
المغرب - محمد نجيم
يطل علينا الباحث والكاتب المغربي: نور الدين الزاهي بمؤلف جديد سماه «المقدس الإسلامي»، وهو من الإصدارات المتميزة والجادة التي تقدمها لنا دار توبقال للنشر والتي أسسها في المغرب ثلة من الكتاب والباحثين المغاربة على رأسهم الشاعر محمد بنيس، وقد طبع هذا الكتاب بدعم مادي من وزارة الثقافة.
بهذا الكتاب يغوص نور الدين الزاهي ليبحث في إشكالية المقدس حيث يتوقف وجود المقدس على المقدرة الإنسانية في العطاء الرمزي. لذا، حينما تثار علاقة المقدس بالرمزي، يتحول سؤال المقدس إلى سؤال عن الكيفية التي يهب بها الإنسان المعنى لما يوجد حوله، وبها ومن خلالها يملأ الموجودات بالمعنى، كي تتحول إلى موجودات رمزية. وإذا كان المقدس مميزًا بغموضه وازدواجيته، فإن الرمز ظل دائماً حاملاً للغزو ومعنى ما فائضين، يتطلبان الكشف والإظهار. ربما لهذا السبب، ظلت الرموز لغة المقدس المفضلة، مثلما ظلت تعبيرية المقدس محكومة بتعددية المعنى وبلعبة الحضور والغياب، وكذا القدرة على استحضار الغريب والعجيب في واضحة النهار.
ليست الحمولة الغنية والرمزية للمقدس نتيجة لاستيهامات مجانية، بل هي تخضع لقوانين وتحترم دلالية وتركيبًا رمزيين يسمحان بتحويلها إلى تعبيرات كونية. من بين هذه القوانين والآليات البارزة، نجد المشابهة والمطابقة والتكرار، التي قد تتجسد في الأشكال المعمارية والهندسية والطقوسية فالمشابهة، والتطابق والتكرار تغمر المنزل الإسلامي بكل هندسته، مثلما تخترق الحضرة الطقوسية، بفضاءاتها الزمانية والمكانية والجسدية واللغوية. بجانب عناصر هذه الآلية، تحضر المشاركة بشكل مكثف وفاعل.
إن الآليات المذكورة هي نفسها آليات الرمز، والمجالات السالفة الذكر هي مجالات انتشاره وسيادته، فبحضور الرمز، يتمظهر شيء آخر داخل الجسدي، أو المعماري أو السردي. إنه شيء يبدو كأنه زائد أو فائض، يعبر عن عمق يظهر ويحتجب في نفس الآن، عمق يوحى بالمقدس ويشير إليه. لذا، يصبح استدعاء الممارسة التأويلية أمراً ضروريًا، وضرورته نابعة من ملازمته الفكر الرمزي.
ينتمي المقدس إذن إلى جهة الرمزي، وبفضل هذا الانتماء تتهيكل تعبيريته بالصور والرموز المتجذرة في عمق المتخيل الجمعي، لتظهر بألوان متعددة داخل المعرفي والطقوسي والمجالي والسياسي.
لكن، كيف يمكن الإمساك بهاته التمظهرات والتجليات؟ كيف يمكن رؤيتها ومشاهدتها بشكل ملموس؟
هذا ما تطمح دراسات هذا المؤلف إثارته وملامسته، دون تقديم وصفات منهجية أو خطابات نظرية مسبقة، بل عبر تشغيل لكل الجسد في الكشف عن الرمزي بوصفه المجال الذي يحيا فيه المقدس حركيته، بين أنماط القول والسلوك والتخيل، وفي الكشف أيضًا عن الطقوسي بوصفه المجال الذي يتحول فيه المقدس إلى معيش.