المقالات

العدد 1894 - 18/02/2006



شهيدات الواجب التعليمي

حادث مروع أودى بحياة ست معلمات في طريقهن لأداء واجبهن تجاه الوطن في منطقة نائية هي وادي هبشل تبعد 06 كيلومتراً عن مكان إقامتهن في محافظة خميس مشيط. جثث المعلمات الطاهرة وبعضهن معهن أطفالهن استحالت أشلاء لم يستطع حتى أقرب أقاربهن تمييزها، ومن بينهن أم رحلت وخلفت أبناءها الثلاثة، بينهن طفلتان في غرفة العناية المركزة أصيبتا في نفس الحادث. السبب عدم توفر نقل ملائم، واضطرار البعض توفير قوت يومهن بالعمل في أماكن تبعد كثيراً عن مكان إقامتهن.
حوادث مأساوية شنيعة مثل هذه أصبحنا نسمع عنها بين الفينة والأخرى حتى إن بعض الناس أخذ في التعود على سماعها كما تعودوا على سماع أنباء الكوارث والحروب. والبعض يرى أننا نعيش أشبه ما يكون بحالة حرب غير معلنة على طرقاتنا ندفع ثمنها دماءً زكيةً لمواطنين ومواطنات أبرياء يقطعون مسافات طويلة وطرق وعرة لخدمة وطنهم. فهذا الحادث ليس الأول ولن يكون الأخير ما لم نقم بعمل فوري على كافة المستويات ومن قبل جميع المسئولين لوقفها.
مدير التعليم في المنطقة اكتفى بالقول بأنه سيتم سد نقص المعلمات في المدرسة، ولم يسمع أي تعليق من مسئول آخر في وزارة التربية والتعليم حول الحادث غير وعود متفائلة بنظام للنقل المدرسي، وعود فقدت كل مصداقيتها لكثرة الحديث وبطء العمل. فوقف مآسٍ مثل هذه يجب أن يتم بأسرع وقت، وإن لم تكن هناك حلول جذرية ممكنة فيجب أن يسارع بحلول وقتية حتى يتم علاج الموضوع نهائياً، والحكومة ولله الحمد لديها من الإمكانات ما يمكنها من القيام بذلك، ولذلك فلا عذر للتقاعس، أو التساهل بسلامة المواطنات والمواطنين.
وكنت قبل عدة أسابيع قد تلقيت رسالة اليكترونية من مواطنة كريمة كانت أشبه بالاستغاثة، وموضوع الرسالة حالة مأساوية مشابهة لمعلمات أجبرتهن الظروف على العمل في مناطق بعيدة عن مقر سكناهن. وسأنقل للقارئ الكريم الرسالة بدون رتوش مع اعتذاري للأخت التي أرسلتها، ولكل زميلاتها، للمناسبة التي أوجبت نشرها، أو لتأخري في ذلك. الرسالة كما هي:
«أنا دائماً من المتابعين لكتاباتك ولكن أرجو أن تكتب عنا نحن المدرسات اللي كل يوم نقطع 002 كيلو رايحين و002كيلو راجعين ولنا على هالحال 9سنوات وليتنا على هالمشوار مرتاحين كل يوم نقطة التفيش موقفينا ومأخرينا عن الدوام بحجة أن السائق ما معه محرم ومرة ثانية مهوب الكفيل وعلى هالمنوال الحين الوزارة نفسها ما اهتمت وحطت لنا مواصلات هم يحسبوننا مرتاحين مع هالأجانب لكن وش نسوي (لا هم اللي حطوا لنا شي ولا هم اللي دافعوا عنا) يا أخي بصفتك من الكتاب..... واللي يهتم بحقوق الناس يا أخي اكتب عنا وعن وضعنا كأنهم ما هم ناقلينا يتركونا نمشي بطريقنا تصدق يا دكتور مرة واحد منهم فتح علينا الباب واحنا فاتشين بالله عليك وش هلتصرف من رجل أمن أرجوك يا دكتور اكتب عن معاناتنا لعل وعسى؟ احنا نقول الوحدة مهوب مشكلة تخدم بلدها في أي مكان لكن 9 سنوات أعتقد أنها كثيرة وأعتقد أنك توافقني الرأي أنا ما أحب أطول عليك المشاكل اللي تواجهنا كثيرة لكن حبيت الاختصار. ولك تحياتي».
أنا بدوري أوجه الخطاب كما هو للجهات المعنية في وزارة التربية وللجهات الأمنية وكلي أمل بأن يتم الرد على الأخت وزميلاتها، والسعي لحل مشا كلهن ليتمكنّ من خدمة وطنهن على أتم حال. ونحن بالطبع لا نوجه لوماً بالتقصير لأي جهة كانت، ولكن قطع مسافة 200كيلومتر مرتين يومياً للعمل يعد قضية مثيرة للانتباه على وجه الخصوص، ولا أعتقد أن هناك مسئولاً عاقلاً يقبل بذلك لنفسه أو أيٍ من أفراد أسرته. وعندما قرأت الخبر قفز لذهني خبر سمعته عن مسئولين إداريين في إحدى مؤسسات التعليم لدينا، اختصما بقوة حول موقف للسيارات داخل المبنى الذي يعملان فيه ولا يبعد الموقف عن ألآخر إلا بمائة متر.
ولا شك أن توفير المدارس في مناطق نائية مثل وادي هبشل، أو مكان مثل الذي تعمل فيه الأخت صاحبة الرسالة يشكل كابوساً لأي مسئول معني بهذا الأمر ليس فقط في هذه الحالة فقط وليس في المملكة فحسب، ولكن في أي مكان مشابه في أي دولة مشابهة من الدول التي تسعى لتقديم تعليم مجاني لكافة مواطنيها. وهو أمر مكلف حقاً خاصة إذا لم تتوفر الطرق الجيدة أو البنية التحتية المطلوبة. غير أن تولى مثل هذه الظروف عناية خاصة ليس فقط من حيث توفير الخدمات الملائمة للموظفين بل من حيث توفير الحوافز الملائمة لهم. والكثير من الدول تعالج هذه المسألة من خلال توفير السكن الملائم للعاملين قرب مكان العمل، ويتضمن ذلك توفير وظائف أخرى لأزواج العاملين هناك وذلك من قبيل لم الشمل العائلي حتى لا تضطر العائلات للسفر بعيداً بشكل يومي، ولكن ما سمعناه من سعادة مدير التعليم هو أنه سيتم سد النقص في المعلمات ولو بالتعاقد!
الجانب المأساوي الآخر لهذه القضية هو المتسبب بهذا الحادث سائق شاحنة متهور يسوق شاحنته بسرعة جنونية على طريق ريفي وهو لا يملك لا رخصة قيادة ولا إقامة. أي أن هذا السائق غير المؤهل والذي لا يحمل رخصة للقيادة ولا أخرى للإقامة يشكل خير مثال للعمالة السائبة في بلادنا التي تعبث بأمننا وسلامتنا وأمن أبنائنا وسلامتهم. وقد أصبحت أخبار هذه العمالة التي يستغلها بعض ضعاف النفوس، أو بعض اليائسين المضطرين مثل معلمات المدارس أو الموظفات اللائي يعملن في أماكن نائية تصدمنا يوماً بعد الآخر. وفق الله المسئولين في علاج هذه المشاكل القائمة، وحمانا الله وإياكم من كل شر.