المقالات

العدد 1919 - 12/8/2006

في الشباب ضيعت اللبن
تحدي مزدوج
الشيخوخة فى الريف
مليار عجوز حول العالم
مفهوم رعاية المسنين في العالم العربي..
الاهتمام والتقدير
عالة على المجتمع
ماذا بعد الستين؟
رعاية العجزة
عقوق الأبناء
حاجتنا إلى المسنين
كيف نتعامل مع المسن

الشيخوخة ..... مشروع الموت

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا» وقال أيضاً: «ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه». إنها دعوة صريحة لمعاملة المسن بالحسنى، ولإكرامه وإغداقه بمشاعر الرحمة والرأفة ومعرفة حق العجوز المسن علينا، حتى أن الجزاء من جنس العمل، فمن رحم مسناً إلا قيض الله له من يرحمه ويكرمه في مثل هذه السن الصعبة حقاً.
بل إن الرأفة بالمسن ومعاملته بالكرم والرحمة يعتبره الإسلام إكراماً وإجلالاً لله عزّ وجلّ، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم».
إذاً، فالإسلام سبق كل التشريعات وقوانين حقوق الإنسان المعاصرة وأمر بالإحسان إلى العجوز الكهل رأفة بسنه وحالته.

أعد الملف

الدمام - فؤاد نصر الله
الكويت - جنان حسين
دمشق - عماد ساره
القاهرة - علياء دربك
المغرب - سكينة أصنيب وحسن الأشرف

والإنسان يمر في حياته بعدة مراحل منها مرحلة الطفولة والشيخوخة، ويحتاج إلى رعاية خاصة في هاتين المرحلتين. وإذا كانت مرحلة الطفولة قد حظيت باهتمام واضح على المستوى القومي والدولي، إلا أن مرحلة الشيخوخة لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام وخاصة في البلاد النامية. ونظراً لارتفاع نسبة كبار السن في العالم نتيجة لانخفاض نسبة وفيات الأطفال وارتفاع معدلات توقعـات الحيـاة، سيؤدي إلى انعكاسات على التنمية الاجتماعية والاقتصادية مما يحتم الاهتمام بقضية الرعاية المتكاملة لكبار السن.

تحدي مزدوج

وتواجه البلدان النامية تحدياً مزدوجاً: فيتعين عليها من ناحية المضي قدماً في عملية التنمية، مما يشتمل على النهوض بالاقتصاديات، وتوفير التعليم، وحماية حقوق الإنسان؛ ولابد لها من ناحية أخرى الإعداد لكبر عمر سكانها. والمثير للعجب أنه من المتوقع أن تسير تلك العملية على نحو أسرع بكثير في البلدان النامية عما تسير عليه في العالم الصناعي.
وهناك عمليات أخرى للتحول تتم في البلدان النامية يمكنها أن تشكل تهديداً إضافياً «للتقدم في السن على نحو آمن» بالنسبة للمسنين في معظم أنحاء العالم، ولعقود قادمة. فعلاوة على الهجرة والتحضر، فإن التحول من نظام الأسر الممتدة أو العائلات، إلى الأسر الأصغر حجماً والأكثر تنقلاً، إلى جانب غياب القدرة على التمتع بالتكنولوجيا التي من شأنها تعزيز الاستقلالية، كالمعلومات وتكنولوجيا الاتصال، وغيرها من التغيرات الاقتصادية الاجتماعية، يمكنه أن يسهم وبشكل فعال في زيادة تهميش كبار السن وإبعادهم عن الاتجاهات السائدة للتنمية، وحرمانهم من أدوارهم المهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وإضعاف فرصهم التقليدية في تلقي الدعم.

الشيخوخة فى الريف

ربما تشكل تأثيرات التقدم في السن في المناطق الريفية مشكلة اجتماعية، حيث ينتقل الصغار إلى المدن، تاركين وراءهم الكبار وحدهم، وأحياناً يتركونهم في مناطق معزولة، ليتدبروا شؤون حياتهم بأنفسهم.
وهناك أعداد ضخمة من كبار السن في الريف قد لا يستفيدون من أية معاشات أو تأمينات صحية أو ضمان اجتماعي له قيمته. ومع تزايد «الالتزام الحضري» للشباب من المهاجرين تجاه المدن الكبيرة والصغيرة، فإن التحويلات المالية التي يرسلها هؤلاء إلى أسرهم في المناطق الريفية قد تتضاءل، مما يترك كبار السن بلا دعم مالي أو أية موارد بديلة. وقد يتم تهميش قطاعات كاملة من كبار السن وتحديد الفرص المتاحة أمامهم، سواء على الصعيد المالي أو من حيث الحصول على الموارد الاقتصادية، والإسكان، والرعاية الصحية، والقدرة على المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وقد تتسع الهوة بين الأشخاص النشطين وغير النشطين اقتصادياً، مما يسفر عن توسيع الفجوة بين الأجور، أو زيادة حدة عدم المساواة الاجتماعية القائمة بالفعل داخل البلدان.
وباختصار فإن تقدم سن السكان في الريف قد يخفض من معدلات الإنتاج والدخول، مما يؤثّر سلبياً بالتالي على الأداء الاقتصادي للبلاد بشكل عام.

مليار عجوز حول العالم

تظهر مؤشرات الإحصاءات الديمغرافية اختلال شكل الهرم السكاني في بعض دول العالم، وذلك بتضخم قمة الهرم السكاني ووسطه، (فئة كبار السن والشباب) سنة بعد سنة، وقد وصل الأمر في بعض الدول المتقدمة إلى درجة انقلاب الهرم السكاني بسبب تزايد عدد كبار السن وقلة المواليد، وارتفاع العمر المتوقع نتيجة للتطور المستمر والمتزايد في الخدمات الصحية، بالإضافة إلى الاهتمام المتزايد بفئة كبار السن مما يمكن أن يحقق أحلام الإنسان باستعادة الشباب بدليل الطفرة التي حدثت في أعمار البشر في المائة وخمسين عاماً الأخيرة.. فقد قفز متوسط عمر الإنسان من 35 سنة فقط عام 1850ليصبح بين 45 و50 سنة عام 1900، وفي ثمانينيات القرن الماضي ارتفع ليصل 60عاماً.. ومع نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين وصل 70عاماً للرجل و 80عاماً للمرأة.
الطريف أن زيادة متوسط عمر الإنسان لم تجعل الصورة وردية في العالم كما كان متوقعاً..ففي النهاية زادت أعمار المسنين والمصابين بالشيخوخة وبالتالي زاد أعداد الحالمين بالشباب.
تقول الإحصاءات العالمية إن عدد المسنين في العالم ارتفع مع بداية هذا القرن إلى 500مليون إنسان، منهم 230مليوناً من الدول النامية وهم يشكلون كما يقول د. أحمد كامل مرتجى أستاذ ورئيس وحدة المسنين في كلية طب عين شمس 10من إجمالي سكان العالم حالياً يتوزع بنسبة 55 في دول العالم الثالث، 45في الدول المتقدمة.
والمثير أنه من المتوقع أن يزيد عدد المسنين في عام 2020ليصل مليار إنسان! أي مليار عجوز وحالم بالشباب.. ورغم أنهم أصبحوا يتمتعون بطول العمر إلا أنهم يعانون من أعراض وأمراض الشيخوخة بنسب متفاوتة وتلك هي المشكلة!!

مفهوم رعاية المسنين في العالم العربي..

أدرك المسئولون في الوطن العربي والعالم أنه لابد من وجود أنواع من الرعاية النفسية والاجتماعية بجانب الرعاية الصحية للمسنين؛ غير أن الجهود في هذا المجال لم تزل محدودة في وطننا العربي ، ودون المستوى المطلوب من الرعاية والعناية ورغم انتشار دور ومراكز رعاية المسنين إلا أن اقتصار برامج هذه المؤسسات على الرعاية الداخلية دون محاولة إدماج روادها بالمجتمع الخارجي، يترتب عليه زيادة إحساس المسن بالعزلة والوحدة والاكتئاب.
وفي حين ركزت الدول المتقدمة اهتماماً على المسنين باعتبارهم أولى المجتمعات التي احتلت فيها الشيخوخة مكانة بارزة في هرمها السكاني، أحجمت الدول النامية والعربية منها على وجه الخصوص عن الاهتمام بأفراد هذه الفئة، حيث لم تضع الدول العربية برامج وخططاً حكومية خاصة بالمسنين ولم تجر دراسات وبحوث حول أوضاعهم حتى الميدان الصحي لم يوفر مشاف لـ«طب الشيخوخة» ودوراً خاصة برعاية المسنين.
ويرى سمير الزناتي (عالم اجتماع) أن «سبب تجاهل الحكومات والدول العربية لموضوع المسنين هو ما يجده أفراد هذه الفئة داخل مجتمعاتهم من رعاية واحترام وبذلك فهم لا يشكلون مشكلة اجتماعية كبيرة تثير انتباه الحكومات وتستدعي تدخلها، فالمسنون في العالم العربي مرتاحون لأنهم قادرون على لعب دور اجتماعي مهم بسبب التعاليم الدينية والعادات والتقاليد التي تفرض على الغير احترامهم وإجلالهم».
ويعتبر سعيد الحسني (طبيب وإخصائي اجتماعي) أن «أهم المشكلات النفسية التي تواجه المسنين هي الشعور بالخوف من المستقبل ومن مواجهة نكران العائلة والمجتمع، حيث تنتابهم مخاوف من اعتلال صحتهم فيضطرون إلى قبول مساعدة الغير في الحركة والأكل، أما ضعف الذاكرة أو فقدها فهو أقسى مخاوف المسنين الذين لا يخشى كثير منهم الموت بقدر ما يخشون نسيان الأشخاص والأحداث أو الإصابة بالخرف والهذيان».

الاهتمام والتقدير

تقول الأستاذة في العلوم الاجتماعية نهال العلي من دولة الكويت إن الشيخومة في بلداننا تفتقد لأهم عناصر الاهتمام، فبعد عطاء طويل وسنوات في العمل يهمش الإنسان ويصبح لا فائدة له، وكأن عطاءه وعمله مرتبطاً فقط في مرحلة عمرية معينة على عكس ما يحدث في العالم الغربي، حيث يؤمّن لهم حياة مستقرة مادياً ومعنوياً وتقوم بعض المؤسسات الاجتماعية باحتوائهم وعمل برامج تثقيفية وترويحية تتناسب مع قدرات وميول كل شخص.
وقد قمت بعمل دراسة حول الشيخوخة في عالمنا ووجدت أن هناك عدم اهتمام في مراكز المسنين، وكأن المجتمع يرفض وجود هؤلاء، وحاولت أن أطرح مقترحات بعمل مراكز مخصصة لهؤلاء ومبنية على أُسس علمية تدفعهم للعطاء والعمل، وأن تقدم بهم السن، لأن كل شخص لا بد لديه أفكار معينة قد تفيد في إنجاز بعض الأعمال أو توجه نحو مجال معين.
وأكّدت د. نهال العلي على أهمية الإشراف الكامل على دور الرعاية بشكل عام في وطننا العربي، لأن الشخص المسن لا يحتاج المأكل والملبس والنوم، بل هو بحاجة ليشعر أنه ما زال عنصراً فعالاً في المجتمع».
ويشاركها الرأي الدكتور أحمد زكريا من الكويت فيقول: لا بد من الاهتمام بالشيخوخة من خلال إقامة الندوات والاجتماعات والمؤتمرات، وأعتقد أن هذا الجانب ينقصه الكثير من الاهتمام الإعلامي، كما أن القيام ببعض الفعاليات والأنشطة لهم والبرامج الترويحية تساعد على إعادة الثقة بنفسهم والشعور بالحياة.. إذ يجب أن نتفهم حقيقة واحدة إن كل إنسان له دور في الحياة، وأن الشخص في سن الشيخوخة قد أعطى الكثير الكثير طوال حياته ولا بد من تقدير هذا العطاء.

عالة على المجتمع

في سورية يتم التعامل مع المسنين سواء من قبل الحكومة أو من قبل الأفراد، بأنه عالة على المجتمع وحالة ميؤوس منها.. وانطلاقاً من هذا المفهوم لم نجد أية إحصائية في سورية تتعلق بالمسنين وكيفية رعايتهم، وكل ما وجدنا هو عبارة عن عدد من دور الرعاية الصحية للمسنين وهذه الدور لا يتجاوز عددها أصابع اليدين وهي في غاية السوء من حيث النظافة والرعاية كونها تفتقر للاختصاصين كما تفتقر للتمويل، كما وجدنا داراً واحدة للمسنين ذات النجوم الخمسة (دار السعادة) وهي دار تحتوي على خبراء في التعامل مع المسنين وتتمتع بقدر كبير من النظافة والرتابة إلا أن هذه الدار لا تستقبل إلا المقتدرين والقادرين على دفع نفقات الدار التي تعتبر عالية جداً.. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية صريحة في سورية تحدد عدد المسنين إلا أن المجموعة الإحصائية السورية لعام 2005تؤكّد بأن بيان التركيب العمري في سورية يشير إلى أن عدد المسنين (ما فوق 65سنة) لا يتجاوز 3.6من عدد السكان البالغ حوالي 18مليون نسمة أي يوجد في سورية ما يفوق 600ألف مسن وسواء كان هذا الرقم صحيحاً أو غير صحيح (على اعتبار أن المعمرين فوق 65قلائل جداً) فهو يعني وجود فئة واسعة من المجتمع السوري هشة متداعية وضعيفة تحتاج إلى مساعدة إلا أن المفهوم العام السائد لدى الحكومات العربية بشكل عام هو ترك المسن لمصيره كونه أصبح عديم الفائدة بدل من العمل على تحريض أنشطته الذهنية والجسدية لتقليل عوامل الشيخوخة، ويكفي زيارة أحد دور المسنين في سورية ليكتشف المرء الحالة المزرية التي يعاني منها هؤلاء من حيث العناية والنظافة والاهتمام... كما أن معظم المسنين في سورية يفتقدون لأي نوع من أنواع الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي أو التقاعد، مما يجعلهم تحت رحمة أولادهم الذين يكونون عادة في حالة من العوز بسبب البطالة أو مسؤوليات إعالة عائلاتهم.
ولدى سؤال اليمامة الدكتور كامل عمران أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق حول هذه الظاهرة قال إنه بالرغم من كل شيء لا يستطيع أحد التشكيك في أن مجتمعاتنا العربية ما تزال بخير بسبب الترابط الأسري والقيم التي تربينا عليها في إعالة من أعالنا سابقاً إلا أن ظاهرة تزايد عيش كبار السن في دور للعجزة أو لوحدهم دون معيل أو شروط صحية تتزايد بشكل كبير ومعظمهم يعاني من وحدة قاتلة وكثيراً منهم يتعرضون لأزمات نفسية حادة أو الإصابة بالجلطات التي تودي بحياتهم وأحياناً يموتون على أسرتهم دون أن يشعر بهم أحد.
وشدد عمران بأن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الأهل ثم الدولة ولم يستثن عمران المؤسسات الدينية، حيث أكّد أن العناية بالمسنين تقع على عاتقها أيضاً كونها تجسد مبدأ الرحمة بالعناية بالمرضى والعجزة والفقراء والمحتاجين... إلا أنه قدم مبرراً للمؤسسات الدينية مؤكّداً بأنها لا تستطيع تغطية كل الحالات وتلبية كل الحاجات، وأشار إلى أنه كثيراً ما نسمع عن موت عجوز في منزله وحيداً واكتشاف مماته بعد عدة أيام أو موت عجوز حرقاً، أو موته إثر سقوطه من على سطح بناء أو في الشارع...الخ وأضاف عمران بأن الحل لهذه المشكلة هو تنمية فكرة العناية بالمسنين لدى الأبناء والاهتمام بشكل كبير بدار المسنين لتصبح هدفاً للمسن عندما يشعر بالعجز أو بثقل خطواته إضافة إلى العمل على وضع نظام حديث للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي للمسنين يشمل الجميع دون تمييز، فلا تتحول فترة الشيخوخة إلى مرحلة مرارة للمسنين ولأهلهم الذين لا يتمكنون من العناية بهم لضيق الحال.

ماذا بعد الستين؟

في المملكة المغربية يمكن اعتبار سن الستين بداية مرحلة عمر المسن أو العجوز، وخلالها يمر بتغيرات عديدة منها: شعوره الحاد بفراغ قاتل يدب في أوصال حياته، إذ غالباً ما يكون المسن قد تقاعد عن العمل أو الوظيفة، وبالتالي يكون فقد تلك القدرة على العطاء والتفاعل مع المجتمع من خلال مهنته وعمله، فيشعر بالفراغ يهيمن على كل جزئيات حياته.
الحاج التهامي 68سنة، لا يتورع في الشكوى من الفراغ المخيف الذي اجتاح حياته منذ ثماني سنوات. يقول لليمامة: «بعد إحالتي على التقاعد (المعاش) صرت أجلس في البيت أكثر، فكنت أنتقد الكثير من التصرفات والسلوكيات لزوجتي -رحمها الله- ولأبنائي وأحفادي أيضاً، حتى أنهم ضاقوا بي ذرعاً، فالتجأت إلى المسجد أظل فيه سحابة نهاري. ولكن بعد مغادرته، أعود إلى فراغي الفظيع، والحمد لله على كل حال».
فيما يؤكّد الدكتور أنس الطيب لحلو أخصائي نفسي، أن المسن المكتئب يعيش وسط أسرته دون أن يلحظ أفرادها أعراض الاكتئاب عليه، لأنه يصعب التمييز بين علامات الشيخوخة وكبر السن وبين أعراض الاكتئاب والانعزال الاجتماعي، فالأسرة تعتقد أن المسن الذي يعيش بين أفرادها ينعزل بسبب سنه وعزوفه عن الحديث والمشاركة في الأحاديث والجلسات الجماعية، فتظن أن الأمر طبيعي، ولكن قد يكون ظنهم خاطئاً، والمسن فعلاً قد يعاني من مرض الاكتئاب.
أما المعالج النفسي رابح ولد سالم، فيرى أن أعراض الاكتئاب يمكن علاجها بسهولة في مراحل ظهورها الأولى، ولكن إذا ما استمرت دون علاج نفسي، فإنها قد تؤدي بالرجل المسن أو المرأة المسنة إلى حالات خطيرة من الإعاقة أو التدهور العقلي. وعلاج اكتئاب المسن يمر عبر الاهتمام بجسده ورعايته في جميع مستويات صحته بشكل عام من الحرص على معرفة مدى سلامة قلبه وقوته، ونسبة السكر في دمه، ودرجة ضغطه الدموي، وما إلى ذلك. وأحياناً لا يكون العلاج إلا بمده بعقاقير أو حقن مضادة للاكتئاب.
ويعترف العم إبراهيم 70سنة، أنه عاش عشر سنوات حزيناً بلا سبب، مكتئباً لا يحب الحياة ولا التفاؤل، وكان أبناؤه وأحفاده يعملون المستحيل لإرضائه، ولكن بسبب إحساسه الداخلي بأنه صار عبئاً ثقيلاً على عائلته، فكان يشعر بالإحباط والعجز الذي تحول بمرور الأيام إلى اكتئاب، ولم ينفع معه علاج طبي سوى تجرع بعض الأدوية المضادة للاكتئاب مدة من الزمن حتى عادت نفسيته إلى سابق عهدها.

رعاية العجزة

لم تكن دور المسنين فكرة مقبولة من قبل، خلال سنوات خلت، ولكننا صرنا اليوم نسمع عن انتشار دور العجزة هنا وهناك، بل الأدهى أننا شاهدنا وسمعنا بحالات يرمي فيها الابن بأحد أبويه في هذه الدور للتخلص من أعبائهما، وفي المغرب لا توجد دور العجزة بشكل مكثف، ولكنها موجودة على كل حال ولو بطريقة محتشمة. وأسباب نشوء دور العجزة والمسنين في المجتمع تعود إلى عدة دوافع اجتماعية وتربوية، منها:
عولمة التحلل الأسري: هناك اتباع أنماط عيش الأسر الغربية وتقليدها حتى في مسخها وانفكاك أواصرها وانحلال ركائزها، فنجد التضامن والتكافل بين أفراد الأسرة الواحدة صار يقل شيئاً فشيئاً مع توالي السنين لاندثار تلك العاطفة الجياشة التي تجمع بين الأصول والفروع في نفس الأسرة، إذ أضحى الشاب لا يفكر إلا في كيفية الحصول على لقمة عيش كريمة له ولزوجته وأبنائه على أقصى تقدير. أما والداه أو أجداده، فإنه قد يتمنى في قرارة نفسه أن تنشق الأرض وتبتلعهم، وفي أحسن الأحوال أن يقذف بهم في أبعد دار للعجزة. وهذا عقوق واضح بدأ ينتشر في مجتمعاتنا تماماً، كما انتشر من قبل عند الغرب، والعقوق ذمه الإسلام، بل إن الله تعالى قرن بين الإحسان إلى الوالدين بالتوحيد في مواضع شتى في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً).
يقول الأستاذ أبو سالم عبد الحميد، باحث في الدراسات الإسلامية أن سبب الانحلال الأسري يعود في الأصل إلى سيطرة الفكر الغربي بثقافته وسلوكياته المنحطة أحياناً على مجتمعاتنا الإسلامية، وهيمنة القيم الغربية على قيمنا الاجتماعية البسيطة والجميلة. وهذا، الانحلال الأسري أدى إلى تباعد الأفراد فيما بينهم وغياب عاطفة الأخوة والأبوة، وقرابة الدم ولَّت هباء، فليس بغريب أن نسمع حالياً فتاة مسلمة تنهر أمها أو أباها أو تصرخ في وجه جدتها، فقط من أجل نزوة غضب أو محاولة لتكميم أفواههم لكي تعمل هي ما يحلو لها، وليس بغريب الآن أيضاً أن يحمل الشاب أحد المسنين في أسرته أباً أو عماً أو جداً أو أخاً أو خالاً إلى إحدى دور المسنين، بدعوى أنه سيلقى الرعاية هناك أفضل مما يلقاها في البيت، وهو عذر أقبح من زلة كما يقال».

عقوق الأبناء

كثير من حالات إيواء المسن في دار العجزة تعزى أسبابها إلى عقوق الأولاد لآبائهم المسنين أو أمهاتهم المسنات، أو أجدادهم وجداتهم. وتتفاوت درجات العقوق من حالة إلى أخرى، فهناك البنت أو الولد الذي يهمل والده أو جده إهمالاً يفضي إلى رغبته في العيش في دار للعجزة على أن يبقى في بيت لا يهتم به فيه أحد. وهناك العقوق المتمثل في تفضيل الزوج لزوجته، إما خوفاً منها أو حباً أعمى لها، فيفضل الرجل امرأته على والديه، وينهرهما لإرضاء الزوجة، فيؤثّر هذا الوالد أو هذا الجد المسن دار العجزة على العيش ذليلاً من تصرفات أقرب الناس إليه: ولده فلذة كبده، وتصل أقسى وأفظع درجات العقوق إلى شتم المسن وسبه علانية في وجهه وإبداء الرغبة في الابتعاد من البيت إلى حد طرده شر طردة.
يحكي أبو أحمد عن حالة جاره المسن الذي اضطر للعيش في دار للعجزة في المدينة بعد أن طرده ابنه البكر من المنزل، بدعوى أنه لا يستطيع إعالته، خاصة بسبب تكاليف دواء السكري، ولكن الواقع أنه طرده من بيته بسبب زوجته التي سعت إلى التفريق بين الابن وأبيه، فتحكمت في الزوج وأرغمته على طرد والده وتسجيله ضمن مرتادي دار العجزة، وكذلك كان. ويحكي أبو أحمد أن ذلك الجار أسر له يوماً وهو يبكي بأن ابنه لم يكلف نفسه عناء زيارته ولو مرة واحدة منذ عدة أشهر، مدة وجوده في دار العجزة، وهو الآن مشرف على الهلاك بسبب المرض، والابن في واد بعيد يهيم فيه مع زوجته.

حاجتنا إلى المسنين

يظل المسن قبل كل شيء إنساناً يمتلك قلباً وذاكرة ويستحق كل عناية واهتمام، تلك العناية والاهتمام اللذان كان يحيطه بهما أفراد أسرته حينما كان في سن القوة والعطاء. فلماذا يحرم منهما بعد أن بلغ من الكبر عتياً؟ ألا يكفي ما يشعر به من مشاعر الاكتئاب والفراغ والعزلة، وما يعتريه من أمراض نفسية وجسدية؟ حتى يضيف المجتمع إلى هذه التركة الثقيلة إهماله لهم في سن يجدر بنا أن نمد له يد العون فيها.
يقول الأستاذ ربيع باحث في العلوم الاجتماعية عن هذا الجانب: «إن المسن في مجتمعنا العربي عامة لا يحتاج إلى الرعاية بقدر ما هو في أشد الحاجة إلى إظهار افتقارنا وحاجتنا له ولمشاركته لحياتنا، ومساهمة بأفكاره وتجربته في تجاربنا الحياتية نحن أبناؤه وأحفاده وجيرانه وأفراد المجتمع ككل.
ويضيف: إنني أتساءل لماذا لا تكون الاستفادة من تجارب وخبرات المسن التي راكمها طيلة حياته؟ مثلاً يمكن الاستفادة من خبراته بأن يتم تشغيله مربياً للأطفال أو حارساً أو جليساً لهم في الروضات ونستفيد ملء فراغ المسن واستفادته من راتب انقطع عليه، وأيضاً استفادة المجتمع من تجاربه في الحياة. وهناك فكرة أخرى، وهي: كما أننا نسعى كجمعيات وكمجتمع إلى مساعدة الشباب على الزواج، لماذا لا نعمل على تزويج العجزة والمسنين بمن هن في سنهن أو أقل، وذلك لتكسير طوق الانعزالية وإزالة شعور الاكتئاب من قلوبهم؟

كيف نتعامل مع المسن

الاحترام والرعاية أعظم الواجبات التي على الأسرة والمجتمع الوفاء بها تجاه المسنين حيث يتوجب على الأفراد ضمان أمان اقتصادي ورعاية صحية وخدمة شخصية للمسن، ومن الأهمية بمكان إبقاؤه نشطاً قادراً على الابتكار والحرية ومشاركاً في الحياة والعطاء، ورد الجميل له وإشعاره بالحب وبالحاجة إليه.
أما الدولة فعليها أن تتحمل مسؤوليتها تجاه هذه الفئة وأن تعي أن حجم المسنين يتزايد بشكل مضطرد مما يوجب وضع برامج وخطط مستقبلية خاصة بهم سيما أن تكلفة رعايتهم كبيرة، حيث إن المسنين هم أكثر الفئات استخداماً للخدمة الصحية، وهم الأكثر استهلاكاً لكل الإمكانات الطبية، سواء في مجال إشغال الأسرة في المستشفيات، أو بكمية الأدوية المستهلكة. وقد بلغت النفقات الحكومية على المسنين في بعض المجتمعات ثلاثة أضعاف نفقاتها على الأطفال.
ولعل أهم ما يجب توافره هو خدمات «طب الشيخوخة» الشبه منعدمة في العالم العربي والتي تضمن كفالة ورعاية المسنين وتقديم العناية الصحية المستمرة عبر الفحوص الدورية ووضع البرامج الوقائية.
كما يجب على الدول وضع التخطيط الشامل لرعاية شؤون المسنين وإدماجهم ضمن التخطيط التنموي العام، وتأمين الجو الثقافي والفني المناسب لهم، ودعم الدراسات والبحوث التي تعنى بمجال الشيخوخة وتوعية الناس بواجبهم تجاه كبار السن وتكثيف التعاون بين الحكومات والمنظمات الأهلية وسائر قطاعات المجتمع لتحقيق سعادة المسنين في أيامهم الأخيرة.