الرياض د. عقيل العقيل
وعندما نستقرئ واقعنا المعاصر تضارباً في الفتارى هذه تبيح والأخرى تمنع هذا يقول حلال والآخر يقول حرام والناس حيارى بين ذلك فمن مؤيد إلى معنف وهكذا رأينا هذا جلياً في قضايا الأوراق المالية والمساهمات في الشركات والبنوك فكم نحن بحاجة إلى توحيد مصدر الفتوى في الأمور التي نجد عامة الناس بحاجة إليها.
عدد من المشائخ ألقوا الضوء على هذا الأمر:
ثلاثة حلول
الشيخ د. عبدالسلام بن محمد الشويعر أستاذ الفقه المقارن المشارك بقسم العلوم الشرعية بكلية الملك فهد الأمنية يقول: إن من حديث الناس عامتهم وخاصتهم الاضطراب في الفتوى، والتنازع فيها حتى يُرى مِن التضاد والتعارض الشيء البيِّن.
ولا شكَّ أن الخلاف موجود ومعتبر ومراعى، دون الاختلاف المذموم الموجب للتعصب والتشدد والتنطع. والحديث ليس عن ذلك، وإنما عن الفتوى، والتصدر لها.
فلا ريب أولاً أن الفتيا منصب خطير ومهم جداً هابه الكثير من الصالحين مِن الصحابة ومَن بعدهم وتدافعوه أشدَّ التدافع.
وفي رأيي أن لضبط الفتوى، ورفع الإشكال الحالي فيها ثلاثة حلول:
الأول: زرع المراقبة الذاتية بالخوف من الله تعالى حال الإقدام على الفتوى، واستحضار ما ورد مِن الأحاديث كالذي رواه الدرامي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار)، وتأمل ما ورد عن الصَّحابة من تدافع الفتوى.
ويكون ذلك بتربية طلاب العلم على الخــــــــوف من الفـــــــــــتيا، وتعليمهم هـــــــذا الخُلُق بالـــــقول وبالفـــــــــعل، وتنشئتهم علــــيه.
ولا شكَّ أن المسؤول في ذلك أولاً من يتولى تدريس العلوم الشرعية للطلبة في جميع المراحل العمرية سواء في الدراسة النظامية، أو في حلق المساجد.
الثاني: تبيين القواعد التي يُعرف بها مَن يستحق منصب الفتيا، والذي يُستفتى في المسائل، فما كُل مَن تنصب أو تقدم جاز له ذلك. وإظهار ذلك لعوام الناس والمستفتين.
يقول أبو الوفاء ابنُ عُقيل المتوفى سنة 513هـ (لا يجوز للعامي أن يستفتي في الأحكام مَن شاء، بل يجب عليه أن يبحث عن حال من يريد سؤاله، وتقليده؛ فإذا أخبره أهل الثقة والخبرة أنه أهل لذلك علْمَاً ودِيانة، حينئذ استفتاه).
لذا فإن الفقهاء ذكروا أحكاماً للمستفتي يعرف بها المفتي.
والأمر الثالث: أنه لا بُدَّ من تدخل الجهات العامة في تقويم المعوج، ومنع الجاهل من الفتوى وجاء أن معاوية رضي الله عنه كان يسأل المُفتي مَن أذن له بالإفتاء، ويمنع من الإفتاء بلا إذن؛ فذكر أبو عامر الهروي قال: حججتُ مع معاوية رضي الله عنه فلمّاَ قدمنَا مكةَ حُدِّث عن رجل يَقضي وَيُفتي الناسَ مولّى لبني مخزوم، فأرسل إليه؛ فقال: أأُمرت بهذا؟ قال: لا . قال: فما حملك عليه؟ قال: نُفتي وننشر علماً عندنا، فقال معاوية: لو تقدمت إليك قبل يومي هذا لقطعتُ منك طابقاً، ثم نهاه. وجاء أن عمر قال لابن مسعود رضي الله عنه: أُنبئتُ أنك تفتي ولستَ بأمير، ولِّ حارَّها من تولى قارها». قال الحافظ الذهبي:» وهذا يدل على أن مذهب عمر رضي الله عنه أن يمنع الإمام مَن أفتى بغير إذن».
بل ذكر بعضُ العلماء أن من وظائف السُّلطان الفتوى، والنظر في أهلها؛ قال الخطيب البغدادي: «ينبغي على إمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يصلح منعه ونهاه وتواعده بالعقوبة إن عاد».
وقال محمد بن عبدالسلام بناني من فقهاء المالكية: «يجب على الخليفة تصفح أهل العلم والتدريس ورد الفتوى إلى من هو أهل لها وإعانته على ذلك ومنع من ليس أهلاً لها وزجره لأنها من مصالح المسلمين في أديانهم».
توحيد الكلمة
ثم تحدث الشيخ سعد بن محمد الفياض المشرف التربوي بإدارة التربية والتعليم بالرياض إمام جامع السعيدان بالرياض فقال: يقول الله سبحانه وتعالى في بيان أهمية سؤال أهل العلم عمّا أشكل فهمه أو خفي بيانه يقول (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فهذه الآية فيها حث على سؤال أهل العلم والتبصر بأقوالهم فهم الموقعون عن الله وهم ورثة الأنبياء ومصابيح الدجى بهم يعرف الحلال من الحرام والمحكم من المتشابه من أجل هذا حرص الإسلام على أن يكون اتباعه على منهج بيّن واضح يسوده الود والائتلاف لا الفرقة والاختلاف أو العصبية والحزبية التي تكون على خلاف ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فالإسلام أمر بالاجتماع ووحدة الكلمة ونهى عن التنازع والاختلاف وخصوصاً فيما يهم أمر الأمة جميعاً يقول تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، ويقول سبحانه (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الآية ومن ذلك أمر الفتوى فالفتوى أمرها عظيم وشأنها كبير فليس أثرها قاصراً على الفرد فقط بل ربما تؤثر على الأمة جمعاء مما ينتج عنه البلبلة والقلق وعدم الثقة وربما ساد الجهل مكان العلم والباطل مكان الحق.. لذا ينبغي للعلماء وخصوصاً في الأمور التي تهم الأمة جمعاء صغيرها وكبيرها ذكرها وأنثاها أن يوحدوا كلمتهم ويجتمعوا على كلمة سواء وفتوى واضحة لئلا يلتبس الحق بالباطل والحلال بالحرام ومن أمثلة ذلك ما طرأ حديثاً من أمر شركات الأسهم والاكتتاب فيها فظهر بعض الفتاوى المحرمة والأخرى المحللة مما أوجد بلبلة عند بعض الناس لذا لزاماً ولما فيه من مصلحة الأمة أن تتحد الفتوى وأن يجتمع العلماء أو اللجنة الدائمة للإفتاء وتكون متخصصة في هذا الشأن لما في ذلك من النفع والخير للجميع.

































