المقالات

العدد 1894 - 18/02/2006



أزمة الملف النووي الإيراني"تحرك سعودي بعيداً عن الأضــواء"

في كل الأزمات الصعبة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط كانت الدبلوماسية السعودية الهادئة والرصينة هي الخيار الأول المقبول إقليمياً ودولياً لاحتواء المخاطر وإطفاء النيران وإيجاد خطوط اتصال بين الفرقاء والمتخاصمين، فقد عرف القادة السعوديون منذ عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بالاستقامة والنزاهة والصدق والمصداقية، كما أنهم نأوا ببلادهم دائماً عن الصراعات والنزاعات والخصومات فلم تكن المملكة يوماً مصدراً للشر لأحد ولم تطمع يوماً في مكسب على حساب دولة قريبة أو بعيدة ولم تتدخل أبداً في شؤون أحد، وفي كل الأزمات التي عصفت بالمنطقة كان مبدأ الدبلوماسية السعودية هو «من تحدث فليقل خيراً أو ليصمت».
بهذه الروح وهذا المنهج تعاملت المملكة مع خلافات دول المنطقة الثنائية ومع الأزمات الإقليمية والمشكلات ذات البعد الدولي، فكانت إسهامات الدبلوماسية السعودية المشهودة في التوسط بين الأشقاء العرب من المغرب العربي إلى الشام والخليج، والجهود الجبارة لإطفاء نيران الحرب الأهلية في لبنان، والدور الحاسم الذي لعبته المملكة في حماية منظمة التحرير الفلسطينية في ذروة مواجهاتها مع إسرائيل في لبنان في مطلع الثمانينات الميلادية، دعك عن مبادرات المملكة المقدرة في دعم جهود تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، واحتواء مخاطر الصراعات العقائدية والحروب الدينية كما حدث في البلقان وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية الإجرامية على الولايات المتحدة.
واليوم تلوح في الأفق مؤشرات تحرك دبلوماسي سعودي جديد لاحتواء أزمة ملف إيران النووي التي تهدد بالتطور إلى أزمة دولية فائقة قد تدفع بالمنطقة نحو هاوية صراع ومواجهة عسكرية خطيرة.. صحيح أن هذا التحرك يجري وراء الكواليس وبعيداً عن الأضواء وتلك سمة من أهم سمات النجاح الدبلوماسي وصفة تنسجم مع النهج السعودي الرصين الذي يبتعد عن الضجيج الإعلامي وتهمه النتائج أكثر من الدعاية، لكن استقبال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمبعوث الخاص للرئيس الإيراني الأستاذ محمد رضا باقري يوم الثلاثاء الماضي وإعلان صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل سفير المملكة في واشنطن أمام مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية أن هناك حواراً يجري بين المملكة وإيران بشأن قضية الملف النووي، تدل على أن المملكة تبذل جهوداً هادئة لاحتواء الأزمة واستكشاف سبل لمعالجتها بالوسائل الدبلوماسية.
والمملكة مؤهلة لهذا الدور أكثر من أي بلد آخر، فمكانتها الدولية وسمعتها المحترمة وعلاقاتها الممتازة مع القوى الدولية الكبرى، وروابطها الأخوية مع إيران كدولة إسلامية وجارة تجمعنا بها مصالح حيوية أهمها ضمان أمن واستقرار منطقة الخليج، كل هذه العوامل تجعل المملكة وسيطاً مقبولاً يمكن أن يسهم في إرساء أرضية للحوار بين إيران والمجتمع الدولي.
إن الأهداف التي تسعى إليها المملكة هي في الحقيقة أهداف تخدم مصلحة إيران والمجتمع الدولي على حد سواء، فليس من مصلحة أحد أن تشتعل هذه المنطقة الحيوية للاقتصاد العالمي بنيران مواجهة جديدة والمملكة لا تخفي موقفها الرافض لكل ما من شأنه زعزعة استقرار المنطقة بما في ذلك انتشار أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تفتح أبواب سباق تسلح يستنزف موارد شعوب المنطقة وإذا كانت إيران صادقة فيما تؤكده دائماً من أنها لا تسعى لتطوير أسلحة نووية، فإن الدور السعودي يمكن أن يسهم في إيجاد مناخ أفضل للجهود الدبلوماسية لإيجاد حل يلبي مطالب إيران بحقها في التقنية النووية النظيفة1 ومطالب المجتمع الدولي بإخضاع البرامج النووية الإيرانية للمعايير والضوابط الدولية.
إن الجو بين طهران والعواصم الغربية القلقة من البرنامج النووي ملبد بغيوم الشك وعدم الثقة، ووجود طرف محل ثقة واحترام الطرفين قد يساعد على تبديد هذه الغيوم وإيجاد مناخ أفضل للحوار.