المقالات

العدد 1905 - 6/5/2006

حرب عبر الاتصالات و الفضائيات والهامبورجر
آثار الغزو
لسنا وحدنا!
يته كان غزواً ثقافياً!
الأنومية!
الإصلاح يبدأ من المرأة والطفل
هزة روحية
الوباء والإمعة
اعطوا الشباب فرصة
أحلام مراهقة
هروب من الواقع
«لن أرتدي جلباب أبي..»
«غرام وجنس وفيديو كليب»
المراهق والجسد!
حرية.. شخصية!
قطار العولمة

عاصفة التغريب

يتعرض الشباب العربي لأشرس موجة من موجات الاستهداف المباشر، خلال غزو ثقافي يشنه الغرب بكل ما أوتي من قوة، مكرساً لذلك كل جهوده وإمكاناته. فجاء إطلاق القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والصحف الموجهة، لتفتح المجال واسعاً أمام شباب لا يملك من الوعي ما يكفيه لمقاومة مثل هذا الغزو العاتي، وكانت النتيجة جيل بأكمله غريب في بلده، ولا يشعر بأي انتماء تجاه وطنه الذي يعيش فيه. فانتشرت التقاليع الغريبة في المظهر والسلوكيات، بين أبناء جيل ينطبق عليه قول الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله: (المشكلة مع الجيل المهجن الذي ورث الإسلام أسماء وأشكالاً فارغة، ورفضه تربية معينة، وقوانين محددة، وقيماً مضبوطة، وأهدافاً ثابتة.. هؤلاء المتعاقلون العجزة هم من وراء كل المحن التي لحقتنا.. ولقد امتلكوا ناصية التوجيه المادي والأدبي في سراء الأمة وضرائها فلم تجد الأمة منهم إلا الشتات والآلام). فما هي أهم مظاهر هذا الغزو الثقافي على شبابنا؟ وإلى أي حد يمكن أن تصل مخاطره؟ وما السبيل إلى مواجهته؟

ويضيف د.الشميري: وللأسف أسهمنا نحن في دفع الشباب إلى فخ الغزو الثقافي، عبر تجاهلنا لسلبيات مجتمعاتنا، وعدم العمل على علاجها على النحو السليم. واكتفى المتنبهون إلى خطورة الغزو الثقافي بالوقوف عند حدود الكلمات، دون أية مبادرات للخروج إلى حيز العمل والمواجهة. وكانت النتيجة هي أعداد كبيرة من الشباب الذي يفتقد لمشاعر الانتماء إلى وطنه وعروبته، تراثه وحضارته، فوجد في الغرب ونتاجه ملاذاً يوفر له ما يبحث عنه. وأصبحنا نرى بشكل يومي ممارسات وظواهر عديدة لا تمت إلى مجتمعاتنا بصلة، وتتنافى مع قيمنا وتقاليدنا الأصيلة».
لأبنائهم.

آثار الغزو

ويدلل الشميري على صحة كلامه بالملابس الغريبة التي يحرص الشباب على ارتدائها تعبيراً عن تمايزه عن بيئته، متفاخراً بالتمسح في الثقافة الغربية، من خلال زيه الغريب. وأصبحنا لا نفرق بين ملابس الشباب وملابس الفتيات، لتشابهها إلى حد التطابق! وحول خطورة ذلك ودلالاته، يضيف قائلاً: «لا تتوقف الملابس عند حدود التقليد في المظهر الخارجي فقط، وإنما تعبر في الواقع عن قناعات غربية اكتسبها هؤلاء الشباب مما يعرض عليهم ليل نهار عبر وسائل الإعلام الغربية، فتحولت الرجولة إلى ميوعة، وتحولت الحرية إلى إباحية، وتحول الجمال إلى عري فاضح، وتحولت الحداثة إلى فوضوية. ومن شأن ذلك كله أن يدق ناقوس الخطر للمستأمنين على هذا الوطن، كي يسارعوا بمواجهة ذلك كله عبر أساليب بسيطة ذكية، تجذب الشباب ولا تنفره. عبر مشروعات فكرية وإعلامية تجيد مخاطبة هذه الفئة الهامة من المجتمع العربي، ساعية إلى إقناعه باحتواء التراث والحضارة العربية على قيم كثيرة تعلي من شأنه على مستوى العالم، قيم جديرة بالانتماء إليها والحرص عليها. وإذا ما نجح ذلك أعتقد أنه سيعود من جديد ذلك العصر الذي يتفاخر فيه المثقف «الغربي» بأنه يجيد اللغة العربية، التي كانت مرادفاً للحضارة والرقي والعلم والمعرفة».

لسنا وحدنا!

ويتفق مع ذلك الدكتور صفوت العالم الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة: محذراً من أن الغزو الثقافي لا يشكل خطراً يستهدف العرب أو المسلمين فقط، ويضيف: «الفرنسيون أنفسهم يتخوفون من هذا الغزو، ويدركون خطورته، رغم انتمائهم لما يسمى بالغرب المتحضر، ولذلك برزت كثير من الحملات والدعوات الفرنسية التي تطالب الفرنسيين بالحرص على عدم ترديد المصطلحات الأمريكية، حتى لا تتسرب الثقافة المادية الأمريكية اليهم، ولأنهم يعرفون ماهية هذا الغزو، يرون أنهم سيخسرون الريادة في قلاع حرصوا على الحفاظ عليها باعتبارها رموزاً للثقافة الفرنسية، بما في ذلك ميدان العلم وعالم الأجبان والأفلام! يمكننا إدراك أن الغزو الثقافي، لا يستهدف العرب والمسلمين فقط، وهو لا يلجأ لصرف المسلمين عن عبادة صوم رمضان بإدخالهم في ديانة أخرى، ولكنه يستهدف إدخالهم في الديانة المادية فيسقط عندهم معنى الصوم، لذلك نلاحظ كيف تحول الشهر الكريم من شهر روحي إلى شهر اقتصادي، وكيف صارت مصطلحاته اقتصادية مادية(الوفرة، الندرة، الاستهلاك) بدلاً من المصطلحات الدينية (الرحمة، المغفرة، العتق من النار)، فهذا هو بالضبط بعض مظاهر الغزو الثقافي الذي يجر خلفه الغزو الاقتصادي ثم العسكري».
ل

يته كان غزواً ثقافياً!

رغم خطورة الغزو الثقافي الذي يتعرض له الشباب، فاجأتنا الدكتورة نادية رضوان، أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس: بأمنيتها في أن يتحقق الغزو الثقافي فعلاً، ويحدث أثره في مجتمعاتنا العربية! وعندما استوضحناها قالت: «أتمنى أن نتأثر بالغزو الثقافي بالمعنى الحقيقي للكلمة، أما أوضاعنا الحالية فلا يمكن وصفها بأنها نتاج غزو ثقافي، وإنما في الواقع نتاج غزو انحطاطي، أو غزو تخلفي! وهو ما يبدو واضحاً في سلوكيات الشباب ومظهره ومنهج تفكيره وأسلوبه في الحياة. أما الغزو الثقافي الذي أتمناه فعلاً فهو أن تنتقل إلينا القيم الغربية التي جعلت من الغرب «غرباً» بكل ما يعنيه من تقدم ورقي وحضارة، نتمنى أن نكتسبها منهم. ومن ذلك على سبيل المثال: اعتياد الصدق والوفاء بالعهد، الجدية في العمل، المساواة بين الجميع في التعامل، الموضوعية في الحكم، إعمال العقل، احترام العلم وتبجيل العلماء، تقدير البحث العلمي، أداب النقاش والتعامل، احترام الآخر، التعمق بالتكنولوجيا الحديثة وعلى رأسها الكمبيوتر..الخ. وإذا أمعنا النظر فيها جميعاً فسوف نكتشف أنها ذات القيم التي يحثنا عليها ديننا الإسلامي، ففي الغرب يطبقون الإسلام فعلياً بدون إسلام، أما نحن فأبعد ما نكون عن ذلك، على عكس ما ينبغي أن نكون عليه!».

الأنومية!

وحول أسباب تأثر الشباب بالسلبيات لا الإيجابيات التي أتى بها الغرب، أوضحت د. نادية: أن السبب في ذلك يرجع إلى ضعف الهوية في الوقت الراهن، فعندما لا يحصل الشاب على وظيفة أو فرصة إلا من خلال الواسطة والمحسوبية، ويجد أن حقوقه مفقودة في بلده، يبدأ في الشعور بالاغتراب الداخلي، فلا يشعر أنه في بلده، فيفقد انتماءه لوطنه تدريجياً، حتى يصل إلى مرحلة «الأنومية»، وهي ظاهرة معروفة في علم الاجتماع تعني سعي الشخص المصاب بها نحو تحقيق طموحاته الشخصية بكل الطرق والوسائل، بما فيها غير الأخلاقية، غير عابئ بالآخرين أو إلحاق الضرر بهم، فلا يعنيه كل هذا، وكل ما يعنيه فقط هو تحقيق مآربه.
وتضيف قائلة: «في ظل هذه الأوضاع يبدأ الشاب في التقوقع داخل ذاته أولاً، ثم في كل ما يفصله عن محيطه الذي يعيش فيه، هرباً من واقعه الذي يرفضه، وتكون النتيجة هي محاولة الالتصاق بثقافة أخرى، يرى أنها أفضل من الثقافة التي ينتمي إليها فعلاً، ويخرج ذلك في صورة عري الفتيات، وخنوثة الشباب، وتفاهة اهتماماته، وسطحية تفكيره. فالشاب وقتها يكون خاوياً من الداخل، بينما يفتح كل مداركه لما يأتيه من الخارج. ولأن النفس بطبيعتها تسعى إلى الاستمتاع والانتفاع، يكون أسهل ما يتسرب إلى فكره هو كل سيئ، بما لا يحتاج منه أي مجهود. فهو يفضل تناول الخمور والمخدرات على سبيل المثال بسبب المتعة التي يعتقد أنها ستتحقق له من ورائها، أما تعاطي الدواء المر فهو مكروه بالنسبة له، رغم أنه يحتوي على الشفاء».

الإصلاح يبدأ من المرأة والطفل

وتحذر د. نادية من النتيجة الحتمية لما يحدث الآن، إنه سقوط المجتمع إلى الهاوية، ما لم يتم إعلان حالة الاستنفار واتخاذ الخطوات العملية لإعادة تقويم المجتمعات العربية. وتوضح ذلك قائلة: «مرحلة الإصلاح الحقيقي تبدأ في الحقيقة منذ الطفولة، وكنا نعتقد حتى عهد قريب أن تشكيل وعي الطفل يبدأ في فترة الحضانة من سن ثلاثة إلى سبع سنوات، إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن ذلك غير صحيح، وأن الوعي الحقيقي يتشكل منذ اللحظة الأولى للميلاد، وحتى السنوات الثلاث الأولى، حيث يقوم الطفل طوال هذه الفترة المبكرة باختزان كل ما يصادفه من معارف، ثم يبدأ في التعبير عنها بمجرد بدء قدرته على الكلام. ولعل الإسلام أدرك هذه الحقيقة مبكراً حينما طالبنا بأن تكون أول كلمات يسمعها الطفل بعد ميلاده هي النطق بالشهادتين في أذنيه! أما بالنسبة للوضع الحالي فيمكن تدارك الأمر عبر الإعلام المرئي الذي لعب دور البطولة في تسريب كل المفاسد إلى وعينا، وبإمكانه أيضاً أن يسرب إلينا كل القيم النبيلة البناءة بالوسيلة ذاتها. فبدلاً من استعراض أجساد الفتيات العاريات في برامج تافهة يسمونها ترفيهية، ومسلسلات تدعو إلى كل السلبيات، يمكن استبدالها بمسلسلات أيضاً تتضمن المعلومة العلمية والقيمة السليمة، في أسلوب تربوي تلقيني غير مباشر، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة في كثير من الأفلام الغربية، حيث يجد المرء نفسه بصدد زخم من المعلومات العلمية عن الطب والهندسة والكيمياء والفضاء والفلك خلال فيلم يشاهده بغرض التسلية!».
وتختتم د. نادية رضوان حديثها بالتنبيه إلى أن البداية تكمن في النهوض بوعي المرأة، من خلال الوسائل التي تجتذبها، وعلى رأسها الدراما التليفزيونية، مرددة بيت الشعر المعروف:

هزة روحية

ومن جانبها تقول الأديبة والكاتبة الإسلامية صافيناز كاظم: الغزو الغربي أدى إلى افتنان الشباب بالدنيا ومظاهرها، وبالتالي إلى الغرور والاحتيال والكبر لأن الشباب يعجب بلبسه ويفتن بزينته، وينسحب تقليد الغرب شيئاً فشيئاً على مختلف شؤون الحياة، فنجد التقليد وقد امتد إلى الأخلاق والعادات وهذا يؤدي إلى الانحلال والميوعة التي تكون نذير شؤم على الأمم والمجتمعات فيؤدي إلى إهلاكها قال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} الإسراء 16
والمخيف في الأمر أن ثقافة الغرب وصلت -للأسف الشديد- إلى حد الهيستريا، فنجدهم وقد قلدوهم في كل شاذ وغريب فيمشون بهذه الصورة خلف عادات الأجنبي وأخلاقه وأزيائه وهذا يؤدي إلى قعود الشباب عن كثير من الواجبات الدينية والمسؤوليات الاجتماعية والدفع بعجلة البناء الاقتصادي والحضاري لبلدانهم، فتتأخر الأمم ويهتز بناؤها الاقتصادي لأن شبابها ليس له هم سوى الأعتناء بمظهره والتفنن في أزيائه، وقضاء معظم أوقاتهم في اللقاءات الفارغة، والاجتماعات المائعة، والترفيهات الفاجرة.. رغم أن وقت المسلم ثمين وواجباته عظيمة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك» رواه الحاكم.

الوباء والإمعة

وحول التقليد الأعمى لما جاء به الغزو الثقافي لشبابنا يقول د. أحمد المجدوب خبير علم الاجتماع: إن التقليد الأعمى وباء فتاك يحطم الشخصية ويضعف الذاكرة ويؤدي إلى تمييع الخلق ويقتل الرجولة وينشر الأمراض الاجتماعية.. إلى جانب الأمراض الجسمانية لأنه قد يؤدي إلى تفلت الغرائز وانطلاق الشهوات وبالتالي إرتكاب الفواحش من زنا وشرب خمر وتعاطي المخدرات وهذا للأسف الشديد احتمال وقوعه قوي جداً لضعف الشخصية المقلدة وتسلط شياطين الإنس والجن عليها.
ولما كان من طبيعة البشر السير وراء الرائج والمنتشر من العادات والتقاليد دون تفكير في حسنها وقبحها، وفي نفعها وضررها فقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محاكاة الآخرين في تصرفاتهم السيئة فالمؤمن الحصيف يقلد الناس فيما يحسنون فيه ويبتعد عما يسيئون فيه ومن البدهي أن المنهي عنه هو التقليد في السلوك والأخلاق والعادات، أما الأمور المادية التي ينتفع بها المسلمون كالطب والهندسة والفيزياء وأسرار الذرة وغيرها فجائز الأخذ منها باتفاق العلماء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها فهو أحق بها».

اعطوا الشباب فرصة

الأستاذ أحمد المغلوث يقول التأثر وارد لسرعة التواصل ولأن الغرب لديهم القدرة على تسويق مختلف أنشطتهم وفعالياتهم المختلفة.. فالمبدع هناك تتولى شركات ومؤسسات تسويق انتاجه أما في عالمنا العربي فتخضع العملية لاجتهادات المبدع الشخصية إضافة إلى علاقاته برجال الإعلام فعندما يكون قريباً من الإعلام والصحافة تجد صوره وأعماله تطالعك في كل مكان.. وهكذا نجد أن شبابنا العربي وغيرهم سرعان ما يتأثرون بهذا المبدع الغربي فأعماله تكاد تتابعهم.. هم يرونها عبر الأفلام والأغاني والمطبوعات المختلفة إضافة إلى الأخبار.. ونظراً لأن العجلة الإعلامية الغربية أكثر قوة واندفاعاً في اتجاهنا فهي المسيطرة دائماً وهي المؤثّرة في العقلية الشبابية، وهناك من يعزو ذلك إلى وجود توجه سياسي غربي وقوة مسيطرة لاحدود لامكاناتها، واذا كان الغرب في السنوات الأخيرة استطاع أن يفرض سياساته الأيديولوجية والاقتصادية على العالم فكيف بظاهرة الثقافة والهوية التي باتت معاشة ومشاهدة في مختلف دول العالم.. النظام الغربي تقوده الآن قوة كبيرة استطاعت أن تنفرد بأشياء كثيرة قد لايكون هنا مجالها وإنما كان لديها القدرة على تحقيق غايات ذاتية مختلفة ومنها التأثير في خصوصيات العديد من الدول.. الثقافة الغربية تجدها الآن في الصين والهند، تجدها في جنوب إفريقيا كما في روسيا وكل يوم يتعاظم خطر هذا التأثير.
لكن بلادنا العربية ولله الحمد غنية بالشباب الفاعل القادر على مواجهة هذا التحدي الكبير لحرب الهوية..؟؟ والمتابع لبعض البرامج الشبابية يجد فيها الكثير من النماذج الممتازة والمشرفة لشبابنا العربي المتزم بقيمة وعاداته وهويته الأصيلة.. من هنا فلا خوف على هويتنا وأصالتنا، ومن هنا يكون الحفاظ على هويتنا الحضارية الإسلامية والثقافية كهدف لا بد من الوصول إليه والمحافظة على أسسه وقيمه كواجب إسلامي..
وحول تخلى الشباب عن مصادر ومناهج ثقافته وهويته الأصيلة العربية الإسلامية يقول: ليس كل الشباب يتخلون عن هويتهم، فهناك شباب حريص على تحقيق الأفضل لنفسه ولأمته لم يتأثر كثيراً بثقافة الغرب إلا فيما يخدم عمله فهناك جوانب إيجابية في هذه الثقافة لا يمكن إنكارها كثقافة المعلوماتية والتقنيات إنها الآن لغة العصر وهي نتاج غربي لا بد من الاستفادة منها وتوظيفها في مختلف المجالات في بلادنا العربية وهذا لا يعني أننا تأثرنا بالغرب وابتعدنا عن مصادر ثقافتنا، بل هناك من يقوم بتطويع التقتيات الحديثة الغربية لخدمة الإسلام والأدب والثقافة خذ مثلاً وجود موقع إليكتروني ينقل لك كتب التراث والمخطوطات العربية والإسلامية القديمة وخلال لحظات تستطيع أن تتصفحها وأنت جالس في غرفتك. أنها خطوة متميزة لتقنية متطورة.. كان في الماضي من أصابه عشق العلم يسافر عبر الصحارى والوديان ليطالع كتاب أو مخطوط سمع عنه في مكتبة ببغداد أو أسطنبول أو دمشق أما اليوم وعبر هذا الموقع أو ذاك تستطيع أن تقرأ ما تشاء في وقت ما تشاء، هذه تقنية غربية يجب أن نعترف بها ومع هذا هناك من شبابنا العربي الباحث عن لقمة العيش الشريف حتى في الدول الغربية لم يتأثر بثقافتها إلا في حدود ما يريد الاستفادة منه.. وإذا كان هناك البعض ممن ابتعدوا عن مصادر ومنابع ثقافتنا وهويتنا الأصيلة فليثق الجميع أنهم سوف يعودون يوماً لتاريخم وأصالتهم ويكون العود أحمد. فلا يصح إلا الصحيح.. وبلادنا العربية التي أنجبت الملايين من المبدعين قادرة على إنجاب المزيد منهم يوماً بعد يوم وسوف يتضاعف ذلك عندما نعطي للشباب العربي المزيد من الفرص في العمل والفعل والإبداع.. علينا جميعاً أن نتيح الفرصة لهم في الحصول على وظيفة شريفة.. بعيداً عن الفساد والمحسوبية وطوابير البطالة التي بدأت تشكل زحاماً ممجوجاً في شارعنا العربي.. فهل نفعل؟ نأمل ذلك..

أحلام مراهقة

«الوسادة الخالية» ليس هذا عنواناً للفيلم الذي قام ببطولته الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، وإنما هو عنوان لحياة واقعية لمراهقة لا تتعدى 16عاماً. سناء تلميذة في الأولى ثانوي تعترف بأن لا صديقة لديها تحكي لها عن أحلامها وآمالها وآلامها سوى وسادتها عند النوم. تقول: «إلى من سأبث همي؟ ومشاكلي وطموحاتي وفشلي؟ هل لوالدي اللذين لا يفهماني أم إخوتي الذكورالذين لهم عالم خاص، يعيشون داخله دون مبالاة بأختهم الوحيدة؟ فوسادتي أناجيها في الليل، فهي على الأقل تهتم بي إذ أضع عليها رأسي كل ليلة، لا تنهرني ولا تعنفني كمن يحيط بي من البشر»..
ـ (فؤاد 81 سنة) رفض أن نسميه مراهقاً، إنه يعد نفسه شاباً تجاوز مرحلة المراهقة بسلام. يحكي لنا إنه في مراهقته مر بظروف طيبة في علاقاته مع والديه وإخوته ومعلميه وأساتذته. يقول فؤاد: «كل ما أعانيه حينها وما زلت بين الحين والآخر هو تلك الأحلام التي أتخيلها وأنا يقظ في الفصل الدراسي أو في البيت أو حتى في الشارع. أحلم أنني صرت وسيماً، والفتيات مهووسات بي كأنني نجم من نجوم الروك أو كرة القدم، وأحلم أيضاً أنني أملك سيارة ولدي أموال كثيرة أنفقها على كل ما أشتهي شراءه»!.

هروب من الواقع

ـ يؤكد الإخصائي النفسي أحمد مزداك أن الوسادة أو أحلام اليقظة تعتبر هروباً من الواقع من طرف المراهق أو المراهقة، وهو موقف سلبي مشوب بالرغبة الدفينة في التقوقع والابتعاد عن النساء باعتبارهن مصدر الشرور، أو على الأقل لكونهن لا يبذلن أدنى جهد لفهمهم والإنصات إلى همومهم. والواجب أخذ الحذر من التطرف في مثل هذه الحالات أي اللجوء إلى أحلام اليقظة أو التواصل مع الوسائد وغيرها، فهذه الأمور في حد ذاتها عادية في مرحلة المراهقة، لكنها إن طالت لزم الانتباه من طرف أولياء أمور هؤلاء المراهقين.
فؤاد.. يرى في لاعب كرة القدم الإنجليزي «بيكام» مثلاً للشباب، فهو يحب التشبه به إلى درجة أنه يتتبع أخباره أولاً بأول في جميع الجرائد والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت، ويتابع مقابلات فريقه، فتراه يقلد حركاته وسكناته، ويقلد تسريحات شعره المختلفة، بل وطريقة مشيته. حين سألناه عن الغاية من تقليد هذا اللاعب، أجاب بقوله: «أنا لست الوحيد الذي يقلد لاعب كرة قدم، فهناك الكثيرمن الشباب (المراهقين) الذين يقلدون من يعجبونهم في عالم الرياضة والغناء.. لا أرى مشكلاً في هذا التقليد.. وبيكام بالنسبة لي لاعب أنيق ولطيف، وشباب العالم كله يرجو أن يكون مثله، فلماذا أنا وحدي تسألونني؟».
الأستاذ علي أبو الفرج باحث في الدراسات الإسلامية علق حول مثل هذه الحالات من المراهقين قائلاً: «هاته العينات من الأطفال والمراهقين والمراهقات والشباب كثيرة في مجتمعاتنا الإسلامية. وكثرتها تعود إلى التربية الخطأ التي تلقوها إما في البيت أو في المدرسة أو بسبب وسائل الإعلام ورفيقات السوء، فبدل الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، يقتدون بمغنين ولاعبي كرة القدم وموسيقيين، وكأن هذه الأمة لا توجد فيها شخصيات عظيمة تستحق تقليدها في أعمالها».

«لن أرتدي جلباب أبي..»

هذا العنوان يطرح موقف أغلب المراهقين الذي يجسد الثورة والرغبة في الاستقلال بالذات، فالانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب عبر فترة المراهقة تستدعي في نظرالمراهق أن يكون أكثر حسماً وأكثر حضوراً ذاتياً وموضوعياً، فتجده يناقش ويبدي رأيه ويعارض، ويحب الظهور والتفاخر وتوزيع المشاعر والأحاسيس يمنة ويسرة. ولتجسيد هاته المتغيرات، يرفض المراهق غالباً وصاية الوالدين وتدخلاتهما في حياته، فإن لم يبد تبرمه فهو يخفيه على الأقل لكي لا يصطدم مع محيطه القريب، وبالتالي فهو يجد نفسه لا يرغب البتة في ارتداء جلباب أبيه.
ـ عبد الصمد يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، لا يمضغ كلماته حين يتحدث عن رقابة والده الصارمة لتحركاته: «في الواقع أحياناً كثيرة أضيق ذرعاً بمراقبة أبي وحتى أخي الأكبر لي. إلى أين أنت ذاهب؟ من أين جئت؟ لماذا تلبس «الجينز»؟ ألبس هذا، أفعل هذا، لا تفعل ذاك. أوامر ونواهي في كل وقت وحين، وكأنني قاصر، لا أعرف ماذا يصلح لي وما لا يصلح، إنهم لا يعرفون أنهم بتصرفاتهم تلك يصبون الزيت على النار»!.

«غرام وجنس وفيديو كليب»

بسبب وقت الفراغ لدى المراهق، يلجأ إلى القصص الغرامية فيربط علاقات الحب والغرام مع الفتيات. قصص الغرام عند المراهقين كثيرة لا تعد ولا تحصى.
ـ تشرح مريم عطارأستاذة علم الاجتماع هذا التوجه المفرط للمراهق نحو قصص الغرام وعلاقات المتعة الحرام مع الطرف الثاني بكونه محاولة لإبراز الذات، والرغبة في الخروج من عالم الأسرة الضيق الذي يعتبره عالماً تحبس فيه أنفاسه إلى عالم آخر يراه من وجهة نظره عالماً رحباً لا قيود فيه وهو عالم الغرام الذي يتطور أحياناً كثيرة إلى ممارسات محرمة بين المراهق والمراهقة، حتى صارت هذه العلاقات الآثمة جزءاً أساسياً في حياتهما.
والفيديو كليب يشكل هو الآخرمشهداً رئيساً في حياة المراهق، كيف لا وهو يرى المطربات والمطربين في القنوات الفضائية المختلفة بأشكالهم المختلفة وأصنافهم المتنوعة يبدون في أحلى الصور سعداء، فيتوهم المراهق أن تلك الصورة هي الواقع، فلا يدخر جهداً في أن يقلدهم ليكون مثلهم، وهو وهم لا غبارعليه.
ـ الدكتور محمد عباس نور الدين أستاذ علوم التربية يعتبر أن أبرز سمات الاغتراب الذي يعاني منه الكثير من المراهقين هو الخوف من المستقبل، مما يترك آثاره السلبية على حاضر الشاب المراهق الذي ينتابه الشعور بالعبث واللامبالاة نتيجة لانسداد آفاق المستقبل أمامه. «وفي هذا الشأن، توصل بحث ميداني شمل 800من الشباب في سن المراهقة إلى أن 78من أفراد العينة أعربوا عن قلقهم الشديد إزاء المستقبل الذي ينتظرهم، من بينهم 80يخشون البطالة بعد انتهائهم من الدراسة... كما يستفاد من بعض البحوث الميدانية حول الشباب المغربي أن 75من المراهقين يرفضون سلطة الأب، كما تبرز هذه البحوث وجود تحول كبير في ما يخص مفهوم الوقت وأمكنة قضاء هذا الوقت من طرفهم، فهؤلاء تحت تأثير قيم المتعة والثقافة الاستهلاكية أصبحوا أكثر ميلاً لقضاء أوقات فراغهم في المقاهي والمراقص والحفلات الخاصة، عوض النادي والمكتبة والمسجد.. ومما عزز قيم المتعة الآنية والثقافة الاستهلاكية لديهم ما تروجه وسائل الإعلام ولا سيما الغربية منها من قيم وأنماط سلوكية غريبة عن مجتمعاتنا العربية وتتنافى مع القيم والعادات والأنماط السلوكية السائدة في هذه المجتمعات. وقد أثبتت دراسات عديدة وجود علاقة بين انحراف هؤلاء وبين ما تبثه وسائل الإعلام العربي من برامج أجنبية مستوردة».

المراهق والجسد!

الجسد يلعب دوراً مهماً في شعور المراهق بهويته وفي تحرره من مرحلة الطفولة وولوجه عالم الكبار.
ولا شك أيضاً أن قبول المراهق لجسده يسهل عليه التكيف مع الآخرين والإحساس بالرضا عن نفسه، لكن عدم قبوله لجسده ورفضه له يؤدي به إلى مشكلات عديدة في التواصل مع الغير.
ـ وليد العسري، باحث في علم النفس يرى أن اهتمام المراهق والمراهقة بجسده يتجسد من خلال اهتمامه بمظهره الخارجي، وحرصه الكبير على الظهور بشكل جميل، ومن خلال الوقوف لساعات أمام المرآة والتزين والاعتناء بالجسد من أخمص القدمين إلى أعلى الرأس.
فايزة ذات السبعة عشر عاماً تتحدث عن جسدها بشكل حميمي: «لا بد للفتاة أن تهتم بجسدها وتعتني به بالطيب وارتداء أجمل الثياب، ولا بد لها أن تكون أنيقة في مظهرها حتى تكون مقبولة عند الناس، وأن تشرف المرحلة العمرية التي تنتمي إليها. فمرحلة المراهقة والشباب ليست دائماً مرحلة الفوضى في الأفكار واللباس، بل هي أيضاً مرحلة للجمال والأناقة والاهتمام بالجسد اهتماماً إيجابياً».
ـ أما أحد المراهقين (س. ل) 16سنة، فهو يعتبر أن الجسد عند من هم في سنه مجرد وسيلة لتبليغ رفض المراهق والشباب لما يحيط به من أناس ومجتمع وعادات. وبالتالي فهو يهمله احتجاجاً على ما يراه غير لائق في أسرته ومجتمعه«، بل إن هذا المراهق يحكي كيف أن عدة مراهقين يعرفهم يكرهون أجسادهم التي لم تعد أجساد شباب كبار، بل منهم من يعذب جسده عقوبة له بأن يجرحها بآلات حادة تاركاً ندوباً عميقة فيها، وآخرون يلجأون إلى الوشم فيشمون بالنار والرماد أسماء معينة إما لمشاهير من عالم الرياضة والفن أو أسماء لصديقة مقربة أو صديق محبوب.
التقليد الأعمى:
كيف ينظر أفراد المجتمع القطري إلى هذه الظاهرة؟ هل هناك مؤيدون لها؟ وهل هناك معارضون؟ وأي نسبة تطغى على الأخرى؟
يؤكّد محمود محمد أن ظاهرة التقليد للعادات الغربية والإعجاب متفشية بين الشباب العربي عموماً ويضيف: الظاهرة موجودة بكثرة ولا أحد يستطيع إنكار ذلك، خاصة في الأعمار التي تتراوح بين 20و30 سنة وأشار إلى أن الكثير من الشباب يفضلون قصات الشعر بأنواعها كالصحن واللحية الكلاسيك والمارينز والكابوريا، بل إن بعضهم - والحديث لمحمود - يضع في أذنيه حلقاً أو سلسلة ذهبية في الرقبة تحمل معها الصليب، دون خجل من أحد، مؤكداً أن هذه التصرفات تتصادم مع عادات المجتمع القطري.
وقال عيسى سلطان: للأسف الكثير من شباب هذه الأمة يتشبث بعادات لا تمت إلى القيم الأصيلة بصلة خاصة أولئك الذين يتشبهون بالنساء مثل صبغ الشعر وتطويله، أما محمد يونس فقال: التقليد حقيقة واقعة ويلمسها الناس جميعاً، منوهاً إلى أن الظاهرة طالت الملابس وقصات الشعر ومعظم أمور الحياة، ويقول سالم خلفان: إن هذه الظواهر لاتتفق مع عاداتنا وقيمنا الإسلامية النبيلة وهي موجودة في مجتمعنا القطري وتساءل: هل ديننا الإسلامي يسمح بتقليد الكافرين؟
وقال علي سالم إن بعض شباب الحي الذي يسكنه يحاولون تقليد العادات الغربية وتراهم يعشقون كل ما هو غربي على الرغم من تصادم تلك السلوكيات مع هوية المجتمع القطري المحافظ، وقال من المفروض أن يلتزم هؤلاء الشباب بسنة نبينا الكريم والابتعاد عن سنن الغرب التي ستوردهم التهلكة، مشدداً على ضرورة التمسك بالعادات والتقاليد والتعاليم الإسلامية.
وبدوره أكد عبدالعزيز حسين وجود ظاهرة التقليد الأعمى بكثرة، مشيراً إلى أنها تتصادم مع قيم ومثل المجتمع التي تعارف الناس عليها.. وقال حسين إن الأكثرية في المجتمع لايتقبلون سلوكيات هذه الشريحة من الشباب الذين - كما يبدو - لايوجد لآبائهم سلطة عليهم تقريباً.

حرية.. شخصية!

ولكن ما هو رأي الشباب الهاوي للعادات الغربية في قضية التقليد؟
يقول حمود شبيب: أفضل أكل الوجبات الغربية بأنواعها وأفضل اللبس الشبابي الكاجوال وأشاهد السينما الغربية ويرى أنه لا بأس في ذلك وأن هذه التصرفات حرية شخصية!.
أما عبدالعزيز الرميحي فيقول إنه يرتدي الملابس الشبابية في حالة السفر، كما أنه مغرم بمشاهدة أفلام الممثل الياباني جاكي شان.
واتفق معه محمد النعيمي، الذي قال إنه يسمع أغاني المطربة ماريا كيري وجورج مايكل وفرقة «سبايس جيرلز»، بينما يتفق الشباب (سحيم عبدالله، سعود عبدالعزيز، سلطان المهندي، عبدالله صالح) على تفضيل الوجبات الغربية بأنواعها على الوجبات المحلية، وأشاروا إلى أنهم مولعون بأداء فرقة «باكستروبويز البريطانية» كما يفضلون قصة الكابوريا والملابس السبور الخاصة بالفيلم الأجنبي شوم . وسماع الأغاني الغربية ومشاهدة الأفلام الغربية خاصة الأمريكية، وبعضهم يفضل الأكلات الإيطالية وفي مقدمتها البيتزاهت وسماع أغاني مايكل جاكسون ودي دي بوبو وفرقة كما يحب مشاهدة أفلام الإثارة والحركة، وأجمع هؤلاء على أن هذه التصرفات حرية شخصية ولا بأس من اتباعها كنوع من التجديد وكسر روتين الحياة الرتيب!!

قطار العولمة

وفي العاصمة السورية دمشق لن يمكنك الحصول على انطباع واحد وأنت تتجول في شوارعها، وتقف عند بعض شبابها. كيف يتصرفون؟ يتحدثون؟ يلبسون؟.. لا بد أن هذه المشاعر المتناقضة التي ستحصل عليها سوف تفتح مجالاً واسعاً لسؤال محوري؛ هل يمتلك هؤلاء الشباب هوية ثقافية واحدة أم متعددة؟ وإن كانت تجنح إلى التنوع فماهي الأساسات التي تقوم عليها تمثلات هذه الهوية؟.
هناك سمة واضحة تجمع جيل الشباب الحالي، وهي تتحكم إلى حد كبير بوعيه وبناء ثقافته. لا أحد يستطيع تجاهل ما تفعله الفضائيات التي بات كل بيت يرزح تحت سطوتها. الحديث الشاغل هو ماذا عرضت هذه القناة أو تلك، كيف ظهر المطرب(ة) في الفيديو كليب. كما أن عدوى الإثارة تنتقل بشكل سلس من الشاشة إلى حديث الشباب واهتماماتهم.
ولتحسس الأثر البالغ لعصر الفضائيات يمكن سؤال سكان العاصمة كيف كان شبابها قبل خمس سنوات فقط؟ وسنحصل على إجابة واحدة تقريبا (خرّبوا الشباب..). قبل سنوات قليلة لم تكن هناك فتاة تتجرأ على ارتداء أي شيء مما ترتديه فتيات اليوم. حيث يلاحظ العابر في مدينة دمشق أنه لا مشكلة اليوم أبداً في ظهور مساحات كبيرة من الجسد بشكل عار وفي مناطق مختلفة منه. وتظهر الفتيات إزاء ذلك ثقة لا يشوبها أي خجل أو حياء. بالتضافر مع ذلك، وبالنسبة للفتيان، تنتشر موضات غربية في الشكل والملابس لا تقف عند الشعر الطويل، بل تتعداه إلى صبغ الشعر وأحياناً وضع أقراط في الأذن وعدسات لاصقة في العينين.
ومن الأشياء التي تميز جيل الفضائيات (كما يسمونه سكان دمشق) هو إفراطه في استخدام التكنولوجيا وفي أوجه لا تمت لفائدة أساسية بأي صلة. حيث يقضي بعض الشباب هناك أكثر من 10 ساعات يومياً على ألعاب الكمبيوتر وفي مقاهي الإنترنت بعيداً عن رقابة الأهل أو ملاحظاتهم. كما أنه يمكن ملاحظة السعي الهستيري لدى هؤلاء الشباب لتغيير أجهزتهم الخلوية باستمرار، والحصول على أحدث الأجيال منها، إذ يكون الحصول على ثمن الجهاز من الأهل هو الشغل الشاغل والهدف الوحيد للشاب.
وهذه المشاهدات تظهر بشكل متدرج، وتتفاوت بين منطقة وأخرى في دمشق. تزداد وضوحاً في الأحياء الراقية وتتقلص إلى حد الاضمحلال في الحارات الشعبية.
لا يمكن فهم ذلك بالطبع بعيداً عن سياقات العولمة وأدواتها المؤثرة، ذلك بتصديرها أنماطاً من الحياة تصنع نمطاً واحداً للشخصية في شكلها أولاً ومضمونها بشكل أوتوماتيكي ثانياً. مطاعم الوجبات السريعة، الفضائيات وتبنيها للسلوكيات الخاصة بالغرب، ثم التقليد الببغائي لما يبثه الإعلام دون وعي حقيقي بماهية ما يتم تقليده.
في المقابل فإن العولمة تعاني كثيراً وتجد موانع وحواجز لا يمكن تجاوزها بسهولة، ذلك يحدث حيث تقف العادات والتقاليد مشكلة درعاً واقياً يمنع تأثيرات العولمة من الشيوع. نشاهد ذلك عموماً في البيئات الشعبية والمحافظة، فالحياة كما كانت عليه منذ سنوات، والآباء يورّثون أسلوب الحياة ومظهره كما يورّثون الملامح ولون العيون