المقالات

العدد 1894 - 18/02/2006

في مسألة الرد على الصور الدنماركية المسيئة

العنف والغوغائية والفوضى تخدم أعداء الإسلام

الرياض - د. عقيل العقيل

لا شك أن كل مسلم تألم مما حصل من نشر صور حاول أصحابها عبثاً الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فذاك عمل مشين ترفضه كل الأديان والشرائع، بل مجّه حتى العقلاء من غير المسلمين. وتبعاً لهذا الحدث الآثم تنادت صيحات المسلمين واجتمعت كلمتهم على إنكار هذا الإجرام بحق رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم ومع ما في هذا الحدث من سوء إلا أنه فتح أبواباً للخير والتفت المسلمون إلى الدعوة إلى الله التي هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وسبيله القويم وأخذوا يبينون للناس سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الناس المسلم والكافر وهذا باب عظيم ستكون له ثمار يانعة بإذن الله.. وإنما الذي يخشى منه اندفاع البعض في أعمال غوغائية غير متعقلة ترجع بآثار عكسية على الإسلام وأهله وتخدم الأعداء وتمكن لهم من المسلمين.
وقد التقت «اليمامة» بمجموعة من المشايخ الذين طالبوا إخوانهم بالتعقل والعمل بحذر وترك الجري وراء العواطف غير المتعقلة.

بداية تحدث الشيخ د. عادل بن عبدالله العبد الجبار المشرف التربوي بإدارة التربية والتعليم بالرياض فقال: لا شك أن ما حدث من نشر صور تسيء إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه عمل إجرامي بحق الإنسانية أجمع فالرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث للثقلين الإنس والجن وهو رسول الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين) وهو خاتم النبيين - فلا تقبل أي شرعة أن يساء إلى نبي من أنبياء الله.
ولقد شفا صدورنا اجتماع كلمة الأمة وتنادي أبنائها لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ووجه العلماء والعقلاء والناصحون أبناء الأمة إلى استثمار الحدث فيما من شأنه نصرة دين محمد صلى الله عليه وسلم وجذب أنظار الناس أجمع لهذا الدين ولهذا الرسول المصطفى ببيان سيرته ومنهجه وإيضاح ذلك للناس وحمل لواء الدعوة إلى الله كما حمله صلى الله عليه وسلم من قبل - ولكن ما نخشاه على هذه المسيرة المباركة والتلاحم العظيم أقول: أخشى ما نخشاه: الحماس غير المنضبط والجري وراء العواطف التي إذا لم يحكم العقل فيها أهلكت أهلها وجنت على الأمة فإحراق السفارات وقتل الأبرياء من المعاهدين والمستأمنين جريمة لا يقرها الإسلام ولا تخدم الإسلام ولا المسلمين، بل تسيء للإسلام وأهله وتخدم أهداف أعداء الإسلام وتكون شاهداً على دعوى الحاقدين منهم الذين يصفون الإسلام بالإرهاب فاحذر يا رعاك الله أن تكون طعماً وصيداً سهلاً لأعداء الإسلام - فهم يتمنون هذه الأعمال لتكون شاهد عيان ضدك فإياك ثم إياك أن تمكنهم من ذلك.
ثم تحدث د. عبدالله بن عبدالعزيز الخضير المستشار في وكالة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لشؤون المطبوعات والبحث العلمي فقال:
إن دين الإسلام هو أعظم نعمة أنعم الله بها على الناس، بإقامته والاستمساك به تصلح أحوالهم كلها وتستقيم شؤونهم جميعها، ويسعدون في الحال والمآل؛ لأنه منهاج حياة كامل يظفر من التزم به واستقام عليه بالحياة الطيبة عاجلاً وبالسعادة الأبدية آجلاً، به يزكو باطن الإنسان وتصلح سريرته، وبه يستقيم ظاهر الإنسان وتحسن علانيته ويرتفع ذكره ويزداد وداً في قلوب الناس.
والناظر في حال المسلمين اليوم يرى كثيراً منهم ذا فهم قاصر للإسلام، حيث يظنون أن الإسلام محصور في جوانب معينة، وقد أسهم في ترسيخ هذا وتنميته في نفوسهم أولئك الذين نظروا إلى الإسلام كنظرتهم إلى غيره من الأديان؛ فدعوا إلى قصره على مجال معين وحصره في نطاق ضيق؛ فنتج عن الاستجابة لهذه الدعوة تعميق ما في نفوس أكثر المسلمين من فهم قاصر للإسلام.
إن للانتماء إلى الإسلام والانتساب إليه والتدين به لوازم ومقتضيات، وإن للالتزام به دلائل وأمارات.
إن الإسلام ليس مجرد معتقدات باطنه، وليس مقصوراً على عبادات ظاهرة، ولا منحصراً في أخلاق يتحلى بها الإنسان.
إنه شامل لهذه الأنواع كلها ومنتظم لهذه الجوانب جميعها.
وإن على من يدين بالإسلام وينتمي إليه أموراً من أهمها ما يأتي:
أولاً: فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وإدراك شموله لجوانب الحياة كافة.
ثانياً: الالتزام الواعي بالإسلام، وتمثله تمثلاً صحيحاً باطناً وظاهراً: فإن من أعظم أسباب جهل الناس بالإسلام وصدودهم عنه إخلال كثير من أهله به وبما يقتضيه انتسابهم إليه.
ثالثاً: الرضا التام به، والفرح والاغتباط بالتدين به، والاعتزاز بالانتماء إليه.
رابعاً: شكر الله عزّ وجلّ واللهج بالثناء عليه سبحانه، وسؤاله الثبات على الإسلام.
خامساً: الإسهام في نشر الإسلام الصحيح بين الناس، ودعوتهم إليه، وتصحيح فهمهم له، وعرض محاسنه وجوانب كماله لهم.
ثم تحدث د. عبدالله بن أحمد العمري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال:
إن الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هي إساءة إلى الإسلام وأهله، وإن تداعي المسلمين في أنحاء الأرض واحتجاجهم واستنكارهم ومقاطعتهم، إن ذلك من نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن نصرة الدين، وقد اختلفت وتباينت ردود الفعل عند المسلمين بحسب أهل كل بلد وبحسب ما يراه الناس في كل بلد مناسباً ولكن لو أردنا أن نلخص ما يجب أن تكون عليه ردة فعل المسلمين لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلنا يجب أن تكون تلك التصرفات والأفعال والأقوال موافقة لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أعتداء ولا تدمير ولا فوضى ولا تحميل أحد وزر أحد، وإنما استذكار لأخلاقه صلى الله عليه وسلم ونصر لدينه واتباع لسنته ثم محاربة العدو بما يتوافق مع منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منهج الحكمة والهدوء والتعقل وعدم الانفعال غير المنضبط وإظهار سلوك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين بأنه السلوك الراقي الذي لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد ولا يتجاوز حدود الشرع في الانتقام، وإنما استغلال للحدث لبيان كبر جرم ما أقدم عليه المستهزئون وذلك بإبراز صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة وما قدمه للبشرية جمعاء من خير ونور وفضل وارتقاء بالعقل البشري من الجاهلية إلى نور اليقين والعلم، وإبراز ذلك بحقائق التاريخ التي زيّفها الأعداء وحرّفوها، وكذلك بإبراز الحق في كل ما أثير حوله عليه الصلاة والسلام من شبهات باطلة وادعاءات كاذبة، فالعقل الغربي مغيب تماماً عن حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنسانيته وأخلاقه وقيادته وأبوته وإدارته وتعامله مع أصدقائه ومع أعدائه ومع الإنسان والحيوان، بل مع كل ما خلق الله على وجه البسيطة.
إن من الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار ما قال عنه المنصفون من غير المسلمين فالحق ما شهدت به الأعداء.
وإن من الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيان أن أتباعه في الوقت الحاضر وإن زعموا أنهم متبعون له إلا أنهم لا يمثلون حقيقة اتباعه، وأن ما هم فيه من تخلف وتقصير وعدم التزام كامل بتعاليمه، إنما ذلك يعود إلى خلل في تلقيهم عنه واهتمامهم بذلك، ويقال مثل ذلك للذين يستخدمون العنف والغوغائية والفوضى في ردة فعلهم تجاه الإساءة إليه عليه الصلاة والسلام فلا يعرفونه عليه الصلاة والسلام وما كان يتحلى به من خلق وما دعا إليه من حلم وأناة وصبر ما فعلوا من ذلك شيء.
فليكن ردنا هو اتباعه عليه الصلاة والسلام اتباعاً كاملاً والسير على منهجه واقتفاء أثره وسنعلم حينئذ كيف يكون الرد وبالله التوفيق.