المقالات

العدد 1919 - 12/8/2006



الدم العربي الرخيص

في لبنان قتل أكثر من 1000مدني وعدد الضحايا يزداد كل يوم بالعشرات بعد أن ضاعفت إسرائيل قوة نيرانها ودفعت بـ 30ألف جندي إضافي أطلقت يدهم لتدمير كل شيء في لبنان حتى نهر الليطاني وربما بعد الليطاني.
في العراق تقول مصادر مسؤولة عن مشرحة مدينة بغداد أن هذه المشرحة استقبلت وحدها 1852قتيلاً مدنيًا خلال هذا الشهر.
في الضفةالغربية وقطاع غزة قتل أكثر من 200فلسطيني خلال نفس المدة، والحصيلة مرشحة للارتفاع إذ يبدو أن قواعد الاشتباك التي يطبقها الجيش الإسرائيلي في لبنان تمتد إلى الضفة وغزة؛ فنفس الطائرات التي تدمر البنايات والجسور والطرق في لبنان تزور غزة والضفة الغربية يومياً لتطلق صواريخها على بيوت الفلسطينيين ومرافقهم العامة.
شهر من الموت العربي الجماعي وشلال من دم النساء والأطفال والشيوخ يتدفق على امتداد الخريطة العربية من البصرة إلى غزة إلى بعلبك، وكل ما يفعله المجتمع الدولي هو أن يشيح ببصره بعيداً عن المشهد المأساوي في منطقة الشرق الأوسط. القوى الدولية التي بيدها الحل والعقد استرخصت الدم العربي إلى درجة الاستهتار؛ فالمواقف تتراوح بين التجاهل أو التغابي عن الأسباب الحقيقية لما يجري على هذه الساحات العربية النازفة، إن الاكتفاء بمعالجات مبتسرة وناقصة ومعالجات تتعامل مع الأعراض وليس مع الأمراض التي هي مكمن الداء وسبب المحنة.
أما العرب أهل المصاب والوجع فقد أقعدهم العجز والشلل وتسللت إلى أوصالهم روح استسلامية غريبة بأنهم لا يستطيعون عمل شيء إزاء ما يجري وأصبح الموت العربي قدراً لا فكاك منه. التحرك العربي بطيء وأقل من المطلوب، والدبلوماسية العربية يعوزها التفعيل والتنسيق، والمجتمع الدولي لا يأخذ المواقف العربية بجدية، ومنظمات المجتمع المدني العربية التي كان يمكن أن تشكل رافعة لإسناد الموقف الرسمي العربي تبدو ضعيفة وممزقة ومخترقة بالتيارات السياسية المشغولة بمناكفة الأنظمة السياسية في بلادها أكثر من الهموم القومية الكبرى.
هذا الدم العربي المسفوح على مدار الساعة يتطلب وقفة عربية جادة وموقفاً دولياً مسؤولاً ومنصفاً، فلا يعقل أن يقبل المجتمع الإنساني في القرن الـ 12 بهذا القتل الجماعي للمدنيين، ولا يمكن أن تتحدث الحضارة الإنسانية المعاصرة عن مبادئ حقوق الإنسان وتعج الساحة الدولية بمنظمات حقوق المرأة والطفل بينما الأطفال والنساء يقتلون بالعشرات في بغداد وغزة وبيروت.
يحتاج العرب إلى وقفة مصارحة مع النفس وإلى إيجاد إرادة جديدة ترفض الاستسلام لهذا الواقع المريع، لكن العرب يحتاجون أيضاً لمساندة حقيقية من المجتمع الدولي ومن القوى التي تمسك بأطراف خيوط المأساة العربية بشكل أو بآخر. إن الضمير الإنساني وكل قيم الخير والكرامة تقتضي أن تتضافر كل الجهود عربية ودولية للخروج من هذا النفق المظلم الملطخ بالدماء.