المقالات

العدد 1893 - 11/01/2006

في مسألة التعامل مع الزوجة والأبناء

بيوتنا تشتكي من الجفاف العاطفي

الرياض - د. عقيل العقيل

لقد أكرمنا الله ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم فينا وجعله قدوة حسنة لنا (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) هذه الأسوة والقدوة في كل أمور الحياة وعندما نقرأ تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم وكيف كان تعامله داخل بيته سواء كان مع زوجاته أو مع أبنائه نجد الرحمة والشفقة والحنا ن المنقطع النظير، نجد العاطفة الجياشة الصادقة عندما يحمل ابني ابنته وهو يصلي وكذا عندما يطيل الصلاة ويتأخر في السجود لأن (الحسن أو الحسين) ركبه وهو ساجد فكره أن يعكر مركوبه. في الوقت الذي تشتكي فيه البيوت من جفاف هذه العاطفة سواء بين الآباء والأبناء أو الزوجين مع بعهضما وفي هذا العدد التقينا مجموعة من المشايخ ليبينوا أسباب هذا الجفاف العاطفي وعلاجه..

بداية تحدث أ.د. محمد بن يحيى النجيمي رئيس قسم الدراسات المدنية بكلية الملك فهد الأمنية أستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء والخبير بالمجمع الفقهي الإسلامي الدولي بجدة فقال:
انتشرت في مجتمعنا السعودي بالذات ما أسميه بقلة العاطفة سواء كان ذلك بين الزوجين أو بين أفراد الأسرة ولا أبالغ إذا قلت بل حتى بين أفراد المجتمع، وهذا من وجهة نظري مخالف للهدي الإسلامي قال الله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) «21-الروم». والمودة والرحمة هما العاطفة وحسن المعاشرة، ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاملة الحسنة مع زوجاته وأهله قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله»، والخيرية هنا تشمل العاطفة والمودة والرحمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسابق عائشة قالت فسبقني. فهذا العمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم نوع من إدخال السرور على أهله وكسر الروتين ورتابة الحياة. وإن مما يؤسف له أن بعض الناس يكون لطيفاً بشوشاً خلوقاً مع أصدقائه، وإذا جاء إلى بيته كان مكفهر الوجه عنيفاً شديداً لا ترى الابتسامة في وجهه وهذا مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يساعد أهله في البيت فكان يكنس مع أهله ويقم القمامة ويقطع اللحم وما إلى ذلك كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم.
ثم تحدث د. «إبراهيم بن عبدالله المطلق عضو هيئة التدريس بكلية الدعوة والإعلام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال: مما تعاني منه الكثير من الأسر في عصرنا الحاضر ضعف أو انعدام العاطفة والعبارة اللينة في التعامل بين أفرادها سواء بين الزوجين أو بين أحد الزوجين والأولاد ذكوراً أو إناثاً وهذا الجفاف في التعامل له عدة أسباب منها أن يكون جبلياً يعني أن من طبيعة الزوج أو الزوجة الغلظة والشدة والقسوة في الأخذ والعطاء وإما أن يكون ناتجاً عن الجهل ببروتوكولات وآداب التعامل الزوجي نتيجة عدم الاطلاع والقراءة وضعف الثقافة في هذه القضية، وإما أن يولد هذا الخلق نتيجة مرحلة معيشية معينة يمر بها هذا الشخص تكون مليئة بالتراكمات النفسية والضغوط العصبية، وإما أن يكون أحد الزوجين من سريعي الغضب فلا يتمالك نفسه عند أدنى موقف أو قضية لصب جام غضبه ويسمع الطرف الآخر العبارات النابئة والألفاظ الممقوتة هذا بالنسبة لتعامل الزوجين أحدهما مع الآخر.
أما بالنسبة للجفاف العاطفي في التعامل مع الأولاد فناتج عن عدة أمور أحدها انشغال أحد الوالدين أو كلاهما بأمور معيشية أو غيرها وعدم اقتطاع أي وقت للجلوس مع الأولاد ومؤانستهم والتحدث إليهم والمزاح معهم ومداعبتهم.
صفة هذا الجفاف العاطفي الغلظة في التعامل والغضب السريع تجاه الأبناء وعدم التواضع والنزول لمستوى تفكيرهم وعقلياتهم وعدم إعطائهم الثقة في نفوسهم باتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب لا تكاد تسمع أباً يخاطب ابنه أو ابنته بعبارة لطيفة جداً مثل، يا حبيبي أو ماذا تريد يا أغلى الأولاد ونحو ذلك من العبارات التي تؤثر في عاطفة الأولاد وتزيل الحاجز بينهم وبين والديهم.
والجدير بكل من الزوج والزوجة أن يفقها مفهوم العلاقة الزوجية وأن يكونا على درجة عالية من الوعي والثقافة في العشرة الزوجية ومعنى الحياة الزوجية التي وصفها الله بدقة متناهية حيث جعل كلاً من الزوج والزوجة لباساً للآخر والمعلوم أن اللباس لا يحول بينه وبين جلد الإنسان شيء البتة كما أن كل إنسان يحرص أن يكون لباسه في غاية الحسن والجمال والنظافة.
والجدير أيضاً بكل من الأب والأم أن يستشعرا مسؤولياتهما ودورهما مجتمعين أو كلاً منهما على حدة تجاه أبنائهما عملاً بقول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ثم فصل صلى الله عيه وسلم هذه المسؤولية ببيانه أن الرجل مسؤول عن بيته ومسؤول عن رعيته وأن المرأة مسؤولة في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.
ثم تحدث الشيخ حمود بين محسن الدعجاني الداعية الإسلامي إمام مسجد الصرامي بحي الشهداء بالرياض فقال: إن عقد الزواج عقد عظمه الله وسماه ميثاقاً غليظاً كما قال تعالى (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) وحتى يبقى عقد الزوجية وتدوم المودة بين الزوجين لا بد من فعل الأسباب المؤدية إلى ذلك ومنها تلطف الزوج لزوجته وتلطف الزوجة لزوجها في الخطاب فقال تعالى: (وقولوا للناس حسناً) «البقرة:83» ولا شك أن الزوج والزوجة أولى بهذا الخطاب، وهكذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان حَسَن الأخلاق مع أهله وأزواجه فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فلا بد لنا من التأسي بنبينا عليه الصلاة والسلام في تعامله مع أهله وهكذا نجد في سيرة صحابته الكرام حسن الخلق والصبر على ما يحصل من الزوجة من اعوجاج وعدم استقامة وقد قال عمر رضي الله عنه للرجل الذي جاء يشكو زوجته (يا أخا الإسلام إني أحتملها لحقوق لها علي إنها طباخة لطعامي .، خبازة لخبزي ، مرضعة لأولادي، غسالة لثيابي، وبقدر صبري عليها يكون ثوابي) فلا بد لكل من الزوج والزوجة أن يحرص على إشاعة المحبة بينهما بالكلمات الطيبة الرقيقة التي تخاطب الوجدان فإن لها تأثيراً عظيماً خاصة على المرأة وعلى الزوج أن يحتسب الأجر والثواب من الله في كل ما يصنعه مع زوجته وليعلم أن من أعظم أسباب الشقاق والنزاع بين الزوجين هو خلو الحياة الزوجية من عواطف المحبة المتبادلة بين الزوجين.
ثم تحدث أ.د خالد الدايل -دراسات اجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - فقال:
إن الأسرة تتكامل وتترابط وتكون بناء قوياً متماسكاً كل عضو في ذلك الجزء يشعر بالآخر، حيث الأب والأم يسيطران ويتحكمان بذلك البناء الحصين من خلال الجانب العاطفي الذي يملأ البيت والذي يشعر فيه كل عضو من أعضاء الأسرة والذي يقوم به الأب والأم نحو الأبناء بتقربهم وإحساسهم وعاطفتهم الجياشة ومعرفة مشاكلهم وكل ما يعوق حياتهم كله عن طريق الجانب العاطفي الذي يشعر به الأبناء جميعهم مما يؤثر على سلوكهم في الحياة وتقبلهم لكل ما يطلب منهم وإذا كانت العلاقة بين الأب والأم مليئة بالجانب العاطفي الذي يكون أساساً وركيزة لتكامل وترابط الأسرة، وأن الجانب العاطفي الجياش والإحساس بمشاعر كل شخص بالآخر من خلال التعامل يدخل إلى القلب سريعاً ويحطم جميع الحواجز والعوائق والمشكلات التي تواجه الإنسان، فالإنسان اجتماعي بطبعه وبفطرته يتعايش مع الآخرين ويتعامل معهم ويحتاج لهم فهو يحتاج للكلمات الجميلة والمعاني اللطيفة التي تلامس عواطفه وأحاسيسه ومشاعره في هذه الحياة التي فيها متناقضات عجيبة ومشاكل غريبة وكثيرة، فالإنسان منا لا يستطيع أن يستغني عن الجانب العاطفي الذي يعتبر جواز ومفتاح القلوب عند الآخرين والذي أصبح اليوم وللأسف مفقوداً بين الناس بشكل عام، والذي بسببه كثرت المشاكل الاجتماعية والانحرافات السلوكية المختلفة.
إن الجانب العاطفي بين الشخص والآخر بين الزوج والزوجة بين الأب والأم والأبناء له تعبير عن المحبة والألفة والمودة والطمأنينة فبالعاطفة الجياشة والشعور بالآخر تستطيع أن تحقق كل ما تصبو له وأن تصل إلى ما تريد بإذن الله، فالإنسان وحسب تركيبته الاجتماعية وسيكولوجيته يحتاج للعاطفة والإحساس به والتي بدورها تدفعه نحو الأمام والتقدم.
فلماذا لا يكون بين الزوج والزوجة الجانب العاطفي، ولماذا لا يكون بين الأب والأم والأبناء،ولماذا لا يكون الجانب العاطفي بين الأخ وأخيه وبين الصديق وصديقه وبين الآخرين جميعاً فنحن والحمد لله في مجتمع ينعم بتقاليد الدين الإسلامي الذي يحث على التعامل الطيب والعاطفة والرحمة والتسامح، فقد نجد البعض في تعامله مع الآخرين ومع أقرب الناس له مثل زوجته وأبنائه قاسي القلب والمشاعر لا يتفاهم ولا يشعرهم بالعاطفة والحنان والمعاني الجميلة والمبادئ السامية والقيم الإنسانية الرفيعة، تجده دائم الصراخ واللعن والسب والتأفف ويتلفظ بكلام سيء وتعامل قاسٍ مفقود لديه الجانب العاطفي. مما يسبب في اضطراب وخلل الحياة الأسرية والاجتماعية والاستقرار.