المقالات

العدد 1902 - 15/04/2006

جولة سمو ولي العهد الآسيوية:

الحديث بلغة العصر

شراكة استراتيجية متعددة المستويات.. هذا هو العنوان الذي يلخص نتائج زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران لليابان ومحادثاته ولقاءاته المكثفة مع إمبراطور اليابان إكيهيتو ورئيس الحكومة جونيشيرو كويزومي وكبار المسؤولين في الدولة ورجال الأعمال ورؤساء كبريات الشركات اليابانية.
طوكيو/ سنغافورة من رئيس التحرير

وكان سمو ولي العهد - يحفظه الله - قد التقى إمبراطور اليابان إكيهيتو بعد استقبال رسمي في قاعة التشريفات في القصر الإمبراطوري بحضور ولي عهد اليابان سمو الأمير ناروهيتو. وخاطب جلالة الإمبراطور سمو ولي العهد مرحباً ومنوهاً بدور سموه في دعم العلاقات بين المملكة واليابان وقد عبر سمو ولي العهد عن شكره وتقديره لجلالة الإمبراطور ونقل له تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز واهتمامه بتطوير وتعزيز علاقات التعاون القائمة بين البلدين.
وفي مقر مجلس الوزراء الياباني عقدت جلسة المباحثات الرسمية الموسعة بين الوفدين السعودي برئاسة سمو ولي العهد والياباني برئاسة رئيس الوزراء كويزومي. ورحب رئيس الحكومة اليابانية في بداية الجلسة بمقدم سمو ولي العهد وقال إن زيارته ستعطي دفعة قوية لتطور العلاقات بين البلدين كما أنها تتيح فرصة لمناقشة القضايا التي تهم البلدين.
وخلال الجلسة المطولة جرى استعراض شامل للأحداث الإقليمية والدولية وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني والأوضاع في العراق، كما جرى تقييم شامل لمسارات التعاون القائم بين البلدين في مختلف المجالات. وفي ختام الجلسة جرى توقيع مذكرة تفاهم للمشاورات السياسية بين البلدين، وصدر بيان ختامي عبر عن تصميم البلدين على العمل للدفع بالعلاقات المزدهرة بين البلدين للأمام، وأكد البيان أن زيارة سمو ولي العهد أتاحت فرصة تاريخية لإقامة شراكة استراتيجية بين البلدين وأن الجانبين اتفقا على الرغبة في تعزيز الحوار الاستراتيجي بينهما على كافة المستويات، وعلى تفعيل المناقشات حول كيفية تشجيع الاستثمارات المشتركة كما عبر البيان عن رغبة البلدين في استئناف المفاوضات بهدف التوصل لاتفاق ثنائي لتشجيع وحماية الاستثمارات.
وأعرب الجانب الياباني عن تقديره للدور الحيوي الذي تلعبه المملكة في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية ونوه البيان بمواقف ومبادرات خادم الحرمين الشريفين لتشجيع الحوار بين الحضارات ونبذ فكرة الصراع.
ودعا الجانبان إلى تسوية عادلة وشاملة للنزاع العربي الإسرائيلي، ونوها بأهمية مبادرة خادم الحرمين الشريفين التي تبنتها قمة بيروت العربية.. لحل القضية الفلسطينية. وأدان الجانبان الأعمال الإرهابية بكل أشكالها ونوها بأهمية اقتراح خادم الحرمين الشريفين بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب.
وفي إشارة إلى أزمة الملف النووي الإيراني التي تهدد بمخاطر جسيمة على الأمن الإقليمي والدولي دعا الجانبان إلى إبقاء منطقة الشرق الأوسط خالية من كل أسلحة الدمار الشامل.
كما أبرز البيان أهمية المحافظة على استقرار سوق النفط العالمي وفي هذا الصدد أعرب الجانب الياباني عن تقديره لسياسات المملكة في مجال البترول ودعا البيان إلى تعزيز التعاون الثنائي في هذا المجال عبر حوارات مكثفة في مجال الطاقة. ومن جانبه أكد سمو ولي العهد استعداد المملكة لضمان إمداد اليابان بالنفط بشكل منتظم ونوه الجانبان بأهمية منتدى الطاقة في تعزيز الشفافية من سوق النفط العالمي.

تكريم رفيع في جامعة أوسيدا:
من بين الفعاليات العديدة التي حفلت بها زيارة سمو ولي العهد لليابان أبرزت الصحف اليابانية حفل التكريم الرفيع الذي نظمته جامعة أوسيدا اليابانية العريقة لمنح درجة الدكتوراة الفخرية في القانون.
وفي الحفل الخطابي الذي أقيم بهذه المناسبة تحدث رئيس الجامعة كاتشيكو شيراي قائلاً : «إن الجامعة ومنسوبيها فخورون كل الفخر بمنح درجة الدكتوراة الفخرية في القانون لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز المعروف على المستوى الدولي بالحصول على العديد من الجوائز العالمية نظير إسهاماته الخيرية في مختلف المجالات في أنحاء العالم». وأضاف رئيس الجامعة بأن ولي العهد السعودي عرف بكلمته الشهيرة: «ساعد الناس ليساعدوا أنفسهم» وهو شعار يدل على عمق تفكير سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز وبعد نظره وحرصه على مد يد العون من أجل التطوير والتقدم وأكد رئيس جامعة أوسيدا أن كلمة سمو ولي العهد ستكون حافزاً لطلاب الجامعة والدارسين في القرن الـ 21
ورد سمو ولي العهد بكلمة عبر فيها عن سروره لوجوده في صرح علمي عريق مثل جامعة أوسيدا وقال - يحفظه الله -: «إنني أغتنم هذه الفرصة لأؤكد لكم الاهتمام الكبير الذي توليه المملكة العربية السعودية منذ نشأتها للعلم بصفته من أهم الأسس التي تقوم عليها الحياة وتعمر الأرض وتتطور الشعوب وتتنوع الثقافات، وهو السبيل لاستمرار التنمية والتحديث واكتشاف ما أودع الله سبحانه وتعالى من أسرار في الكون الذي نعيش فيه». وأكد الأمير سلطان على أن المملكة تولي أهمية كبيرة للعلاقات الثقافية كونها إحدى الأطر الأساسية للتقارب بين الشعوب وللفهم المشترك بين الحضارات مما يسهم في تحقيق الأمن والسلام والتعاون.

ولقاء مع رجال الأعمال:
على صعيد آخر كان تشريف سمو ولي العهد للحفل الكبير الذي أقامته المنظمات الاقتصادية في اليابان فرصة التقى فيها سموه والوفد المرافق ممثلي القطاع الخاص السعودي بكبار رجال الأعمال اليابانيين ورؤساء الشركات ورحب رئيس الجمعية اليابانية لرجال الأعمال كاكوتارو كيتاشيرو بسمو ولي العهد واستعرض تاريخ علاقات الصداقة بين البلدين على مدى الـ05 عاماً الماضية.

في سنغافورة
مستقبل واعد للتعاون
تعزيز الشراكة وتوسيع أطر التعاون كان أيضاً عنوان محصلة زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز لسنغافورة. فزيارة سمو ولي العهد كانت الأولى من نوعها على هذا المستوى الرفيع في القيادة السعودية منذ قيام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1977م.
وإذا كان المنطلق الأساسي في استراتيجية الانفتاح على الشركاء التجاريين للمملكة في آسيا هو تعزيز التبادلات الاقتصادية والتجارية وزيادة التعاون التقني والفني مع هذه الاقتصاديات العملاقة والاستفادة من خبرات هذه الدول في مجالات نقل التكنولوجيا وتنمية الموارد البشرية والإدارة الاقتصادية، فإن سنغافورة تعتبر اختياراً موفقاً لتكون المحطة الثانية في جولة سمو ولي العهد. فهذا البلد الصغير نجح في شق طريقه إلى نادي الاقتصاديات الضخمة والمزدهرة في ظل استقرار سياسي متميز والتزام عالٍ بالانضباط والنظام، وتحتل سنغافورة المرتبة الـ 16على قائمة أكبر الشركاء التجاريين للمملكة وسجلت التبادلات التجارية بين البلدين 9,9 مليارات دولار عام 2004م. وتعتبر سنغافورة أحد أكبر مراكز تكرير النفط والصناعات البتروكيمائية في العالم وهي رابع أكبر مستورد للنفط السعودي بعد الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، كما تبرز أهمية سنغافورة الاقتصادية من كونها أكبر المستثمرين في تجمع الآسيان وفي الصين الشعبية، ومن دورها الطليعي في منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الاقتصادية التي تربطها بمعظم الكتل الاقتصادية العالمية في أوروبا وأمريكا والخليج وجنوب شرق آسيا والباسفيك.
على هذه الخلفية يمكن فهم أهمية زيارة سمو ولي العهد لسنغافورة . فالمسؤولون السنغافوريون ودوائر الأعمال والاقتصاد في هذا المركز التجاري والاقتصادي العالمي أبدت اهتماماً وترحيباً حاراً بزيارة سمو ولي العهد الذي حظي باستقبال قادة ورؤساء الدول منذ لحظة وصوله مطار سنغافورة حيث كان على رأس مستقبليه معالي نائب رئيس الوزراء ووزير القانون البروفيسور إس.جي. كومار وعدد من الوزراء والمسؤولين في الحكومة السنغافورية. وفي قصر الآستانة الرئاسي وبحضور سمو ولي العهد ودولة رئيس وزراء سنغافورة لي سينغ لونغ جرت مراسيم التوقيع على أربع مذكرات تفاهم غطت الأولى آفاق التعاون التجاري وتهدف هذه المذكرة إلى زيادة التبادلات التجارية والترويج للاستثمار وتشجيع التعاون الفني والتقني والتعاون في مجال التنمية الصناعية وزيادة التبادل الثقافي والعلمي والتربوي والتعاون في مجالات الشباب والرياضة وتشجيع التعاملات بين الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلدين.
وتتعلق المذكرة الثانية بتشجيع وحماية الاستثمارات وتهدف لزيادة الاستثمارات بين المملكة وسنغافورة وإزالة العوائق ومعاملة استثمارات كل دولة من الدولة الأخرى دون تمييز. أما المذكرة الثالثة فهي تتعلق بالتشاور الثنائي السياسي بين وزارتي الخارجية في البلدين وترمي هذه المذكرة إلى فتح قناة للتواصل والتشاور السياسي بين البلدين مع عقد مشاورات سنوية بالتناوب بين البلدين لبحث القضايا الإقليمية والدولية التي تهم البلدين. أما المذكرة الرابعة فقد غطت الاتفاقيات العامة المتعلقة بنشاطات الغرف التجارية السعودية والسنغافورية. ودعت المذكرة إلى إنشاء مجلس أعمال تجارية مشترك يعمل على تعزيز ودعم علاقات الأعمال التجارية بين شركات القطاع الخاص في البلدين، وتبادل المعلومات في المجالات الاقتصادية والصناعية والفنية. وسبق توقيع مذكرات التفاهم جلسة المباحثات الرسمية الموسعة بين الوفد السعودي برئاسة سمو ولي العهد ودولة رئيس الوزراء السنغافوري لي سيين لونغ حيث استعرض الجانبان آفاق التعاون في كل المجالات بالإضافة للمستجدات الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك.
الثلاثاء الماضي - اليوم الثاني من أيام زيارة الأمير سلطان لسنغافورة شهد اللقاء بين سموه الكريم وفخامة رئيس سنغافورة اس در ناثان في قصر الآستانة حيث رحب الرئيس السنغافوري بسمو ولي العهد ضيفاً عزيزاً على سنغافورة وخلال اللقاء نقل سمو ولي العهد تحيات خادم الحرمين الشريفين لفخامة الرئيس السنغافوري وعبر عن شكره على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، كما جرى خلال اللقاء تبادل وجهات النظر حول تطور العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها.
وشملت لقاءات سمو ولي العهد المهمة استقبال سموه الكريم لدولة الوزير الناصح لي كوان يو مؤسس دولة سنغافورة الحديثة، والذي عبر عن اهتمام بلاده بتعزيز التعاون مع المملكة ولا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية بما يحقق مصلحة الجانبين من خلال تشجيع وزيادة حجم الاستثمار والتبادل التجاري. وفي المساء شرف سمو ولي العهد حفل العشاء الكبير الذي أقامه على شرفه كبير الوزراء في جمهورية سنغافورة قوه شوك تونغ وحضره الوزراء وكبار المسؤولين في الحكومة وعمداء السلك الدبلوماسي.
وكان معالي كبير الوزراء قوه شوك تونغ قد وصف زيارة سمو ولي العهد في تصريحات للزميلة «الرياض» بأنها ستكون معلماً بارزاً في مسار العلاقات السعودية - السنغافورية. وشملت لقاءات الأمير سلطان مع كبار المسؤولين السنغافوريين اجتماعاً مع وزير الدفاع السنغافوري تيو تشي هين الذي أقام مأدبة غداء تكريماً لسموه.
المسؤولون السنغافوريون الذين التقوا سمو ولي العهد لم يخفوا سعادتهم بزيارته التي تمثل دفعة كبيرة لعلاقات التعاون الثنائي فقد أشاد معالي الوزير الناصح لي كوان يو بمذكرات التفاهم التي وقعت خصوصاً مذكرة حماية وتشجيع الاستثمار التي وصفها بأنها تمهد لمستقبل واعد بين البلدين وقال معاليه إن المباحثات أكدت التوافق التام في وجهات النظر ووجود تفاهم كامل حول كل المواضيع، أما وزير التنمية الوطنية السنغافوري ماها تان فقد اعتبر زيارة الأمير سلطان مهمة جداً للبعد الاقتصادي في علاقات البلدين فالمملكة لديها مصادر الطاقة والموقع الاستراتيجي والكثافة السكانية في حين تملك سنغافورة خبرات في الإدارة وتنمية الموارد البشرية، أما وزير الدولة للشؤون الخارجية زين العابدين رشيد فقد نوه بالدور الإيجابي الذي تلعبه المملكة في الشرق الأوسط وعبر عن تطلعه إلى تعميق العلاقات بين البلدين.

في معهد دراسات جنوب شرق آسيا:
النخب السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية في سنغافورة والتي كانت تتطلع لمعرفة رؤية المملكة للأحداث والتطورات الإقليمية والدولية وجدت ما يروي غليلها في الكلمة الهامة التي ألقاها سمو ولي العهد في اللقاء الذي نظمه معهد دراسات جنوب شرق آسيا في مركز المؤتمرات بسنغافورة.
وتعد كلمة سمو ولي العهد في هذا المعهد المرموق الكلمة الـ 82 ضمن الكلمات التي يلقيها في كل عام أحد قادة دول العالم البارزين أمام حضور رفيع من الخبراء والمحللين الاستراتيجيي.

البيان الختامي:
النجاح الكبير لزيارة سمو ولي العهد لسنغافورة لخصه البيان الختامي الذي سلط الضوء على اللقاءات المهمة التي عقدها سموه الكريم مع المسؤولين السنغافوريين وما أكدته مباحثات سموه من ارتياح عميق لدى الجانبين للتطور المستمر للعلاقات الثنائية والرغبة المشتركة في رفع مستوى التعاون في كل المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمار والخدمات المالية والعلمية.

أصداء واسعة
في الصحافة السنغافورية:
وكان لزيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز لسنغافورة أصداء واسعة في كل الصحف السنغافورية الصادرة باللغة الإنجليزية أو اللغات المحلية فقد أبرزت الصحف لقاءات سمو ولي العهد مع كبار المسؤولين السنغافوريين على صفحاتها الأولى وتحدثت مطولاً عن أهمية المملكة الاقتصادية ودورها السياسي الإقليمي والدولي وثقلها الإسلامي وأشارت الى تبرع سموه السخي بمبلغ 1.5 مليون دولار لدعم الجمعيات الإسلامية في سنغافورة ووصفت صحيفة سنغافورة نيوز الزيارة بأنها هامة جداً وحجر زاوية في علاقات البلدين وستدفع بهذه العلاقات خطوات للأمام. وأبرزت صحيفة «ذي ستريتس تايمز» مذكرات التفاهم التي وقعت لدعم التعاون الثنائي في مختلف المجالات وذكرت الصحيفة أن 10طلاب سعوديين سيحصلون على منح للدراسة في مدرسة لي كيوان يو للسياسة العامة كجزء من برنامج يهدف إلى زيادة عدد الطلاب السعوديين الدارسين في الجامعات السنغافورية. وتناولت صحيفة «توداي» كلمة سمو ولي العهد في معهد دراسات جنوب شرق آسيا بينما تحدثت صحيفة (بيزنس تايمز) عن التطور المرتقب في علاقات المملكة وسنغافورة على ضوء النتائج المهمة التي حققتها زيارة سمو ولي العهد، ووصفت صحيفة بريتا هاريان الناطقة باللغة الملاوية الزيارة بأنها تاريخية وناجحة.
على صعيد آخر تستعد باكستان لاستقبال سمو ولي العهد في زيارة تتوقع أن تكون إضافة كبيرة لرصيد علاقات الصداقة الوطيدة التي ربطت بين البلدين طوال أكثر من نصف قرن.