المقالات

العدد 1894 - 18/02/2006



.. ثم.. ثم قالوا: غيِّروا الإسلام ذاته!!

ليس لمطالبهم آخر«!!!».. من هم؟.. أهم الذين تقدموا في عصر النبوة بالمطالب التالية؟: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله}.
لسنا في عصر النبوة. فالفاصل الزمني بيننا وبينه هو 0441 سنة تقريباً. بيد أن (الذهنية الهواوية) أو المزاجية هي هي، على الرغم من مرور القرون وتطاولها، تلك الذهنية التي تظن أن (الدين) يغير وفق الأهواء والرغبات كما تغير الملابس مثلاً!.
والدليل على أن لتلك الذهنية القديمة - في عصر النبوة - امتداداً معاصراً هو: أن قوماً معاصرين يطالبون بـ «تغيير الإسلام» نفسه لكي (يتكيف) مع المتغيرات العصرية المختلفة!
ولقد تبدت هذه المقولات أو المطالب منذ سنوات - في نصيف التسعينات - من القرن العشرين.. ثم استفحلت واستعلنت بعد الأحداث النكد: أحداث 11 سبتمبر عام 1002م.
فثمة مراكز بحوث، وتقارير استراتيجية مطولة تطالب بتغيير الإسلام ذاته بحسبانه أصل المشكلة ومنبعها!!.. وبديه أن التغيير المطلوب لا يستهدف الفقه الإسلامي، ولا الدورات الدموية في أجساد المسلمين، وإنما يستهدف (الكتاب والسنة) بالتعيين والتحديد والضبط.
والمطلب عقيم ومشحون بالاستفزاز.
ومع ذلك نلتزم الهدوء. ونتنزل إلى مستوى المجادل - كما يقول المناطقة - لنسأل: ما الذي يريدون تغييره في الإسلام أو من الإسلام؟.. أيريدون إلغاء (العقل) الذي جعله الإسلام مناط خطابه وأداة فهمه: «كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون»؟.. أيريدون تغيير النص على وحدانية الله: للعودة إلى الشرك والوثنية؟.. أيريدون تغيير النص على الكرامة الإنسانية: للعودة إلى عهود امتهان كرامة الإنسان والحط من قيمته؟.. أم يريدون تغيير النص على (وحدة الجنس البشري) من أجل الردة إلى تخلف العنصرية وأوحالها؟. أم يريدون تغيير النص على المسؤولية الذاتية العينية لكل إنسان - عن تفكيره وعمله وسلوكه - حتى تسقط المسؤولية، ويقع العبث، ويهوي الإنسان إلى مستوى الدواب التي لا تعقل؟.. أم يريدون تغيير النص على أن كل ما في السموات وما في الأرض مسخر للإنسان حتى يتعطل تعامل الإنسان مع طاقات الكون وذراته وقوانينه؟.. أم يريدون تغيير النص على الدفاع عن الأنبياء والمرسلين الذين سبقوا محمداً - صلى الله عليهم جميعاً وسلم - حتى ينفتح المجال - بإطلاق - للنيل من الأنبياء والمرسلين؟.. أم يريدون تغيير النص على موازين العدالة المطلقة بين الناس - بغض النظر عن أعراقهم ودياناتهم ومستوياتهم المعيشية والوظيفية لكي يطغى الظلم ويتمكن ويسود؟.. أم يريدون تغيير النص على (قيمة الجمال والزينة) حتى يخلو وجه الأرض من كل لمحة جمال، وحتى تتعطل حواس التمتع بالجمال والزينة في الإنسان؟
والأمر جد، بيد أن المطالبة بتغيير الإسلام - حتى يتكيف مع أهواء المطالبين -: لا تخلو من صور تثير الضحك، فإن تعميم منهج هذه المطالبات يقتضي تكوين لجان (وطنية وعالمية): كل لجنة تطالب بتغيير الإسلام وفق باعثها وهدفها ومصلحتها: لجنة المنافقين التي تطالب بتغيير آيات المنافقين.. ولجنة الطغاة والظلمة التي تطالب بتغيير الآيات التي تدين هؤلاء وتدمدم عليهم.. ولجنة أبي لهب التي تطالب بتغيير سورة الحسد.. ولجنة أعداء البهجة والجمال التي تطالب بتغيير الآيات الحافزة على النظر في الجمال والتمتع بأريجه وروائه.. ولجنة الغش والتطفيف التجاري التي تطالب بتغيير الآيات التي تجرّم الغشاشين والمطففين.. ولجنة العنصرية التي تطالب بتغيير آيات {وحدة الجنس البشري}.
هذا تنزل إلى مستوى المجادل - كما قلنا - وإلا فليس هناك موجب عقلي واحد لتغيير الإسلام، وهو - من قبل ومن بعد - تغيير مستحيل: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي».