بدأت مؤخراً أتردد في قبول الدعوات لحضور أمسيات قصصية نسائية، من منكم يود الحضور إلى قاعة محكمة!! ما لم يكن مرغماً على الحضور بدافع القرابة أو الصداقة؛ رجاء في الحصول على براءة الجاني، أو احتفاء بحيازة المجني عليه على حقه. المصيبة تكمن في أن يحظى المجني عليه على حقه كاملاً ومع هذا يظل مصراً على العيش بذهنية المجني عليه، المظلوم، المستلب، هل هناك ما هو أسوأ من سماع نغمة شكوى رتيبة وبكائيات باهتة الأخطر من هذا كله ليس في خسارة عدد الأصدقاء، ولا في الشعور الدائم بالاحتقان، إنما في امتداد ذلك على النص الإبداعي المكتوب، فتصبح الجماليات التي يعوّل عليها الفن أشبه بمحضر تحقيق، أو معروض عاجل بانتظار رفعه إلى هيئة قضاء عليا.
لم أشعر في حياتي بالجلوس في قاعة محكمة كاملة المشهد مثل ذلك الوقت الذي أدرت فيه أمسية قصصية قبل بضع سنوات، تخيل نفسك تجلس وسطاً لا حول لك ولا قوة بين اثنين من المجني عليهما، قرابة الساعتين!! الجاني، والبطل الوحيد هو بالتأكيد (الرجل): هو الظالم، المستبد، الرجعي، المضطهِد . وهي المسكينة، المقموعة، المضطهَدة المقصية، على أن المرأة في الواقع ترغب في الحصول على ألف مدير عمل (رجل) ولا مديرة واحدة (امرأة) وتحرص على أن يكون المشرف على رسالتها، أو تقييمها، أو دورتها، أو رئيس تحريرها (رجل) ولا (امرأة)، وتثق تمام الثقة في تشخيص الطبيب (الرجل) وتخرج من المستشفى بدون تردد إذا كان الطبيب المناوب (امرأة) وهي تقول لنفسها (يا روح ما بعدك روح)!! لم أتمالك نفسي فور انتهاء الجلسة (عفواً الأمسية) من أن أعبّر عن حقيقة شعوري لكأني في قاعة محكمة، لم أكد أكمل كلامي حتى تلقيت من تحت الطاولة ركلة قوية في ساقي من القاصة التي بجانبي خلفت أثر كدمة، إحدى الحاضرات من كبيرات السن عبّرت ببساطة (عقدتم البنات اللي لسّا ما تزوجوا .. ترى فيه رجال كويسين) بينما عارضت أخريات بأنه لا غرابة في أن تتضمن النصوص القصصية تجربة المرأة المقموعة، فالظلم هو الظلم منذ قديم الأزل. لست ضد الاعتراف بأن للمرأة (هنا) تجربة في الإقصاء والقمع ، قد لا تشبه غيرها في هذا الكون، في مقدروها أن تعبر عن ذلك في مقال، أو دراسة، أو برنامج، لكن لا تمتد هذه التجربة إلى النص الإبداعي، وهي إن امتدت، لا يكون ذلك على حساب الجماليات الفنية، كما لا تكون تلك التجربة بذاك التناسخ المريع على مدار عقود (كتبت مقالاً في هذه الصفحة قبل سنوات بعنوان (ضفائر القاصة السعودية) تعرضت فيه إلى الإلحاح الرتيب في تصوير الكاتبة السعودية لموضوع القمع والظلم والإقصاء الذي تتعرض إليه منذ صدور تجاربها المبكرة في الستينيات، وحتى الآن، على الرغم مما حظيت به من حقوق) أين يمكن الحصول على (نضارة وعي المتلقي) التي يشدد عليها الجماليون في الفن، من قصص متناسخة لها نفس التجربة وقد أصابت وعي المتلقي بالأتمتة (أتوماتيكي). أين الزاويا المعتمة من هذا الكون، أين اللاشيء، الخفي الجميل الذي علقت فرجينيا وولف براعة الفنان في تصويره، أين تجربة الوجود الحقيقة في الحياة التي يتساوى من خلالها في الأهمية حادثتا: (تحطم طائرة في السماء أو سقوط بنسة شعر في بالوعة؟!).
في رسالتي للماجستير بشأن تلقي الناقد غير السعودي للقصة القصيرة السعودية، عبّر أغلب الكتّاب العرب عن الدهشة من الوضع المرير الذي تعيشه المرأة السعودية من خلال ما يقرؤونه من نصوص قصصية: إنهم لا يعرفون المرأة السعودية مطلقاً إلا من خلال كتاباتها، لقد شعرت بهم أثناء نقدهم للنصوص النسائية السعودية متعاطفين، فاجتهدوا كثيراً بعدم القسوة عليها بالنقد، بل وحرصوا على منحها ألقاباً كبيرة فنية هم يعرفون جيداً أنها لا تستحقها، لكنه من باب رفع المعنويات (مسكينة، ليس في مقدورها احتمال المزيد). في رسالتي للدكتوراه الدراسة تعنى بتصوير حالة الاغتراب النفسي من منظور فلسفي، لقصص الجزيرةالعربية، حيث القلق الوجودي، وإلحاح الأسئلة المتعلقة بتجربة الوجود في الحياة، والعدم، والفراغ، ومشكلة الحرية، وفقدان المغزى، وإشكالية المثقف والسلطة، والمثقف وقضية الفقر، واغتراب المواطن داخل وطنه... اكتشفت أن الكاتبة القصصية التي تقمصت دور المجني في كتاباتها ليست فقط في السعودية، إنما كذلك في الجزيرة العربية بأكملها (دول الخليج واليمن) ولكي أبحث عن نص قصصي لكاتبة يعالج مثل هذه القضايا الفلسفية كنت كمن يفتش عن إبرة ضئيلة في كومة قش كبيرة!!
الزميلة سالمة الموشي في كتابها (الحريم الثقافي: بين الثابت والمتحول) 2004تقدم قراءة واعية، ومحاكمة حقيقية تدين المرأة السعودية الكاتبة بالبراهين والأدلة على اجترارها ذاكرة (الحريم) في كتاباتها السردية منذ عقود، وأن عمل الكاتبة لم يتجاوز نقل مشهد سواليف (جلسات الضحى) من الغرف الموصدة، إلى القصص المكتوبة بتناسخ مذهل للمغلوطات والمعاني التي غالباً يحتل الرجل فيها دور البطل الأسطوري المستبد، والمرأة/ الكاتبة هي المقموعة في لا وعيها، وبرضاها، أو كما تقول المؤلفة (بيدي لا بيد عمرو). المؤلفة تبرهن في مكاشفتها الجريئة أن الغزارة السردية للمرأة السعودية تحقق لها في الغالب مجرد (الظهور) على الساحة، لكنها لا تقدم نتاجاً فكرياً، أو تجربة الوجود، أو جماليات فنية. (يكفي أن اسمها صار معروفاً في الوسط).
































