المقالات

العدد 1905 - 6/5/2006



جدوى (الصلابة السياسية)

ما كانت الميوعة ولا الرخاوة ولا الخوف الوثني عماداً للسياسة الخارجية الناجحة، ذلك أن هذه المواقف كلها ترجمة لـ «الضعف» البالغ.. والضعف آفة كل موقف، وكل سياسة.
باستثناء حالات معروفة: نجد الساسة العرب لا يزالون يتلطفون مع السياسة الأمريكية حتى صار اللطف رخاوة، بل ميوعة، بل ذوباناً.. ويظن هؤلاء: أن هذا هو طريق النجاح والنجاة.. ونحن نسألهم : هل عندكم نموذج واحد يدل على أن (الميوعة) كانت سبباً للنجاح والنجاة؟ .. لن يجدوا جواباً محترماً عن هذا السؤال لعلة بدهية وهي: أن هذا النموذج لا يوجد!!
ومتى تحصل هذه الميوعة؟
تحصل في وقت الحاجة فيه أشد ما تكون إلى (الصلابة السياسية)، ولا نقول الجمود السياسي، فهناك فرق كبير بين الجمود الذي هو تحجر في الفكر السياسي: يخطئ دوماً في الحساب: في ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج.. أما الصلابة السياسية فهي موقف عقلاني مدروس مبني على المبادئ والمصالح مقترن بإرادة لا تلين في الحرص على هذه المبادئ والمصالح.
ثم إن الصلابة السياسية هي (البديل الوحيد والناجح) للحرب والقتال من أجل نيل الحقوق. ولقد ودع العرب الحروب: بالقول والفعل، فليس أمامهم - من ثمّ - إلا خيار (الصلابة السياسية).. أما الجمع بين التخلي عن الحرب، والتخلي عن الصلابة السياسية، فإنما هو (قرار جماعي) بالانتحار الجماعي، أو الهجرة الجماعية من الحاضر والمستقبل والتاريخ ومن الكون.
ثم متى تحصل هذه الميوعة أو الرخاوة السياسية؟... تحصل في وقت تقترف فيه الإدارة الأمريكية: الأخطاء بالأطنان باعتراف كونداليزا رايس التي اعترفت فقالت: «إننا ارتكبنا آلاف الأخطاء في العراق».
وتجاه هذه الأخطاء التي لا آخر لها - والتي تؤذي العرب كما تؤذي الأمريكان - تجاه هذه الأخطاء: تتعين الصلابة السياسية، فما استمر خطأ إلا بسبب الضعف في نقده ومواجهته.. وإذا كان الرئيسان الأمريكيان السابقان: جيرالد فورد، وجيمي كارتر قد أعلنا في وثيقة مشتركة منذ فترة غير قصيرة: أعلنا ودعوا إلى «إعادة التوازن في السياسة الأمريكية وتجديد الثقة بمؤسسات الجمهورية - وإعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية العليا».. إذا كانت هذه الدعوة قد صدرت منذ عشر سنوات تقريباً، فكيف بالحال الآن، وقد تكاثرت الأخطاء بل تضاعفت عشرات المرات؟
هذا بلاغ للعرب الذين آثروا الرخاوة على الصلابة دون منطق من عقل، ولا قاعدة من مصلحة ولا قيمة من كرامة.
بلاغ نقول لهم فيه: إن الصلابة السياسية هي العمل المشروع والمتاح والمجدي، فطالما أن الحرب غير مندلعة، فإن الصراع تركز في السياسة.. ومن خصائص السياسة الناجحة النافعة المحترمة: شجاعة القلب، وقوة الإرادة، وثبات النفس، وذكاء المناورة، وسرعة الحركة، وتكثيف القصف السياسي، والتصميم على التفوق والنصر.
والصلابة السياسية هي العمل الممكن والواجب والمجدي في التعامل مع الولايات المتحدة: ابتغاء أن تستعيد هذه الدولة الضخمة توازنها السياسي في موقفها من قضايا العرب وخياراتهم الحضارية.
والصلابة السياسية المطلوبة، بل الواجبة ليست تشنجاً نفسياً، ولا صياًحاً عالياً يسبب لصاحبه (الذبحة الحلقية)، وإنما الصلابة الواجبة: هي الموقف القوي الراسخ البصير الطويل النّفس، المفعم، بالحركة المتنوع الوسائل والأساليب، المخصّب بالقدرة على التحدي الذي ليس منه بد.