
تقول د. حميدة عن نشأتها: «نشأت في عائلة تحب العلم وكنت أصغر إخوتي الذين كانوا يتمتعون بشهادات عليا.. هذا الجو المعرفي حفزني كي أجتهد فقد كنت أراقبهم لأفهم وهم يقرؤون وأنا لا أعرف بعد القراءة والكتابة إلا أنني أتصفح مثلهم.. وكان لأمي وأخي وأختي الكبرى دور كبير في صقل شخصيتي... حيث توفي أبي وأنا صغيرة وأخذت أختي على عاتقها رفدي بمجلات الأطفال.. فلا توجد مجلة أطفال في الوطن العربي لم أقرأها وتعلمت منها الشيء الكثير... حتى أنني كنت أفوز دائماً على أقراني في تصميم النشرات الجدارية..
وتهمس الدكتورة حميدة سميسم:
«لم أُنْهِ السادس الابتدائي إلا وأنا أكمل قراءة تاريخ العرب لجورجي زيدان مع الكثير من القصص والروايات العالمية.. هذه القراءات المتعددة أثرت على بصري فقد كان إخوتي يمنعوني من القراءة المتواصلة وكثيراً ما كنت أذهب خلسة لأكمل على ضوء القمر دون أن يشعر بي أحد مما أتعب عيني.
تعدد قراءاتك.. كيف بلورت شخصيتك؟
- عندما انتقلت إلى المرحلة الابتدائية كنت من المتفوقات وكنت أحب الموسيقى ولو تسنى لي من يوجهني موسيقياً لبرعت في ذلك إلا أن تقاليد عائلتي منعتني على الرغم من أنني كنت أشارك في كل الفعاليات الفنية التي تقام.. تركت هاجس الموسيقى الذي لازمني لبرهة وعكفت على دراستي وقراءتي في المرحلة الثانوية... وفي أغلب الأحيان كنت أسافر والعائلة إلى لبنان.. كان الآخرون يجلبون معهم هدايا وأنا أجلب معي العديد من الكتب..
قراءاتي المتعددة جعلتني أكثر التصاقاً باللغة العربية ولا سيما أن لمدرِّساتي التأثير الكبير في بلورة شخصيتي ولا سيما مدرسة اللغة العربية الدكتورة واجدة الأطرقجي.. ومديرتي السيدة افتخار الوسواسي وسعاد الأوقاتي وقد وجهنني كثيراً ما جعلني أشعر بشيء من الامتياز..
وما مدى تأثير التطورات السياسية في تلك الحقبة عليك؟
- شهدت تلك الفترة الكثير من التطورات السياسية التي لم أفهمها حينها.. نعم أقرأ عنها استذكرها الآن إلا أني لم أشارك فعلياً فيها كون ميولي كانت أقرب للأدب منها إلى السياسة. كنت أسمع إخوتي وهم يثيرون الكثير من النقاشات حول موضوع سياسي ما، ويسهمون في مظاهرات تأييدية إلا أن صغر سني كان يحول دون أن يكون لي دور فعّال.. إلا أنني فهمت فيما بعد معنى الاحتلال ومعنى كل الأحداث السياسية بعد أن كلفت بجمع التبرعات لمجاهدي الجزائر.. لذا فقد تعمقت قراءاتي في الحرب العالمية الثانية، وقد خفت من الحرب وبات هذا الخوف يلازمني حتى الآن لأنني اكتشفت أن حسم الصراعات في الحروب يولد خسائر كبيرة.
بعثتك إلى الاتحاد السوفيتي «سابقاً» كان بغرض دراسة الطب فكيف تحولت من الطب إلى الصحافة؟
- كان الغرض من بعثتي إلى الاتحاد السوفيتي هو دراسة الطب وكان النظام الدراسي هناك عبارة عن اختبارات علمية أو أدبية تقرر للطالب أن يتجه من دراسته ولا يكون هذا الاتجاه على أساس علمي أو أدبي وكانت نتيجتي في الاختبار مساوية العلمي والأدبي معاً.. وقد بقيت حائرة أين أتجه إلا أن أستاذة اللغة الروسية حسمت الأمر لي.. فقالت لي.. سأقول لك شيئاً يجب أن تأخديه بنظر الاعتبار؛ إذا أردت أن تكوني طبيبة فسوف تكونين كذلك ولكنك ستكونين من بين آلاف من الطبيبات ولكن إن دخلت الصحافة سوف تتميزين.. حينها حسمت الأمر في داخلي خاصة أن هناك بذرة في نفسي وهي حبي للصحافة منذ صغري..
في الوقت الذي كان الكثير من أقراني يتوقون لدراسة الطب.. وعائلتي كانت ترغب في ذلك خاصة أن كل أفراد أسرتي من إخواني وأخواتي هم أطباء إلا أنني ذهبت إلى اللجنة وأخبرتهم برغبتي في دراسة الصحافة.. دهشوا من قراري هذا فرفضت اللجنة قراري هذا ورحت أبكي بحرقة.. كان معي في القسم الداخلي الكثير من الطلبة العرب والعراقيين ومنهم الأديب العراقي حسب الشيخ جعفر الذي كفكف دموعي وأقنعني بضرورة العدول عن قراري؛ إلا أنني أعدت الكرة بالذهاب إلى اللجنة مرة أخرى وأخبرتهم برغبتي في دراسة الصحافه.. بهتوا وأجابتني امرأة كانت ضمن أعضاء اللجنة وهي امرأة معروفة بالقوة والصلابة حينما عرفت أنني سوف أعود إلى العراق في حال عدم دراسة الصحافة فبادرتني قائلة: أريدك ان تسردي رواية أو عملاً أدبياً غير مترجم إلى اللغة العربية..
وكانت هنالك رواية قد أعجبتني وهي رومانسية تحكي عن علاقة حب مستحيلة بين شاب وفتاة اسمها (السوار الزمردي) لأديب روسي غير معروف لدينا وكان في هذه الرواية الكثير من الأحداث الرومانسية التي نميل إليها كشرقيين.. سردتها بشفافية وقد نسيت تماماً من حولي بعد أن عشت كل تفاصيلها حتى أشعارها كنت ألقيها وأنا منسجمة تماماً.. عندما انتهيت رأيت دمعة تترقرق من عين هذه السيدة القوية.. مسحت دمعتها وقالت لي: إنك سوف تكونين صحفية جيدة..
وهل واجهتك صعوبات وعوائق خلال رحلتك مع الصحافة؟
- نعم.. بدأت منذ دراستي الأولى في الصحافة فقد عملت في العديد من الجرائد وفي وكالة أنباء إيتار تاس.. وكان هناك قانون لا يجيز للطالب الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلا إذا نشر موضوعاً أو موضوعين، وقد وجدت الكثير من الصعوبات وأولاها عائق اللغة ومن ثم الطقس حيث درجة الحرارة تصل إلى 63 تحت الصفر ومما هوّن علي وجود بعض أسرتي وأقربائي بقربي.. وكانت الشمس لا تشرق إلا في التاسعة صباحاً وتغرب في الثالثة، فذهابي إلى الكلية ليلاً، إلا أنني قررت اجتياز العوائق التي تواجهني في روسيا.. فلم أدرس فقط، بل تعلمت الأوبرا والمسرح وطريقة حياة الناس.
هل استطعت الخروج من معطف عائلتك وارتداء معطفك؟
- قد أكون متأثرة ثقافياً وأخلاقياً ولا سيما أن عائلتي النجفية (نسبة إلى مدينة النجف جنوبي العراق)- وإن لم أولد وأترعرع فيها- كانت ملتزمة بكل تقاليد هذه المدينة العريقة ونقلت بالتالي أسلوب حياتهم وتعاملهم لي ولكن استطعت أن أزاوج بين تقاليد العائلة وقناعتي الشخصية وهذا ما قادني إلى النجاح في حياتي - إن جاز لي أن أقول إني ناجحة -.
لكنك كنت أكثر دراية وخبرة في الشائعة والحرب النفسية.. من أين جاءت هذه الخبرة؟
- للدراسة أثر مهم في صقل خبرتي فقد درست وتعمقت في موضوع الدعاية والحرب النفسية والشائعة ولاسيما أن أطروحتي تناولت هذه المواضيع.. وقد أطلعت حينها على كل ما يخص هذه المواضيع من كتب وتراجم وخرجت بحصيلة فيها شيء من الجدية في الوقت الذي لم تكن هناك دراسات كثيرة بخصوص هذا الموضوع وإن وجدت فهي غير جادة أو ليست بمستوى الحدث.
وهذا ما لمسناه في العراق.. فبلد خاض ثلاث حروب.. لا تجد فيه كتباً أو دراسات تخص مثل هذا الموضوع المهم وذلك بسبب بعض التحفظات لدى البعض.. إلا أنني لم أضع هذه التحفظات في حساباتي وهذا يفسر الأسباب التي كانت تقف وراء تعرضي لكثير من الأذى الذي لم يردعني عن مواصلة دراسة الشائعة والنكتة السياسية، وقد وضعت مؤلفات تناولت هذا المحور المهم في حياة الشعوب وكان من أبرزها (الحرب النفسية)، (نظرية الرأي العام)، (الإذاعات الموجهة)، (الدعاية الصهيونية)، ومدخل إلى تحليل المضمون والرأي العام وطرق قياسه والخطاب الإعلامي.
من أعلن الحرب النفسية عليك وكيف تصديتِ لها؟
- الرجال.. نعم هم أعلنوا الحرب علي ومازالت هذه الحرب مستمرة ولأسباب عديدة منها: إن تفوق المرأة غير مسموح به في عالمنا العربي.. وإذا ما وجد فهنالك حدود للتفوق غير مسموح للمرأة إزاءها تجاوز الخط الأحمر.. أنا لم أكترث لهذه الحروب وقد تخطيت الخطوط الحمر والصفر والخضر..
ولماذا هذه الحرب؟
- ذلك أن غيرة الرجال صعبة فهم يملكون أدوات التأثير، فأية كلمة ضد امرأة ما من رجل ستجد من يصدقها، ولاسيما إذا ما تناولتها وسائل الإعلام.. لذا فقد عانيت ومازلت حتى الآن أعاني من الشائعات ومن التأويل والتهويل.. وقد جلب اختصاصي ورأيي الصريح الذي لم أحد عنه طوال سنوات جلب لي المصائب.
هذا يعني لا وجود للرجل في حياتك؟
- أنا غير معقدة من الرجل ولي أصدقاء كثر منهم حتى أكثر من النساء.. الشيء الآخر أنا أم غير والدة، ربيت عدداً كبيراً من طلبتي ومازالوا يكنون لي الوفاء والاحترام، كما قمت بتربية ابن أخي وهو الآن طبيب ناجح.. هذه الناحية ملأتها بهم وبه، ولاسيما أني منحته كل حبي ورعايتي.. الرجل مهم في حياة المرأة ولو كان في حياتي رجل ما كان من الممكن أن أتقدم وربما أتأخر.. لا أعرف.
نقطة التحول في حياة حميدة سميسم؟
- أهم نقطة تحول في حياتي كانت حصولي على الأستاذية.. فقد تعبت في الحصول على لقب بروفسور بعد أن قدمت أربعة بحوث.. الأمر فاقم من معاناتي مع أعدائي.. إذ لم يسبقني أحد في الحصول على الدرجة العلمية المهمة.. وقد أرسلوا هذه البحوث إلى المغرب ولبنان ومصر.. الحمد لله كانت النتائج إيجابية مما زاد من ثقتي بنفسي.. فما أكتبه مفهوم وأصيل، كما كان رأيهم في ما كتبته.
بماذا تنصحين المرأة لتجاوز أزماتها؟
- لا أحب أن أكون في موضع من تعطي النصح لأن لكل قضيـة مداخلها وكل قضيـة هنالك طريقة ما لحلها. ولكن أعتقد أن على المرأة بشكل عام والعراقية بشكل خاص، وما تمر به من ظروف عصيبة أن تجعل من الصبر والمثابرة سلاحاً مهماً في حياتها.