«إننا لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من حولنا يتغير، ومن هنا سوف نستمر- بإذن الله - في عملية التطوير، وتعميق الحوار الوطني، وتحرير الاقتصاد، ومحاربة الفساد، إلخ».. هذا مقطع صغير من خطاب رائع لخادم الحرمين الشريفين حفظه الله، أمام مجلس الشورى في افتتاح أعماله السنوية، محدداً فيه الخطوط العريضة لسياسة البلاد العامة. وما يعنينا في هذا المقام هو تأكيد خادم الحرمين على تعميق ثقافة الحوار والتسامح في المجتمع في خطابه في مناسبة مهمة كهذه، ومن على منبرٍ يعد مركزاً للتشاور والحوار.
فأي لزوم للحوار، إذا لم يكن هناك اختلاف؟ اختلاف في الرؤى، والاجتهادات، والمذاهب والتطلعات. اختلاف متاح للجميع و في جميع المجالات خلا تلك المتعلقة بالثوابت العقدية. ألسنا نحن من قال إن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية؟ ألم يختلف أسلافنا من علماء، وأئمة، وفقهاء حول أغلب قضايانا؟ ألم يكن الخلاف والحوار موجوداً في مجتمع خير البرية نبينا محمد ومجتمع صحابته رضوان الله عليهم؟ ألم يأمر الله جل وعلا نبيه بجدال أعدائه بالتي هي أحسن؟ هل نحن فصيلة أخرى غير فصيلة البشر الموجودة في كل مجتمعات الأرض وتتعايش فيما بينها بشكل حضاري رغم اختلاف أفكارها بل وحتى دياناتها؟
الحقيقة التي لا يستطيع أحد طمسها هي أننا بشر كسائر البشر، وأننا كنا ولا نزال في اختلاف من أمرنا على كثير من قضايانا، وسنظل كذلك ما حيينا، وواجبنا الديني، والوطني، والأخلاقي هو التحاور فيما بيننا بالحسنى. غير أن هناك وللأسف جماعات منا وفينا ترفض مثل هذا الاختلاف، وتنبذ الحوار، ولا تعرف للتسامح أو الجدال بالحسنى طريقاً. فهي لا تخاطب إلا نفسها، ولا تسمع إلا صوتها، ولا تحترم أي حق لمن لا ينتمي إليها. جماعات يلاحظ الكثير منا وللأسف أنها جادة في تعميق ثقافة الكراهية والانغلاق في مجتمعنا ما لم نتنبه لها. ومنها بلا شك فئات متنفذة بشكل كبير في العديد من مناشط الحياة المجتمعية والوظيفية لدينا إما كبقايا لفترات التعبئة الأيدلوجية السابقة، أو مستفيدة، بشكل انتهازي أحياناً، من الجمود الوظيفي في بعض من المراكز الوظيفية الحساسة.
وفي الوقت الذي توصينا قيادتنا بالتسامح، وبإحسان الظن فيما بيننا، والتواصي بالحق والصبر، نجد أن بعضهم يحاول دائماً إشعال الفتن الفكرية والطائفية، والنيل من شخصيات وطنية معروفة، قيادية كانت أو صحفية أو فكرية، والتشكيك في مواقفها ونواياها، بل قد يصل الأمر أحياناً إلى التجريح الشخصي لها، ومحاولة النيل من كرامتها. والأغرب من ذلك أن يتم ذلك في مناسبات عامة، أو من خلال مواقع مفسوحة في الانترنت. ونستغرب أن تفسح هذه المواقع التي تتهجم على الآخرين بشكل أقل ما يقال عنه إنه غير أخلاقي، بينما تحجب مواقع وطنية أخرى رصينة لأنها نشرت خبراً لم يعجب المسئول عن الرقابة، أو لا تتماشى مع توجهه الأيدلوجي.
نعم نحن نعيش في عالم متغير يزداد انفتاحاً يوماً بعد يوم، وهو يتطلب منا، كما قال خادم الحرمين الشريفين: «الاستعانة بجهود كل المخلصين العاملين رجالاً ونساء»، جهود الجميع من المواطنين بكافة رؤاهم وتطلعاتهم، وفي هذا العالم المتغير لا مكان للانغلاق الفكري والاجتماعي. ولذلك فنحن نتطلع إلى إيجاد آليات وتشريعات واضحة لا لبس فيها تحمي الرأي والرأي الآخر، وتتيح للمواطن حق التعبير عن رأيه في حدود اللياقة والأدب وبشكل شفاف ومسئول، فبدون ممارسة حق التعبير عن الرأي لا يمكن للمواطن أن يتعلم مهارات الحوار. و لعلنا نبدأ من النظر في أجهزة الرقابة والوصاية الأخلاقية علينا التي دلف للكثير منها بعض من لا تتوفر لهم روح الحوار، فحولها البعض لأدوات لممارسة الرقابة الأيدلوجية يصادر من خلالها أي رأي مغاير. فهذه الأجهزة الرقابية التي أرادت بها الدولة الحفاظ على أخلاق المجتمع وثوابــــته، جيرها البعض للحجر على عقول الآخرين.، كما نتمنى أن تُفعَّل الرقابة الإدارية لتحد من الترشيح للوظــــــــائف أو المــــراكز الإدارية لأســـــــباب أخـــــــــرى ليـــــــس من بيـــــــنها الكفــــاءة والإخــــــلاص. والله ولي التوفيق.
































