المقالات

العدد 1902 - 15/04/2006

اليمامة تراقب جيوش العاطلين العرب

هم عربي كلفته صعبة!!! البطالة

البطالة.. غول يهدد المجتمعات العربية، ويمسك بخناق أصحاب القرار، صفوف العاطلين لا تنتهي، ولا يعرف متى تتلاشى أو حتى تختزل؟ المعضلة لا تخص الرجال وحدهم، لكنها باتت هماً لدى النساء اللائي حزمن أمرهن وحملن مؤهلاتهن وأسلحتهن عازمات على مزاحمة الرجال والانتصار ولو بوسائل ملتوية لإقصاء الرجل عن الوظيفة!
قضية التوظيف بين المرأة والرجل باتت أمراً مثيراً للجدل وتبادل الاتهامات، فالنساء يشتكين مما يسمونه «التمييز المهني» ضدهن بينما يرى فريق كبير من الرجال أن حواء تحارب آدم، ولا تريد له أن يظفر بالوظيفة، ولتفز هي بها لنفسها، ولتدفع الرجال إلى ساحة البطالة!!

وبين جدل الوظيفة بين الرجال والنساء، هناك طرائف حقيقية تتحدث عن جامعيات يفضلن العمل كخادمات في المنازل على الوظيفة الحكومية، وأكثر من ذلك فإن فتاة حاملة درجة الماجستير في علم النفس، عزفت عن الوظيفة واختارت العمل كخادمة لدى إحدى بيوت الأزياء لتحصل على راتب شهري يتجاوز الألف جنيه مصري بخلاف الحوافز والامتيازات الأخرى.. وتقول ليس المهم نوع العمل بل الدخل هو الأهم!!
الأرقام.. التي تتحدث عن البطالة مفزعة ومخيفة، وإيجاد وظائف لطالبيها يحتاج إلى مليارات الدولارات التي لا قبل للحكومات بها.. والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه.. من المسؤول وكيف السبيل للخروج من وطأة محنة البطالة وما تجره من مشكلات خطيرة تعصف بالمجتمعات العربية، اقتصادياً واجتماعياً وسلوكياً؟
والإجابة على هذه التساؤلات ربما تجدها في ثنايا هذا الملف الذي تفتحه «اليمامة».. فإلى التفاصيل:

الإمارات.. غياب سياسة وطنية للتوظيف
ولنبدأ من الإمارات العربية حيث أكدت دراسة أجراها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بـ أبو ظبي أن البطالة في البلاد بدأت بالتحول إلى ظاهرة ملموسة لا بد من مواجهتها مع زيادة عدد خريجي الجامعات من الإماراتيين المؤهلين أكاديمياً، ففي عام 2000م تخرج أكثر من 9000طالب وطالبة، ولم يعمل منهم سوى 22.6، حيث يبتعد الخريج عن الوظائف الفنية التي يعمل بها العمال الأجانب، وعن القطاع الخاص، ثم إن غياب التنسيق بين مخرجات التعليم من جهة وسوق العمل من جهة أخرى أثر على الاحتياجات الفعلية للمجتمع من التخصصات المطلوبة، إضافة لذلك تعاني الدولة من انخفاض مساهمة القطاع الخاص في تدريب وتأهيل المواطنين، كما يشير بعض الخبراء إلى أن البطالة في الإمارات لا تكمن في عدم وجود فرص عمل للخريجين بقدر ما تتمثل في غياب سياسة وطنية للتوظيف، وعدم وجود خطط ورؤى مستقبلية تتعلق بخلل تركيبة القوى العاملة في الدولة، في حين توقع خبراء آخرون ازدياد الخلل وانكماش نسبة العمالة الوطنية لتصل إلى8.3 عام 2015م بدلاً من زيادتها، ولهذا تبنت الدولة مواجهة ظاهرة البطالة وبدأت العمل لخفض معدلاتها إلى أدنى المستويات من خلال مشروع الاستراتيجية الوطنية للتنمية وتوظيف القوى العاملة الوطنية بدءاً من عام 1998م حتى عام 2015م، كما أعلنت الدولة ربط إصدار تصاريح العمالة الوافدة في القطاع الخاص بخطة توطين الوظائف فيه.
ويؤكد جابر الخميري، مدير مكتب هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية (بالإمارات)، أن عملية توظيف المواطنين في القطاع الخاص تعاني من ثغرة كبيرة نتيجة الصورة المغلوطة لدى كل طرف عن الآخر، حيث لا يثق أصحاب العمل في كفاءة الموظف المواطن، ويتخوفون من عدم ولائه لعمله، بينما يتخوف المواطن من عدم تقبل شركات القطاع الخاص له، وعدم رغبتها في استخدامه، مما يتوجب عقد لقاءات وورش عمل لتوضيح الصورة لدى الطرفين. وأشار الخميري إلى أن عدد الباحثين عن عمل المسجلين لدى الهيئة بلغ حتى نهاية أغسطس 2005م حوالي 20ألف مواطن ومواطنة.
وكشف الخميري أن هناك قطاعات كثيرة لا يقبل عليها المواطنون، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قطاع السفر والسياحة، حيث أظهرت إحصائية مصغرة قامت بها «الهيئة»، أن 59من الباحثين عن عمل لا يرغبون في العمل كمرشدين سياحيين، كما أظهرت أن 47من العينة تعتبر أن مكاتب السياحة والسفر لا ترغب في عمل المواطنين لديها.

الكويت.. خلل في التركيبة السكانية وسوق العمل
وفي الكويت.. طالبت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بقصر استخدام العمالة الوافدة على الخبرات والتخصصات الفنية التي يحتاجها سوق العمل فقط، في محاولة منها للحد من البطالة التي كانت قد وصلت إلى 7.4عام 2001م، ثم ارتفعت إلى 11، وخلال عام 2005م وصل عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 35ألف مواطن، كما ارتفع عدد النساء العاطلات عن العمل عام 2003م مقارنة مع الذكور إذ بلغت 88، لكن ما يثير الاهتمام هو أن العمالة الوطنية التي كانت تشكل 16عام 2003م بدأت بالتضاؤل، حيث وصل عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص إلى 2، بينما وصلت النسبة في القطاع الحكومي إلى 70. كما أدى خلل التركيبة السكانية إلى خلل تركيبة قوة العمل، وبالتالي تزايد أعداد المواطنين العاطلين والمسجلين لدى الجهات المختصة طلباً للعمل، لدرجة استرعت انتباه ومخاوف أصحاب القرار والمسؤولين عن قضايا التوظيف والتخطيط للقوى العاملة.
وأرجع برنامج عمل الحكومة عام 2003م البطالة إلى ثلاثة عوامل أولها البطالة الاختيارية التي تتمثل في رفض 3803مرشحين من ديوان الخدمة المدنية للوظائف التي رشحوا لها، إضافة لوجود 19ألف مواطن عاطل عن العمل لعدم تناسب التخصصات مع احتياجات سوق العمل، إضافة للبطالة المقنعة المتمثلة في انخفاض إنتاجية العمالة الوطنية، وذلك بوجود 18.5يعملون في قطاع الخدمات.

سوريا.. مطلوب 40مليار دولار
لتحديث الاقتصاد
وفي سوريا يقدر عدد العاطلين عن العمل بـ 3 ملايين شخص، وهذا يشكل حوالي 54من قوة العمل في سوريا ونتيجة ذلك تزيد الخسائر على 11 مليار دولار سنوياً، كما أن البطالة المقنعة في سوريا تحتاج إلى توفير ما لا يقل عن 40مليار دولار لتحديث الاقتصاد الوطني.
أمام هذا الواقع جاء إعلان الحكومة الذي يهدف إلى تأمين 60ألف وظيفة في موازنة عام 2006م، علماً أنه ولثلاث سنوات سابقة كانت حصيلة فرص العمل التي أمنتها الدولة أقل من 74ألفاً من أصل مليون طلب عمل حسب الحصيلة الرسمية، أغلبية أصحابها من حملة الشهادة الابتدائية وما دون.
ومما يزيد من مأساوية الواقع إحصائية مديرية القوى العاملة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، التي أظهرت أن أكثر من مليون ومائة ألف عاطل عن العمل تقدموا إلى مكاتب التوظيف خلال الفترة من 1-3-2001م ولغاية 30-9-2004م، وظف منهم أقل من 64 ألفاً، كان معظمهم من الفئة الأقل تعلماً، حيث تم تأمين قرابة 22500ألف وظيفة لحملة الابتدائية، أما خريجو الجامعة فلم يعمل منهم سوى ما يقارب 6600 خريج.
ولحل مشكلة البطالة في سوريا اتخذت الحكومة طريقين: الأول، مكاتب التوظيف، والثاني، تشكيل هيئة لمكافحة البطالة إذ تنتشر مكاتب التشغيل في المحافظات السورية ومهمتها كما يقول مدير القوى العاملة في وزارة الشؤون الاجتماعية محمد ذياب تشغيل المتقدمين بطلبات عمل وفق حاجة القطاع العام لإملاء الشواغر المتاحة له، مضيفاً أن تشغيل طلاب الجامعات يخضع لحاجة دوائر الدولة سواء من خلال التعيين بالتعاقد أو تعيين خبراء فهذا يتم عن طريق مكاتب التوظيف أو عن طريق المسابقات ووفق الحاجة.

تونس.. 68 من الشباب عاطلون
وفي تونس.. يتسم وضع استيعاب البطالة بمفارقة تتمثل في أن أكثر القطاعات إحداثاً للوظائف هي الأقل تشغيلاً لليد العاملة الماهرة، مثل قطاعات الزراعة والبناء والنسيج والتجارة، في المقابل يتميز قطاع الصناعات عدا النسيج وقطاع الخدمات الخاصة عدا التجارة بتحقيق نسبة عالية من استحداث الوظائف وتشغيل الأيدي العاملة الماهرة في ذات الوقت.
وبشكل عام يلاحظ أن العاطلين عن العمل في تونس دون سن الثلاثين عاماً يمثلون 68 سنة 2003م، في حين أن خريجي المدارس الثانوية ومؤسسات التعليم العالي الذين يمثلون 41 من السكان النشطين ترتفع حصتهم من التشغيل إلى 17 فيما تقل حصتهم من البطالة لـ 42، بعكس الوضع بالنسبة لليد العاملة متدنية التعليم والتي تمثل 60 من السكان، وترتفع حصتها من البطالة لـ 58، مما يدل على أن فرصة الحصول على عمل ترتفع مع ارتفاع مستوى التعليم، ورغم ذلك يبلغ معدل البطالة 10 عند أصحاب التعليم المتدني.

المغرب.. البطالة تقود لحركات التنصير!
وفي المغرب، فإن الصورة ليست أفضل حالاً، من تلك الصورة السلبية والمقلقة التي تعيشها أغلب المجتمعات العربية، لكن ربما تزيد بعداً أو لوناً في معالم الصورة تميزها عن تلك التي تعاني منها المجتمعات العربية الأخرى، تتمثل في كونها تتجاوز حدود التداعيات السلبية لمعضلة البطالة عند الجوانب الاقتصادية والاجتماعية إلى ما يمس هوية المجتمع وعقيدته الإسلامية، حيث تدفع ظروف البطالة والتهميش والحاجة شريحة من الشباب إلى الارتماء في أحضان الحركات التبشيرية التنصيرية والانسلاخ عن الدين الإسلامي، أو تدفع بالبعض الآخر إلى ركوب قوارب الموت عبر البحر المتوسط إلى حيث الجنة المزعومة أو الجري وراء وهم الانتشال من الواقع الاقتصادي المرير في الوطن إلى رخاء أوروبا ونعيمها!!
وتشير التقديرات إلى أن عدد العاطلين في المغرب بلغ في عام 1999م أكثر من 1.4مليون عاطل، انخفض في عام 2003م قليلاً إلى 1.3مليوناً، وواصل الانخفاض إلى 1.2مليوناً عام 2003م، وهو ما يمثل نسبة 12من مجموع السكان، لكن بعض الدراسات تطرح صورة أكثر قتامة وسوداوية أن تقدر حجم البطالة الحقيقية في المغرب بنسبة ثلث السكان البالغ عددهم 30مليون نسمة أي نحو نحو عشرة ملايين عاطل!!
بطالة مقنعة
وتفيد آخر الإحصائيات أن عدد العاطلين في المدن المغربية بلغ 850ألفاً، هذا الرقم يشمل فقط أصحاب البطالة المزمنة، ولا يتعلق بالبطالة الموسمية، أي العاطلين الذين يعملون فقط خلال مواسم محددة، كما لا يضم جيوش البطالة المقنعة أي العاملين الهامشيين في حرف دنيا مثل مسح الأحذية.
ومنذ حصول المغرب على استقلاله سنة 1956كان الاتجاه السائد بأن الدولة هي المشغل الوحيد فترسخت ثقافة عامة مفادها أن الحصول على شهادة جامعية تعني الحصول على وظيفة أو منصب ومما شجع على تفشي هذه الثقافة احتكار مؤسسات الدولة للآليات المالية والاقتصادية والقانونية مقابل تلاشي دور القطاع الخاص الذي ظل مبعداً عن أي حركة تنموية حيث كانت الدولة هي المستثمر الأول القادر على استيعاب باقي التشكيلات الاجتماعية إلا أنه ومع حلول بداية عقد الثمانينيات وما عرفه من أزمة حادة عصفت بالاقتصاد الوطني وارتفاع نسبة الدين الخارجي، وأجبر المغرب من قبل المؤسسات المالية العالمية على إجراء تدابير إصلاحية ترتكز أساساً على تخلي الدولة عن دعم القطاعات الاجتماعية وتخصيص المنشآت الصناعية الأمر الذي نجم عنه تحول جذري في طبيعة الشكل الإنتاجي السائد حيث تراجع الاستثمار العام لصالح القطاع الخاص ليتراجع التوظيف في مؤسسات الدولة.

الجريمة من رحم البطالة
وقد بدأت المشكلة تتفاقم ابتداء من سنة 1982م في ظل معدل بطالة يرتفع باستمرار حيث تراجعت الدولة عن نشاطها الاقتصادي وتحللها تدريجياً عن التزاماتها الاجتماعية إذ يتجلى ذلك من خلال الاستغناء عن سياسة تشغيل الخريجين الجدد في إطار الخدمة المدنية التي كانت إجبارية.
كما كان للاستخدام المفرط للوسائل التكنولوجية المتطورة دور أساسي في ارتفاع نسبة العاطلين فهذه الوسائل لا تسمح باستيعاب أعداد كبيرة من العمال.
تعد قضية النصب والاحتيال التي راح ضحيتها ما يزيد عن 30ألف شاب مغربي من طرف شركة النجاة الإماراتية والتي لم يبت فيها القضاء المغربي بعد بحكم تورط العديد من المسؤولين الكبار أحد أبرز مظاهر وتجليات أزمة البطالة بالمغرب كما كشفت هذه القضية ضعف الاستراتيجية المتبعة من قبل الحكومات المغربية المتعاقبة على مواجهة هذه الظاهرة ووضع حد لتفشيها. كما تتضح مظاهر البطالة في ارتفاع نسبة الجريمة وأعمال العنف إذ لم يعد خافياً على أحد أن السجون المغربية ملأى بالآلاف من الأشخاص الذين انزلقوا إلى الجريمة بسبب معضلة البطالة.

لبنان.. «بورصة» البطالة.. منتعشة
كانت نسبة البطالة في لبنان عام 1970م 8.1وتضاعفت أيام الحرب، مما دفع الشباب إلى الانخراط في الميليشيات والأحزاب المسلحة التي تدفع رواتب ثابتة للشباب، لكن هذه النسبة انخفضت بعد الحرب إلى 7.3(عام 1995م) بعد أن فتح لبنان أبوابه أمام الشركات الأجنبية للاستثمار فيه مجدداً وتدفقت بذلك الرساميل اللبنانية لإعادة بناء الوطن من جديد، ومنذ عام 2000م، بدأت «بورصة» البطالة في الازدياد يوماً بعد آخر، وتغيرت أنماط العمل والإنتاج، والسلوك، والقيم الاجتماعية، ونستشهد هنا بحجم الطلبات المقدمة إلى المجلس الوطني للاستخدام، وقد بلغ عددها 3659طلب عمل فعلياً منذ سنتين، إلا أن عدد الطلبات الموجودة في المجلس تزيد على 00032 وإن كنا تعرفنا إلى هذا الرقم الخطير من مجلس الخدمة المدنية، إلا أن غياب الإحصاءات الفعلية والأرقام الحقيقية تفيدنا بأن العدد أكبر من ذلك بكثير، وتزداد أزمة البطالة بين الشباب الخريجين، خاصة وأن سوق العمل في لبنان حالياً يعجز عن توفير فرص عمل لهذه الأعداد الكبيرة من الخريجين سنوياً.

مصر.. إذا عزت الوظيفة فعليك بالهجرة!
تشير الأرقام الرسمية إلى أن البطالة في مصر وصلت نسبتها إلى 9,9 لكن الواقع كثيراً ما يختلف فتكون نسبته أكثر من ذلك بكثير، وفي كل عام ينضم إلى سوق العمل 055 ألف شخص، وتشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن قوة العمل تنمو بنسبة تتراوح بين 5,5- 6 سنوياً، لكننا إذا قارنا النسبة الرسمية بعدد السكان، نجد أن عدد العاطلين يبلغ 7 ملايين، والمشكلة تكمن في أن نسبة البطالة بين الشباب القادر على العمل تصل إلى 52، والأخطر أنها تتركز بين الشباب المتعلمين وخريجي الجامعات حيث تصل إلى 07 من حملة الشهادات المتوسطة، أما بين الأميين فتصل إلى 7,4!.
وهكذا أدرك معظم الشباب أن سوق العمل أصبح ضيقاً للغاية رغم المحاولات الحكومية لخلق فرص عمل، وأصبح كل شاب يجتهد بنفسه لإيجاد أية فرصة عمل وليس شرطاً أن تتطابق مع مؤهله أو تخصصه، وكثيرون اتجهوا لمجالات جديدة غير تقليدية، خاصة بعد أن درسوا متطلبات سوق العمل الذي أصبح محتاجاً لمن يجيد اللغات الأجنبية والتعامل مع الوسائل التكنولوجية الحديثة مثل الحاسب الآلي، فاتجه الكثيرون إلى إعداد أنفسهم من خلال الدورات التدريبية.
وإذا كان هذا النوع من التفكير يعد نموذجاً إيجابياً فإن هناك نموذجاً آخر سلبياً يركز أصحابه من الشباب كل اهتمامهم فقط على مسألة الهجرة إلى خارج الوطن والقيام بأي عمل مهما كان متواضعاً كغسيل الصحون أو بيع الصحف والعمل في محطات البنزين وخلافه، لذلك نرى مشهداً يكاد يكون شبه يومي من الزحام والطوابير المكدسة أمام أبواب السفارات الأجنبية وخاصة سفارات كندا والنمسا وأستراليا والولايات المتحدة ناهيك عن سفارات الدول العربية الخليجية.

النساء ينضممن لصفوف
العاطلين لرجال
لكن قضية البطالة، لم تعد أمراً قاصراً على الرجال وحدهم، بل انضم إلى صفوف العاطلين جموع كبيرة من النساء أيضاً، سواء في مصر أو في باقي الدول العربية، غير أن بعض خبراء الاجتماع يعتقدون أن السنوات الأخيرة أعطت للمرأة حظاً أوفر - نسبياً - عن الرجل، بعد النقلة النوعية التي صاحبت التوجه العالمي للاهتمام بالمرأة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، في ظل النغمة السائدة التي تحاول تشويه بعض المجتمعات العربية، وتطالب بالدفاع عن المرأة ضد «ذكورية» المجتمع العربي!!
وبدأت حواء تزاحم حتى في المهن التي كانت حكراً على الرجل والتي تستوجب قدرة عضلية وبدنية، وتقول الدكتورة نجوى الفوال أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية (بالقاهرة) إن استعانة بعض الشركات بالمرأة وربما تفضيلها على الرجل أدى إلى ازدياد البطالة بين الخريجين من الشباب، في ظل تدني الأجور وانخفاض معدلات المرتبات، الأمر الذي قاد إلى خروج المرأة لاحتلال الوظائف الشاغرة بأجور بسيطة، تتناسب مع رغبة أصحاب القطاع الخاص.
لكن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم، وبدول الشرق الأوسط بشكل أساسي، نتج عنها تصفية العديد من الشركات، ودمجها في كيانات أكبر، وتسريح عمالتها، والاعتماد على التكنولوجيا.. مما أدى في نهاية المطاف إلى تضاؤل فرص العمل بالنسبة للشباب.. ناهيك عن قلة المعروض من الوظائف، التي لا تعترف إلا بأصحاب الكفاءات والتخصصات النادرة أو ذات الجودة العالية.

من السكرتارية إلى الخادمات
وعن تفاقم مشكلة البطالة بين الشباب نتيجة الكساد الاقتصادي العربي، مقارنة بأعداد النساء الغفيرة التي تحظى بفرص جيدة من العمل المتدني بعض الشيء يؤكد الدكتور محمد عبد الحليم عمر (أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر) أن القطاع الخاص أصبح يتبع سياسة تشغيل البنات في السكرتارية والإدارة والمحاسبة وأعمال الكمبيوتر، نظراً لتدني أجورهن بالمقارنة بالشباب الذين يرفضون العمل لساعات طويلة، بأجور زهيدة.
لكن هناك وظائف خاصة بحواء، ولا يزاحمها فيها الرجل.. حيث أثبتت المرأة فيها تفوقاً على نفسها.. وهي التمريض والتدريس في رياض الأطفال والحضانة والخدمة في البيوت. وتذكر الإحصاءات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة أن 52 من حجم عمالة البنات، يوجد في نطاق الخدمة في المنازل، التي تنحصر فيمن أقل من 51 سنة، بمرتبات تتراوح من 003 إلى 005 جنيه في الشهر. كما أن هناك نسبة أخذت في الازدياد بين الجامعيات اللاتي فضلن العمل كخادمات في بيوت الأثرياء بأجور تصل إلى ألف جنيه شهرياً على العمل في الحكومة بمؤهلاتهن الجامعية التي لا تلبي احتياجاتهن المادية ورغباتهن المعيشية!.
وتقول « هدى.ط» - ليسانس لغة عربية -: إنها لم تفكر في الالتحاق بوظيفة التدريس، ولا العمل الحكومي، لأنه لا يدرّ عليها دخلاً يوفر حياة آمنة، في ظل غلاء الحياة الاقتصادية الحالية، بمقدار ما وافقت على العمل كخادمة في منزل أحد الأثرياء لمدة عشر ساعات يومياً وبمرتب يصل إلى ألف جنيه في الشهر بخلاف المكافآت والكسوة!.

خادمة بدرجة ماجستير!
ومن جانبها تؤكد «هناء. س» - ماجستير في علم النفس - أنها اختارت أن تعمل خادمة لدى أسرة ثرية على أن تظل بدون عمل كي تنفق على نفسها وعلى دراستها، مؤكدة أنها لا يعنيها نوع العمل، بقدر ما يعنيها العمل في حد ذاته.
ويرى مجدي أبو الفتوح - باحث اجتماعي - أن أكثر نسبة من النساء العاملات، يقمن بأعمال البيع في المحلات، أو أعمال السكرتارية، وبأجور ضئيلة جداً، لا يقبل بها الرجال، مما خلق نوعاً من انتعاش عمل المرأة مقارنة بعمل الرجل خاصة في العواصم والمدن التجارية.
وتأتى هذه الزيادة المستمرة في أعداد النساء العاملات لتؤكد على أن عصر المرأة المعيلة والعاملة قد بدأ، وأنها نافست الرجل في كمية المعروض من الوظائف، برغم قلتها!. وفي دراسة جامعية للباحث أيمن عبد المجيد توصل إلى أن 56 من أسباب بطالة الرجل وقلة الفرص المواتية لهم في العمل، ترجع إلى التجاء أصحاب الشركات والقائمين على أمرها الذين يعتمدون في الأعم الأغلب على عمالة النساء، وفي استبعاد الرجال بسبب مغالاتهم في تقدير رواتبهم التي تتضاءل كثيراً بالنسبة للمرأة.

المرأة تنافس الرجال في الفضائيات
وفي مجال الإعلام احتلت المرأة مكانة مميزة، وتبوأت أعلى المناصب القيادية، وتفوقت على الرجل - إعلامياً- خاصة في الفضائيات، وبأعداد غفيرة، حيث سمحت لها ظروف العمل في هذا المجال، في إبراز مواهبها وتقديم البرامج وإعدادها بصورة تكون أحياناً أفضل من الرجل، الذي اختفى تقريباً من المشهد الإعلامي بسبب الرسالة الإعلامية في هذه الفضائيات القائمة على جذب أنظار المشاهدين بوسائل الإثارة وتبذل المرأة التي تم تخصيص أغلب الفقرات والبرامج لها لتحقيق أعلى نسبة مشاهدة نتيجة وجود الأغاني وغيرها من الأعمال الفنية - كما يقول الإعلامي المصري جمال الشاعر - بينما اختفت البرامج الثقافية والفكرية والسياسية الهادفة، واختفى معها تواجد الرجل إعلامياً بصورة مذهلة في معظم الفضائيات التي خصصت أوقاتها للمرأة لتعرض ما تريد.. وبحسب أن الفضائيات العربية التي تصل إلى 061 فضائية، نكاد لا نجد فيها سوى عدد قليل جداً يلبي رغبات المشاهد أو يشبع ظمأه الثقافي والفكري!.

الطريق ليس مفروشاً بالورود!
وفي بيروت.. هناك من يخالف هذه النظرة، ويرون أن المرأة تواجه الكثير من المصاعب في رحلتها للبحث عن وظيفة، وأن الطريق ليس مفروشاً بالورود كي تنقض حواء على الوظيفة وتحرم الرجل من فرصة، لتدفعه إلى طوابير العاطلين، وأن كثيرات لم يجدن عملاً مناسباً رغم حصولهن على درجات علمية، وإجادتهن للعديد من المهارات، تقول راميا القوجة (42 عاما) التي تحمل شهادة «مساعد مجاز في طب الأسنان»: «أريد أن أعمل لا بهدف المال، ولا لمساعدة الزوج، بل من أجل ملء وقت الفراغ بما يعود بالفائدة على المجتمع، وأيضاً كي أحقق ذاتي من خلال هذا العمل، وبالرغم من ذلك لم أجد حتى الآن عملاً مناسباً، بسبب تجربة عمل سيئة سابقة، حيث كان رب العمل يتعامل مع الموظفات بطريقة فظة، ويعتقد أنهن أقل خبرة من الرجال مما يشعرني بالإحباط دوماً، إضافة إلى جو العمل كان متوتراً جداً، وساعات الدوام طويلة».
ولذلك يمكن أن نعتبر «التمييز المهني حسب النوع» السبب الأول لانتشار بطالة النساء، وكانت الطالبات يخترن فرع الجامعة أو المعهد بما يتناسب مع عمل مقبول مجتمعياً فيما بعد، ولكن ومع تطور الجامعات وتعدد فروعها، ظهر جيل من المتعلمات الطموحات لاختراق ممالك الرجال، فدرسن أصعب التخصصات العلمية مثل الهندسة والطب والسياسة وحتى الطيران!، إلا أن الواقع كان أصعب من أن يغيرنه.

مخرجة تليفزيونية!
يارا الخشن، طالبة جامعية (تخصص اتصال جماهيري)، تضع عينيها على الإخراج التلفزيوني، وتؤكد أن هذا المجال لا يزال غير مطروق بالنسبة للفتيات، لذلك تقول إنها ليست بحاجة «لواسطة»، فالأمل في الترحيب بها فور التخرج كبير، خاصة وأنها تملك من المعلومات والكفاءة ما يؤهلها لهذا العمل، وإن كانت لا تتوقع أن يكون الطريق ممهداً ومفروشاً بالورود. أما أمل العبد الله، التي تحمل درجة جامعية في الفيزياء، فتقول: «لم يعد المؤهل العلمي وحده كافيًا للفوز بفرصة عمل، في ظل كثرة أعداد الخريجات، ما يجعل السباق بين الخريجات محموماً لشغل فرص محدودة.
والملاحظ في العالم العربي أن عمل النساء ينحصر في عدد محدود من المهن والتي تقع غالباً في درجات منخفضة وأحياناً قليلة مرتفعة من السلم الوظيفي، حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من ثلثي النساء العربيات يعملن في القطاع الزراعي، والثلث الباقي يعملن في مهن مثل: الطب والهندسة والتعليم والإدارة والوظائف الفنية، كما لا يوجد سوى نسبة 21 منهن يعملن في قطاع الإنتاج والمبيعات. وهذا التوزيع يتناسب إلى حد بعيد مع الأوضاع التعليمية للمرأة العربية، فبعض المهن تسيطر عليها النساء مثل التمريض والخدمة الاجتماعية (86 بالنسبة للتمريض و04 للتدريس)، بل إن 05 من خريجي كليات الصيدلة والتمريض العربية من النساء، ويرجع تأنيث القطاع الحكومي إلى أن ظروف العمل في هذا القطاع تكون مناسبة أكثر لظروف المرأة العربية من حيث مواعيد العمل والإجازات والجهد والراتب.
أما السبب الثاني لبطالة النساء فهو تفضيل الرجل على المرأة في العمل» وعن ذلك يقول مغاوري شلبي، الكاتب المتخصص في الشؤون الاقتصادية: على الرغم من أن البطالة ظاهرة عامة في سوق العمل العربي إلا أن وقع هذه الظاهرة أكثر حدة على النساء منه على الرجال، حيث إن معدلات البطالة بين النساء العربيات تصل إلى 52 حالياً، في حين أنها تبلغ في المتوسط العام (الرجال والنساء) حوالي 9، ويرجع هذا إلى أن معظم قطاعات العمل، الخاصة وبعض الحكومية، تفضل توظيف الرجال أكثر من النساء بسبب ظروف النساء الخاصة بالإجازات والحمل والرضاعة وغيرها.
أما السبب الثالث لبطالة النساء فهو «تدني أجور وظروف عمل المرأة»، فالفتاة ديمة محمد، وهي متزوجة وحاصلة على دبلوم إعداد معلمين، ظلت تبحث عن عمل مناسب لفترة طويلة دون جدوى، إلى أن تيسرت لها وظيفة سكرتيرة في إحدى العيادات الطبية، بأجر زهيد.

التمييز ضد المرأة!
رئيسة تحرير مجلة «أدب ونقد»، ورئيسة ملتقى الهيئات لتنمية المرأة في مصر، فريدة النقاش، تقول معلقة على الموضوع: «تشغلني بشكل أساسي قضية البطالة بين النساء حيث تصل 3 أضعاف البطالة في أوساط الرجال». وتصف طبيعة عمل ملتقى الهيئات لتنمية المرأة بالقول: «الأساس الفكري للملتقى هو الاتفاقية الدولية لإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، وقد تم الاتفاق على هذا الأساس فيما بيننا لقطع الطريق على الذين ينادون بعودة المرأة إلى المنزل وعدم خروجها للعمل واعتبار المرأة هي المسؤولة عن البطالة، أو يرون أن هناك حقوقاً لا يجب أن تحصل عليها المرأة، وفي الغالب مثل هذه الأفكار كانت تطلق باسم الدين».
أما د. حسان المالح فيرى أنه وبالرغم من أن العمل المنزلي له أهميته الكبيرة، إلا أن «أهمية الأعمال المنزلية تغيرت مع تطور الأجهزة المنزلية واستعمال الكهرباء وتقنيات الرفاهية المتنوعة المستعملة في الغسيل والتنظيف والطبخ، كما أن تربية الأطفال ورعايتهم أصبح لها متطلبات وأشكال أكثر تعقيداً من حيث ضرورة الثقافة والتعليم في العملية التربوية، وفي التغذية والرعاية الصحية وغير ذلك، كما أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمشكلات الحياتية اليومية التي تواجه مجتمعاتنا قد ساهمت في زيادة المتطلبات الاستهلاكية وفي زيادة النفقات والضرورات المادية التي تواجه الأسرة، إضافة إلى ضرورات التنمية والتحديث، وكل ذلك يؤدي إلى الاهتمام المتزايد بعمل المرأة المنتج خارج المنزل وداخله».
ويطالب المالح بتعديل القيم السلبية المرتبطة بعمل المرأة، وبتأكيد أهمية العمل وجوانبه الإيجابية وعدم إطلاق التعميمات الخاطئة أو السطحية حوله.

5,21 مليون عاطل عربي
تبرز العديد من ملامح مشكلة البطالة في العالم العربي ولتضع الرشوة على رأس القائمة حسب تقرير معهد البنك الدولي الذي صدر مؤخراً والتي بلغت تريليون دولار سنوياً وتوصف الدول العربية مثل غيرها من الدول النامية بأنها غارقة في الفساد الذي يؤدي إلى تفشي الأمراض الاجتماعية والبطالة وسوء الخدمات وانهيار بنية المجتمع، وقد وصلت حالة الفساد في بعض الدول العربية أن أصبحت له مؤسساته وميزانياته التي تتفوق أحياناً على ميزانية الدولة وتعيق الإصلاح وتزيد من معدلات البطالة في العالم العربي التي مثلت أحد التحديات الكبرى التي تواجه البلدان العربية لآثارها الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة وتزايد معدلاتها يوماً بعد يوم، وتوضح إحصاءات منظمة العمل العربية مدى خطورة ظاهرة البطالة على النحو التالي:
- تصل نسبة البطالة حالياً إلى 41 من إجمالي القوى العاملة العربية البالغة 09 مليوناً؛ مما يعني وجود 5,21 مليون عاطل، معظمهم من الشباب، ويتوقع ارتفاع هذا العدد بالنظر إلى أن حجم القوى العاملة العربية في ازدياد مطرد؛ فقد ارتفع من 56 مليون نسمة عام 3991م إلى 98 مليوناً في العام 9991م، ويتوقع أن يصل إلى 321 مليوناً في العام 0102م، فيما يقدر حجم الداخلين الجدد في سوق العمل العربية بنحو 3 ملايين عامل سنوياً.
- تستحوذ دول اتحاد المغرب العربي على الجانب الأكبر من قوة العمل العربية بنسبة 8,73؛ حيث يوجد بها حالياً 5,33 مليون عامل، من المتوقع زيادتها إلى 74 مليوناً عام 0102م، ثم دول مصر والأردن واليمن والعراق، وبها 2,52 مليوناً تصل إلى 53 مليوناً عام 0102 بنسبة 7,72، ودول مجلس التعاون الخليجي، وبها 3,8 ملايين تصل عام 0102م إلى 4,11 مليوناً بنسبة 3,9 من قوة العمل، فيما يتوزع الباقي، وهم 6,22 مليوناً، على بقية الدول العربية، ومن المنتظر زيادتهم إلى 03 مليوناً عام 0102م.
- تتفاوت معدلات البطالة من دولة عربية لأخرى؛ ففي الدول ذات الكثافة السكانية العالية، ترتفع حدة الظاهرة؛ حيث تبلغ 02 في اليمن، و12 في الجزائر، و71 في السودان، و9 في مصر، و8 في سورية، وفي المقابل تنخفض في دول الخليج العربي ذات الكثافة السكانية المنخفضة؛ ففي سلطنة عمان يوجد نحو 033 ألف عاطل عن العمل، وفي الكويت يصل العدد إلى 3 آلاف فقط.

أسباب البطالة العربية
وتشير دراسة صادرة من الجامعة العربية إلى أن هناك قواسم مشتركة أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة في الدول العربية أهمها: الأمية، وتدني المستوى التعليمي، وتخلف برامج التدريب، وعدم مواكبة السياسة التعليمية والتدريبية لمتطلبات سوق العمل المتجددة والمتغيرة، وإلى جانب هذه القواسم المشتركة يرجع الخبراء تفشي ظاهرة البطالة في العالم العربي إلى الأسباب التالية:
أولاً: فشل برامج التنمية في العناية بالجانب الاجتماعي بالقدر المناسب، وتراجع الأداء الاقتصادي، وتراجع قدرة القوانين المحفزة على الاستثمار في توليد فرص عمل بالقدر الكافي، والاستغناء عن خدمات بعض العاملين في ظل برامج الخصخصة والإصلاح الاقتصادي التي تستجيب لمتطلبات صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص.
ثانياً: ارتفاع معدل نمو العمالة العربية، مقابل انخفاض نمو الناتج القومي؛ ففي الوقت الذي يبلغ فيه نمو العمالة 5,2 سنوياً، فإن نمو الناتج القومي الإجمالي لا يسير بالوتيرة نفسها، بل يصل في بعض الدول العربية إلى الركود،وأحياناً يكون سالباً؛ فالدول العربية التي يتوافر فيها فائض العمالة تعاني من الركود الاقتصادي وعدم توافر أموال الاستثمار، وازدياد البطالة والديون؛ حيث يصل معدل النمو السنوي لدخل الفرد العامل في مصر إلى 1,2، وفي المغرب 5,3، وفي الأردن 6,3، وفي سورية 5.
ثالثاً: استمرار تدفق العمالة الأجنبيةالوافدة وتفشي البطالة بين الشباب الخليجي في ظل تشبع القطاع الحكومي والتباين في الأجور وشروط العمل بين العامل الوافد والوطني؛ مما أدى إلى عدم النجاح الكامل لسياسات توطين الوظائف، ويعود تدفق العمالة الأجنبية إلى دول الخليج العربية إلى أسباب عديدة، بعضها تنظيمي، والآخر يتعلق بالعامل الآسيوي؛ مقارنة بالعامل العربي، لكن أبرز هذه الأسباب حرص القطاع الخاص على استقدام العمالة الأجنبية؛ بسبب انخفاض أجورها وتحملها ظروف العمل القاسية، كما أنها أكثر طاعة وانضباطاً وذات إنتاجية مرتفعة.

علاج ظاهرة البطالة
تتباين تجارب الدول العربية في علاج ظاهرة البطالة حسب ظروف كل دولة ومدى تفاقم الظاهرة بها من عدمه، فالدول الخليجية - على سبيل المثال - لجأت إلى توطين العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية تدريجياً، محققة نجاحاً ملموساً في هذا الشأن، أما الدول التي تتفاقم فيها الظاهرة، فقد انتهجت سياسة متعددة الأبعاد لإيجاد حلول للظاهرة من خلال تشجيع إنشاء الصناعات الصغيرة والمتوسطة وحث الشباب للتوجه للعمل الخاص، أو من خلال إنشاء المشروعات الكبرى القادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل سنوياً.

استراتيجية عربية موحدة
إلا أن مشكلة البطالة تعد بمثابة قنابل موقوتة تهدد الاستقرار في العالم العربي، وأياً كانت التجارب العربية للتصدي لها، فإن المطلوب وضع استراتيجية عربية شاملة في هذا الشأن آخذة في الاعتبار عدة أمور منها:
أولاً: ضرورة تشجيع تبادل الأيدي العاملة، وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية.
ثانياً: تعريب العمالة العربية، وهي مرحلة تالية للتوطين، ويتم ذلك من خلال إحلال العمالة العربية محل العمالة الأجنبية في الدول العربية التي تعاني من نقص في تخصصات ومهن معينة، مثل دول الخليج العربية.
ثالثاً: تحسين الأداء الاقتصادي العربي، وتحسين مناخ الاستثمار في الدول العربية، وإزالة القيود التنظيمية والقانونية التي تحول دون اجتذاب الأموال العربية المهاجرة في الخارج، والتي يقدرها بعض الخبراء بنحو 008 مليار دولار، ولا شك أن عودة هذه الأموال للاستثمار في الدول العربية سوف يساهم في كبح جماح مشكلة البطالة، ويساعد على توفير فرص عمل لا حصر لها للشباب العربي.