موسوم بعنوان: «العلاقات الاجتماعية من خلال النوازل الفقهية بالمغرب».
الكتاب الواقع في 244صفحة بغلاف أنيق، تصدرته مقدمة دَبَّجها المؤلف نفسه تحدث فيها عن التحولات الكبرى التي شهدها المغرب في هذا القرن، والتي أربكت الناس وشوشت أنظارهم، وقسمتهم طرائق قِدداً، فمن تابع إلى ملفق إلى مناهض إلى غال خاضع، ومن متحالف مع الأجنبي إلى مناهض له إلى مداهن ومراوغ، فأثر ذلك على القيم والأخلاق والعلاقات والأنساق، وأصبح المرء يرى في البلد الواحد بلداناً، ويسمع فيها بدل اللسان الواحد ألسناً، وإذا قارنا بين الناس بين الأمس واليوم، ألفينا قوم هذا الزمن أكثر رخاء ولكن أشد هموماً، وأملح وجوهاً وأقسى قلوباً، وأعظم علماً وأَحْيَرَ عقولاً.
في الفصل الأول من كتاب «العلاقات الاجتماعية من خلال النوازل الفقهية»، تطرق الكاتب أولاً إلى قضية التصنيف، باحثاً في الممارسات السلوكية، والمواقف والتطلعات المعلن عنها أوالمضمرة، والتي تتجلى عبرآليات الرفض أو المماشاة أو التدعيم، ومحاولاً تجنب المنزلقات التي سقط فيها كثيرمن الباحثين الذين كانوا عندما يودّون الحديث عن المجتمع يلتجئون إلى التنقيب عن التعارضات إما ضد السلطة أو ضد المؤسسات المدنية أو بين الأفراد حسب التصنيف الجنسي أو العمري أو العشائري.
ثم تناول المؤلف مسألة النوازل والفتاوى، واضعاً العلاقة بينهما بعد تحديد مفهومهما، فالفتوى مخالفة تماماً للنازلة والحديث عن النوازل ليس هو الحديث عن الفتاوى، وإن كانت هناك علاقة بينهما فهي علاقة التكوين وإيجاد شروط الوجود، بحيث لا يمكن أن توجد فتوى إلا إذا كانت هناك نازلة بخلاف الفتاوى الظنية أو الافتراضية التي يمكن أن تبقى بدون نوازل واقعية عاشها الناس واحتاجوا لمعرفة شرع الله فيها، وتوفرهم على الأسانيد والأحكام القابلة للقياس على النازلة المعروضة عليهم والتي تكون غالباً تعليمية أو جدالية؛ كما أن الفتوى عملية تحليلية تخضع لها النازلة لمعرفة ظروفها وعلاقاتها بالسلوكات الاجتماعية، ومدى بعدها أو قربها من الأحكام الشرعية، ثم البحث لها عن نظائر وتماثلات تاريخية لاستنباط أحكامها والقياس عليها، لذلك كان الإفتاء من المهام الصعبة التي كان الفقهاء يتحرون فيها.
كما جاء في هذا الفصل توضيح لمجال النوازل الذي يتمثل أساساً في تثبيت العقيدة وشرح مقاصدها مع تطويع المفتين للأعراف للمتطلبات الشرعية وما جرى به العمل، غير أنه ليس المجال الوحيد للنوازل والفتاوى، بل إن محاربة البدع وتقنينها يعد جزءاً فقط من موضوعها لأنها اهتمت أيضاً بطرق العبادات وأشكال الجهاد والعلاقات الخاصة والعامة الداخلية والخارجية، والأمور السياسية والحياة التجارية وآداب السلوك من جنس وطعام ولباس، وطرق تنشيئية وردعية وتوليفية، وبصفة عامة كل المجال الثقافي بالمعنى الأنتروبولوجي.
ولم يفت المؤلف إدريس كرم تناول طريقة معالجة النوازل مقسماً إياها إلى نوازل مباشرة تتعلق بمسألة محددة من طرف شخص إلى فقيه، ونوازل غير مباشرة تكون متمحورة حول قضية أو ظاهرة تقلق المجتمع، وتقتضي تدخل الفقهاء لتبصرة الناس وإرشادهم، مما يجعل الفتاوى في حد ذاتها تطرح الإشكال النوازلي ضمن مناهجها.
المقدس والمدنس وإشكالية الحضوروالغياب: في فصل آخر من الكتاب، تناول الباحث إدريس كرم بالدرس والعرض والتحليل علاقة المقدس والمدنس ضمن النسق المعرفي المجتمعي ضمن محاور عديدة قدم لها بإبرازمسألة مهمة ألا وهي أنه كان الفقيه يعتبرالعرف والعادة من مصادر التشريع فيراعي عند إصداره لفتوى في نازلة ما، أو تعرضه إلى تغيير بدعة أو إقامته لحد من الحدود الضابطة للسلوك، فإن الرجل العادي يرى في وجود الدين عن طريق رموزه المادية أو المعنوية كوجود المساجد أو الطلبة أو القضاة أو الحكام أو الأوراد والأدعية وحفاظ القرآن وكتب العبادات جزءاً لا يتجزأ من ثقافته، ولعل هذا الاعتقاد أو الفهم غير صحيح لممارسة الحياة وفقاً لمقتضيات الشريعة وضوابطها، كان من بين الأسباب التي دفعت بالبعض من الفقهاء إلى التساهل في بعض الأحكام وتجويزهم بعض الممارسات من باب «للضرورة أحكام».
إن النوازل قضايا حياتية واقعية يطرحها فرد أو جماعة على فقيه أو مجموعة من الفقهاء لإعطائهم رأي الشرع فيها، قصد التصرف وفق أحكامه، لا فرق بين العامة والخاصة؛ إنها وصف دقيق للحياة الاجتماعية من خلال رصدها لقضايا فردية أو ظواهر اجتماعية وتحديد أبعادها المحاينة والرغبة في حل الإشكالات التي تطرحها على صعيد التشريع والممارسة، وبذلك تكون المؤلفات الموضوعة في هذا الباب مصدراً موثقاً للمؤرخ والاجتماعي مثلما هي للفقيه والعالم، إنها كما قال (جاك بيرك): «خطاب المجتمع حول نفسه»، والكتاب حاول موفقاً مناقشة ذلك.

المغرب - محمد نجيم
صدر مؤخراً كتاب السميولوجيا والتواصل، وهو كتاب مهم من إصدارات مجموعة البحث البلاغي والتواصل، وهو في الأصل ترجمة جزئية لكتاب «التواصل والتمفصل اللغوي»، وقد أصدره إيريك بويسنس منذ أزيد من ثلاثة عقود، ويعد من أهم المراجع في هذا المجال، وقد قام بترجمته الباحث والمترجم المغربي: جواد بنيس.
يتضمن الكتاب قسمين، أحدهما مخصص للسميولوجيا والآخر للسانيات. وقد أقدم المترجم على ترجمة القسم الأول لما له من قيمة معرفية وتاريخية، وسيلاحظ القارئ أن بعض تحليلات المؤلف ليست دائماً سهلة المنال وأن إدراكها يتطلب إعمال الفكر وإعادة النظر بسبب أصالة وعمق الأطروحات المقترحة. ولعل هذا هو ما سوغ له نحت اصطلاحات خاصة ترجمها الباحث جواد بنيس على التوالي بفعل سيميائي وسيمياء وسيميائية. ونشير إلى أن علماء الدلالة يوظفون المصطلح الثاني بمعنى لا علاقة له بالإستعمال الوارد عند المؤلف.
وفي تقديمه لهذا الكتاب يرى المترجم: إن نظرية بويسنس تقوم في مجال السميولوجيا على فصل قاطع بين مفهومي المؤشر والإشارة. وهو يتبع في ذلك رودولف كلينبول الذي سبق له أن ميز بين الأحداث القابلة للتأويل والأفعال المعبرة عن رغبة حقيقية في التواصل. لكن بويسنس يذهب بعيداً في محاولة تقديم شرح علمي لهذين المفهومين، حيث يقصد بالتأويل عنده الرجوع إلى أصل وسبب ما نلاحظه: فنتف الجليد على النافذة تعني وجود الصقيع في الخارج. يقيم الملاحظ إذن علاقة بين النتيجة الظاهرة(نتف الجليد) وسببها (الصقيع). لكن عندما يهز محاوري كتفيه فإنه يلجأ إلى وسيلة عرفية ليخبرني بعدم علمه بأمر معين. هكذا يتحدد الفرق بين مفهومي المؤشر والإشارة على أساس أن الأول نتيجة يكمن وراءها سبب، في حين أن الثاني وسيلة تترجم نية من استعملها؛ فالقصدية هي نقطة الارتكاز لتمييز الفعل التواصلي عن الحدث«الطبيعي».
ويسمي المؤلف كل فعل تواصلي فعلاً سيميائياً؛ كما يوظف في نفس الإطار مفهومين مركزيين آخرين هما السيمياء والسيميائية. يقصد بالسيمياء كل إجراء عرفي يمكن تحققه الملموس (المسمى بالفعل السيميائي) بالتواصل. السيمياء إذن هي الجزء الوظيفي من الفعل السيميائي وتتكون من العناصر الوظيفية للسلوك المحسوس. تبعاً لذلك فإن «موضوع السميولوجيا ليس هو بالظبط الفعل السيميائي في واقعه الملموس، بل فقط مجموع عناصره الوظيفية. وعندما يكون السميولوجي شاهداً على فعل فعل سيميائي، يلزمه أن يستخرج منه السيمياء». ويمكن تشبيه ثنائية الفعل السيميائي والسيمياء بثنائية الكلام والخطاب عند اللساني الذي يلزمه دراسة تجليات الكلام ليستخرج منها الجانب الوظيفي أي الخطاب.
ويتخلى بويسنس-حسب المترجم- عن استعمال مصطلح لغة لتسمية أشكال التواصل اللغوية وغير اللغوية فيتبنى لفظ سيميائية للإشارة إلى اللغات وعلامات المرور والعلامات الغرافية (الخطية) المستعملة في العلوم الدقيقة والمنطق، والحركات المستعملة عند الرهبان اللاتربيين في الدير أوعند الهنود الحمر... ويعتبر كل عنصر من هذه العناصر سيميائية متكونة من مجموعة من السيمياءات المتعارضة. كما يقترح تصنيفاً لمختلف السيميائيات من وجهات نظر متعددة، بحيث تصنيف السيميائيات من وجهة النظر الحواسية، أي بالاعتماد على الحواس المستعملة للتواصل. أو من وجهة النظر الاقتصادية، حيث تلبي السيميائيات حاجات تواصلية متنوعة باستعمال وسائل محدودة.
أو من وجهة النظر التشريعية، إذ يوجد تفاوت بين السيميائيات من حيث درجة خضوعها للسلطة.
وكذلك من وجهة النظر السوسيولوجية، تختص كل فئة اجتماعية بسيميائية معينة.
إن القضايا التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب أعمق بكثير من الملاحظات السريعة المسجلة أعلاه. وحتى نفهم الدور الرائد الذي اضطلع به بويسنس من أجل تأسيس وتطوير السميولوجيا، علينا أن نعلم بأنه صاحب أول مرجع سميولوجي حقيقي في القرن العشرين. أما الصدى الذي خلفته آراؤه، فيمكن تلمسه بوضوح في كتابات لوي برييتو وأمبرتو إيكو وجان مارتيني وجورج مونان،على سبيل المثال لا الحصر.
وبعد المقدمة ومقدمة المؤلف، نقرأ في فصول هذا الكتاب المفيد والقيم: فى الفصل الأول: الفعل السيميائي: تسميات جديدة، المجال السيميائي، اللجوء الى الدلالة. وفي الفصل الثاني نقرأ: تعريف السيمياء، التجريد، التمييز بين الفعل السيميائي والسيمياء، الكلام والخطاب واللسان. وفي الفصل الثالث نقرأ تصنيف السيميائيات: وجهة النظر الحواسية، وجهة النظر الدلالية، وجهة النظر الإقتصادية ،وجهة النظر السوسيولوجية، وجهة النظر التشريعية، وفى الفصل الخامس نقرأ العلامات: المدلول والدلالة،التصنيف الشكلي للعلامة،الطابع المعرفي للعلامة، ونقرأ في الفصل السادس: المعرفة والدلالة، التمييز بين المعرفة والدلالة، تأثير الدلالة فى المعرفة، تأثير معرفة فى الدلالة. وينتهي الكتاب بفصل: الخصائص الأساسية للغات، كما ضم الكتاب ثبت المصطلحات وتبث الأعلام. أما لوحة الكتاب فهي للفنان الشهير كلود موني.