المقالات

العدد 1919 - 12/8/2006

خبر في جريدة غيّر مجرى حياتي
الانتقال إلى الرياض
بين التاريخ والأدب
200 مؤلف
تاريخ هجر

الشيخ عبدالرحمن الملا المؤرخ والأديب

مقابلة مميزة مع هذا الشيخ الفصيح الذي يحمل تراث عائلة عريقة أثرت الواقع بعلمها وأدبها ومثقفيها. فقد نعمة البصر وهو طفل فأنعم الله عليه بنعمة البصيرة، ووجد أن الإصرار وقوة الإرادة قادرة على إنجاز أصعب المهام.
وبرغم دراسته اللغوية فقد تصدى بالبحث والتنقيب عن تاريخ الإحساء، وراح يفتش عن طبيعة الحجر وتاريخ البشر ليخرج على الناس بكتاب علمي ثقيل الوزن عالي القيمة هو «تاريخ هجر».
نظم الشعر، وكتب المسرحية، واخترق طبقات مجهولة في تاريخ المنطقة الشرقية، وفي عمله هذا استند إلى الشفاهي وراح يفتش في الصكوك الشرعية فاستخرج منها أنصع الحقائق.
عن الخليج المعاصر أعد بحوثاً في غاية القيمة تؤكّد على أهمية الحفاظ على سمات المنطقة وصون تاريخها. إنه تاريخه يمشي على الأرض بثقة وتواضع في آن واحد، إنه الشيخ عبدالرحمن بن عثمان الملا المؤرخ والأديب الذي سألناه في بداية هذا الحوار عن بدايات مشواره الحافل فقال

حوار- فؤاد نصرالله

- كانت ولادتي في حي الكوت بمدينة الهفوف محافظة الإحساء، وذلك في شهر صفر سنة 1359هجرية، وقد فقدت البصر في السنة الخامسة من عمري على إثر إصابتي بالرمد الصديدي، وعندما كنت في السادسة أو السابعة إلا قليلاً من عمري ألحقني والدي عثمان بن محمد الملا بأحد الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم، ولكنني منذ صغري، أو منذ طفولتي المبكرة شعرت بنفور من نظام الكتاب، ولم تطب لي الطريقة التي كانت تمارس فيه لعدة عوامل منها أن المعلم لم يكن متفرغاً لتعليم الصغار، وعدم عنايته بكل طالب، ومنها الفوضى التي تسود جو التعليم، وأحسست بعدم الاستفادة وقد اشتكيت لوالدي فقال لي: إلى كتاب آخر حتى ضقت بالأمر، ولم يزل يتنقل بي من كتاب إلى كتاب آخر حتى ضقت بتعليم الكتاتيب، وكانت إلى جوار المنزل تسكن امرأة كفيفة، صالحة، حافظة لكتاب الله، فصرت أختلف إليها، وأحفظ منها حتى حفظت القرآن على يديها، وفي ذلك الحين كنت أتردد على المجالس العلمية والأدبية وحلقات العلماء من الأسرة في المساجد، ومنها رباط الملا المعروف برباط الشيخ أبي بكر وكان يحتفي بطلاب العلم الوافدين إلى الإحساء من مختلف مناطق الخليج وغيرها من شتى البلدان، وكان بينهم طلاب نبهاء، ويفد إليه علماء معروفون، وصارت لي صحبة مع بعض نجباء الطلبة، وصرنا نقرأ كتباً معهم وبخاصة أن أفراداً كثيرين من أسرتي ـ وحتى بعض النساء منها ـ يجيدون القراءة والكتابة، وصارت تستهويني عملية قراءة الكتب التي اشتريها من مكتبة الشيخ عبدالله الملا وهو خالي، وصاحب مكتبة التعاون، فكنت آخذ هذه الكتب وأعطيها لهم كي يقرأوا لي ما بها، كذلك صرت أجمع منهم بعض القصص والحكايات والجوانب التاريخية عن البلاد قديماً، لأن من بين أفراد الأسرة من يتمتع بذاكرة متقدة وقدرة على حفظ الحوادث التي كانت تشدني كثيراً لسماعها، ومن هنا تكون لي رصيد علمي وثقافي من الأسرة من ناحية ومن المطالعات التي كنت أتابعها من الطلاب في رباط الشيخ، وهؤلاء الطلبة أسهموا في تنمية قدراتي الثقافية من ناحية ثانية، ومازلت أتطور في ذلك الأمر حتى أحسست برغبة في نظم الشعر، فصرت أنظم بعض المقطوعات القصيرة في الشعر، وقد لاحظ أخي الأكبر إقبالي الشديد على تلقي العلم فاستقدم الشيخ عبدالمحسن الحوراني أحد خريجي الأزهر والذين قدموا إلى المملكة لتعليم طلابها، وأوكل إليه مهمة تلقي مبادئ النحو واللغة وبعض علوم التجويد والصرف والقرآن.
كان هذا الشيخ الأزهري يعمل مدرساً بإحدى مدارس الكوت، وهو من فلسطين، وقد صار يختلف إلى المنزل ليدرس لي، وعلى يديه تعلمت وحفظت الأجرومية، وبعض الكتب، وكنت أهيئ نفسي للسفر إلى مصر للالتحاق بالأزهر، ولكن في تلك الفترة فُـتح المعهد العلمي بالإحساء حيث التحقت به سنة 1374هجرية الموافق 1955م، وكان من حسن الحظ أن من أشار بتأسيس المعهد أديب فاضل هو الشيخ عبدالله بن خميس، وقد لمس فيّ الولع بالمعرفة، ولاحظ أنني مهتم بالكتب الأدبية وبقرض الشعر فأولاني عناية فائقة، وغرس في نفسي الرغبة في التحصيل في غير المناهج الدراسية، فكان يمدني بالكتب، ويتولى بنفسه قراءة القصائد التي أكتبها في نادي المعهد، ولمّا تخرجت والتحقت بكلية اللغة العربية بالرياض صرت على اتصال بالشيخ عبدالله بن خميس وبغيره من أدباء أفاضل.

الانتقال إلى الرياض

متى انتقلت للرياض لمواصلة الدراسة؟
- كان ذلك سنة 1381هجرية، 1961م، وقد واصلت نشر بعض القصائد التي كنت أنظمها في الصحف والمجلات في تلك الفترة، كما أنني صرت أؤلف بعض المسرحيات الشعرية منذ ذلك الوقت، فكتبت المسرحية الشعرية والمسرحية النثرية، ومن المسرحيات الشعرية التي كتبتها مسرحية بعنوان «ولليل آخر» وتحكي صوراً من كفاح الشعب الفلسطيني ضد أعدائه، ومسرحية «عودة جان دارك» عن ثورة الجزائر التي كانت مشتعلة آنذاك لاسترداد حريتها، والأخيرة عرضت على مسرح مدرسة «الفتح»، وقد حضرالعرض جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز، يرحمه الله وقد سر سروراً شديداً لما رآه، وأنعم على المشاركين فيها بهدايا، وظل عملي الكتابي قاصراً على نظم الشعر وكتابة المسرحيات النثرية، وكتابة بعض المقالات الأدبية، وفي نفس الوقت كان لي شغف بالتعرف على الجديد من إصدارت الكتب، ولاسيما الكتب الأدبية، والرغبة في تحصيل كافة ألوان المعرفة التي كنت أحرص عليها.
من المعروف أن مكتبة التعاون واحدة من أوائل المكتبات السعودية ومشهود لها بدور بارز في نشر المعرفة في الأحساء بل في المملكة. حدثنا عن هذا الدور؟
- لمكتبة «التعاون» دور كبير في توفير كافة الكتب والمجلات العربية الشهيرة على امتداد الوطن العربي مثل مجلات الهلال والكاتب والأديب والرسالة، وغيرها من الكتب التي تصدر من مصر ولبنان والعراق، وغيرها من البلدان العربية. كانت تقريباً هي المكتبة الأكبر والأهم في الإحساء وقد وفرت لنا كافة أنواع الكتب التي كان عليها إقبال كبير من طلبة العلم والأدباء، كما أن هذه المكتبة كانت توفر لنا أمهات الكتب في ذلك الحين؛ غير أن حدثاً معيناً يكاد يكون هو الذي غير مجرى حياتي من حيث التوجه في الاهتمام والكتابة، ذلك أنني كنت في أحد الأيام بمدينة الرياض، وكان بيد أحد الأفراد جريدة قرأ منها خبراً أنه تم العثور على قطعة أثرية في مدينة ثاج مكتوب عليها بعض الكتابات المسمارية، وصرنا نتحدث عن نصيب المنطقة من الحضارة، فكان بعض الحاضرين ينظرون إلى ما يقال من وجود حضارة في منطقتنا الشرقية بشيء من السخرية، والاستهانة والاستخفاف، ويستغربون كيف يقال إن هناك حضارة في تلك المنطقة. كنت واحداً من الذين لهم بعض الإطلاع حول الآثار، وما سمعته من جدتي، وما قرأت في الكتب ـ وإن كانت المادة العلمية في ذلك الوقت غير كافية ـ لذا صارت عندي قناعة بأن منطقتنا كانت ذات يوم صاحبة حضارة عريقة، وكانت لدي قناعة راسخة بذلك، فصرت أدافع عن وجهة نظري بحرارة فائقة، وبشيء من الانفعال، وقد وصل الأمر إلى درجة التحدي، فقالوا لي: لو أنك على علم بهذه الحضارة، وتمتلك مثل هذه القناعة فأرنا كيف تقنعنا برأيك بصورة عملية. يمكنك أن تكتب في الصحف والمجلات وجهة نظرك كي ترشد الناس لحقيقة وضع منطقتك، وقد خلقني الله منذ خلقني، وعندي رغبة في التحدي.
ألم يعق فقد البصر دون البحث في التاريخ وهو الحقل البالغ الصعوبة بالنسبة لأي باحث فما بالك بكفيف البصر؟
- البعض يعتقد أن فقد البصر نقمة، ولا أبالغ إن كنت أراها نعمة عظيمة، لأنها أوجدت عندي شيئاً من التحدي بحيث لا أقبل أن أكون أقل من غيري، بل لا أقنع بغير التفوق باستمرار، حتى في مجال لعب الأطفال، ناهيك عن الدراسة والحمد لله.
لقدأحسست وقتها بمرارة شديدة ومسئولية ضخمة، وصار الموضوع هو أن أكون أو لا أكون، وصرت أجتهد في جمع المادة التاريخية والمادة الأثرية التي تخص هذه البلاد سواء قريبة أوبعيدة، لمدة ثلاث سنوات، وألهمني الله أن أبحث في الصكوك الشرعية وأن أفتش في الوثائق المحلية، بالإضافة لما كتب وهو قليل وقد أفادني ذلك كثيراً.

بين التاريخ والأدب

ما أهم الكتب التي تطرقت لهذا الجانب؟
- كان هناك كتابان هما «تحفة المستفيد» للشيخ محمد بن عبدالقادر، وكتاب «ساحل الذهب الأسود» للأستاذ محمد سعيد المسلم.
هذان كانا هما الكتابان الأهم في تاريخ المنطقة الشرقية، ورغم ما لدى صاحبيهما من فضل السبق وفضل الريادة، وأنهما اخترقا جدار الصمت، وصارت لديهما الجرأة في التطرق لهذا الموضوع إلا أن المادة كانت أولية في وقتها، فصرت أجمع الوثائق الرسمية الأهلية والحكومية، واستمع إلى المادة الشفاهية والروايات، وتفرغت لغربلة هذه المادة الغزيرة والتحقق منها، وصدر الكتاب بعد جهد كبير سنة 0141هـ في جزئين تحت عنوان «تاريخ هجر» وهو عبارة عن دراسة حضارية شاملة للحياة الطبيعية والعمرانية والاقتصادية والسياسية في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية» البحرين قديماً، الإحساء والكويت والبحرين وقطر حديثاً، ثم أعيدت طباعته السنة التالية مع إضافة قليلة، بعد ذلك صارت ترد إليَّ أسئلة كثيرة جداً، كما أثيرت قضايا هامة مثل : ماذا لديك عن القرامطة؟ وماذا عن الزند؟
معظم محاضراتي التي كنت ألقيها في المنتديات كانت في السابق قاصرة على الشعر والأدب، بعد صدور الكتاب صارت اهتماماتي أكثر في عمق التاريخ، ومن أهم الأسئلة المطروحة سؤال تكرر كثيراً، وهو: لماذا كانت هذه البلاد مسرحاً للحركات ذات الطابع الخاص والمختلف مثل القرامطة والخوارج وحركة الزند؟ ثم كيف نجحت تلك الحركات وازداد أثرها؟
وماذا عن العمالقة؟
- لا، هؤلاء لم يكن لهم ذكر، ولكن ينسب إليهم حفر العيون والآبارفقط، ولم يكن لهم ذكر فيما خلا ذلك. الأشياء التي تشغل الناس هي تلك التي تتم في إطار البحث عن الحقيقة أو البحث عن بواطن الأمور، أو التعليق عن طبيعة البلاد لمختلف الأسباب والدوافع، كذلك لاحظت قيام كثير من التيارات والحركات ذات الطابع الديني والتي صارت تستقطب الشباب للانضواء تحتها والسير في ركابها، وأنا أعلم علم اليقين أن هذه الحركات معظمها في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب؛ وأي حركة وإن ارتدت مسوح الدين إلا أنها في الغالب تحمل في طياتها أهدافاً مغايرة تماماً لما يفهمه الناس، وكانت الأسئلة تتزايد وكلها أسئلة هامة وتحتاج لإجابات مقنعة، فأردت أن أجيب عن الأسئلة الكثيرة التي توالت عليّ فألفت كتاباً فيه رد على تلك الأسئلة، وتضمن الكتاب نصيحة للشباب ألا ينخدعوا، وينخرطوا في هذه الحركات التي تسببت في أعمال الهدم. معظم الحركات التي تعرض لها التاريخ في منطقتنا لها رداء ديني لكنها تحمل معاول الهدم، قلت للشباب: كونوا على حذر، عليكم أخذ الدين بفطرتكم السليمة، وقد حمل الكتاب عنوان «تاريخ الحركات الفكرية واتجاهاتها في شرق الجزيرة وعمان» وهذا الكتاب صدر عن الدار الوطنية بمدينة الخبر.
وماذا تناولت في هذا الكتاب؟
- تناولت فيه الحركات الفكرية ذات الطابع الديني التي قد تسوقهم إلى التطرف والإرهاب، هذا الكتاب بدأته سنة 1413هـ، وأنهيته سنة 1415هـ. في المقدمة قدمت فيها تحذيري للشباب الذين قد ينخدعوا بمثل هذه الحركات ذات الطابع الديني التي قد تقودهم إلى التطرف والإرهاب ـ وهذا الكلام كتب وطبع قبل أن يفكر الناس في الإرهاب ـ ثم تحدثت عن الأديان التي سادت المنطقة منذ فجر التاريخ، ثم الأديان السماوية وبخاصة النصرانية، وبعدها دخولها في الإسلام دون قتال، وباختيار من أهلها، وثبوتها عليه، وما أبلته من جهاد في سبيل نشر الدين الجديد، ثم حركة الخوارج في هذه المنطقة وأسبابها. كيف بدأت وكيف انتشرت، وكيف انتهت، وما هي دوافعها؟
عالجت كذلك حركة الزنج، ثم حركة القرامطة، وانتشار بعض المذاهب، وهي حركات نشأت في إطار فكري، وقد صدر الكتاب عن المكتبة الوطنية.
ماذا عن الشعر؟
- كانت هناك سيدة فاضلة تتردد على الأهل، وقرأت بعض القصائد، وفي مرة وجدتها قد دونت قصائد لي بخطها، وقالت لي أستأذنك في نشر قصائدك في ديوان أشرف عليه، فرفضت، وخشيت أن يتكرر هذا من غيرها. اخترت بعض القصائد على عجل، وبدون مراجعة، وعليه فقد أخرجت ديوان «أغاريد من الخليج».
ما الأغراض التي ضمها الديوان؟
- هي مجالات متنوعة تماماً، ففيها الوجدانيات، والغزل، والوطنيات وقضايا الجهاد في فلسطين وغيرها، كما ضمنت الكتاب بعض مشاهد من المسرحيتين السابقتين، وكان قصدي من ذلك ليس نشر العمل ككتاب شعر لي، وإنما ليخدم غرضين. الغرض الأول حتى لا ينشر أحد قصائدي على غير رغبة مني، والغرض الثاني أنه قد ينفع ويخدم من يريد كتابة دراسة عن كيفية تطور حركة الشعر وتطوره في المنطقة وهذا سجلته في مقدمة قصيدة نشرت بالديوان.
ثم بعد ذلك ألفت كتاب «تاريخ الإمارة العيونية» بطلب من مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين كعمل من أعمال مؤتمر ثقافي عقد مؤخراً بدولة البحرين خلال دورة الأمير جمال الدين علي بن المقرب، ثم اشتركت في وضع عدة كتب وإلقاء بعض المحاضرات في الجامعة.
ومنذ زمن غير بعيد، وبينما كنت أقرأ في ديوان ابن المقرب تذكرت أننا على مقربة من الاحتفال بالذكرى القرنية الثامنة لوفاته، وشدني لشعره، ورأيت أن أخلد ذكراه بشيء، فكتبت قصيدة من أربعمائة بيت، وأهديتها لابن المقرب تضمنت شيئاً من تاريخ العيونيين، بالإضافة إلى فيض من الحكم، وهي ملحمة طويلة كما ترى.
دورة علي بن المقرب كانت من اقتراحك. كيف تحول الاقتراح إلى فعالية ثقافية رسمية؟ وكيف تمت المداولات والاتفاقات الأولى في هذا الشأن؟
- في الواقع أن الشاعر الكبير عبدالعزيز سعود البابطين، وذو القلب الكبير، الحاني على الأدب عامة، والشعر خاصة كان يقدم أعمالاً خدمة للأدب ليس هذا المجال لذكرها أو تقييمها، وأنا على اتصال دائم به، فهو أخ صديق، كثيراً ما نتبادل الأحاديث في شتى ألوان الثقافة والأدب، اقترحت عليه ذات يوم أن يقيم مهرجاناً للشاعر الكبير جمال الدين علي بن المقرب، باعتباره ليس فقط شاعر الجزيرة بل هو شاعر العرب في وقته، كونه ظاهرة فريدة سواء في قوة شعره أو أصالة فكرة، أو فنه النوعي والأغراض التي طرقها، وأيضا عدم معرفة الناس به وإعطائه حقه من خدمة أدبه وشعره.
تلقى هذا الاقتراح بصدر رحب ورغبة صادقة، لكنه صارحني القول إنه لا يملك أن يبت في هذا الطلب، حيث أن الأمر يعود لمجلس الأمناء، وقال لي : سأعرض الأمر عليهم فلو وافقوا على ذاك سأكون ممتناً لخدمة هذا الشاعر والقيام بواجبنا تجاهه. بعد فترة إذا به يحدثني هاتفياً، ويخبرني أنه قد عرض الأمر على مجلس الأمناء فلم يقروه لعدم معرفتهم الكافية بهذا الشاعر، لذا اقترح عليك أن ترسل خطاباً يتضمن المبررات التي تجعله جديراً بهذا التكريم، والحيثيات التي بنيت عليها رأيك. فأرسلت إلى مجلس الأمناء خطاباً مطولاً يتضمن الحيثيات والمبررات والأسباب التي تجعل هذا الشاعر جديراً بمثل هذا المهرجان، وبالفعل أقر مجلس الأمناء الفكرة، وأخبرني الشيخ عبدالعزيز البابطين بتلك الموافقة.
وعقد العزم على إقامة المهرجان، ولما بلغ خبر المهرجان ملك البحرين ـ جزاه الله خيراً ـ استحسن أن يكون في دولة البحرين، وتفاهم مع الشيخ عبد العزيز البابطين، وبالفعل رحب البابطين بالأمر، وبالفعل أقيم المهرجان تحت رعايته، وكان مهرجاناً موفقاً أسفر عن الكثير من الفعاليات التي خدمت أدب ابن المقرب، وغيره من بعض شعراء المنطقة.
فقد قدم هذا الشاعر الكبير المغمور عند عامة الناس، وإن لم يكن مغموراً عند الباحثين والأدباء القدامى، وحسبنا علماً أن المخطوطات الكثيرة لديوانه التي تنتشر في عواصم الحواضر الثقافية في الغرب والشرق، قد تركت أثراً كبيراً على الشعراء من بعده؛ ولأوضح ذلك أكثر أتذكر أنني كنت أقرأ في أعمال الشاعر الكبير محمود سامي البارودي واستغربت أن أجد في ثنايا شعره نفساً من ابن المقرب، بل أشطاراً من أبياته، وكنت أدهش لذلك، وإذ بي أفاجأ بأن هناك نسخة في دار الكتب المصرية من ديوان ابن المقرب مخطوط وعليها اسم الشاعر البارودي، وهنا زال استغرابي فقد تأكدت أن البارودي كان على اطلاع واسع بتجربة هذا الشاعر، وكان لابد أن يتأثر به لما بين الاثنين من روح الحماسة، وشبه كبير في جزالة الشعر وقوته.
دعنا نعود إلى أسرة الملا باعتبار أن لها أثراً كبيراً في منطقة الإحساء؛ فهل مازال الخال صاحب مكتبة التعاون يمارس عمله في النشر؟
- الحقيقة أنه ما زال موجوداً، لكنه فقد الذاكرة بعد أن وقع أمام المكتبة بعد أن انتقلت لمبناها العالي الجديد، وقد زلت قدمه من على عتباتها، وجاءت الضربة على رأسه، وكان لها أثرها في فقدانه الذاكرة، والحمد لله على أية حال.
حدثنا عن أبرز رجالات أسرة الملا، وكيف حظيت بهذا الحضور القوي في منطقة الإحساء؟
- أسرة الملا في الأساس تنتمي إلى الحريف من طي، ولقد اشتهرت بالكرم ككل أهل الإحساء بشبه الجزيرة العربية، وليس أهل الإحساء فقط، بل العرب كلهم كرام، فالكرم من الصفات الأصيلة في العرب، ولا تزال هذه الصفات موجودة حتى الآن والحمد لله على ذلك. فكانت في الأصل من الحريب وكانت إقامتها القديمة شمالاً، وقد انحدرت من الشام إلى حائل، ثم أزاحت طي عن حائل، ونزحت القبيلة إلى الجزيرة، ومن ضمن حريف جاءت أسرة الملا، وكانت تشتغل في البداية بتجارة الخيل، ولكن بعض أفرادها التحق بطلب العلم في حلب، ونبغ من هذه الأسرة الشيخ علي بن حسين الملا الحريفي فعينته الدولة العثمانية قاضياً في «عنتاب» من أعمال حلب، ولكن بعد ذلك بفترة انسلخت «عنتاب» عن حلب وصارت جزءاً من لواء الأسكندرونة الذي ضمته تركيا إلى أملاكها، ولما أرسلت الدولة العثمانية جيوشها للاستيلاء على شرق الجزيرة بعد أن استشرى نشاط البرتغاليين في الخليج وصاروا يهددون الجزيرة العربية كلها بما فيها الكعبة، وينوون التوجه للمدينة لنبش قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل العثمانيون جيوشاً لصد هجماتهم، وكان لابد من الاستيلاء على الإحساء كي يتخذوا منها قاعدة لمقارعة الجيوش البرتغالية، واستولت الحملة العسكرية على البصرة ثم توجهت إلى الإحساء واستولت عليها، وأخذتها من بقايا الجبريين، وبسطت عليها نفوذها، وقيل إنها أخذتها من راشد بن مغامس، واختلف في ذلك، وهذا بحد ذاته لا يهمنا. المهم جاءت الحملة بقيادة محمد باشا طاغور، وهو رجل عالم من أهل حلب ومن الأسر المعروفة، وكانت حملة كبيرة تضم قبائل عربية أغلبها من بني خالد في نحو خمسة آلاف مقاتل، غير الذين أتوا من قبائل أخرى مثل طي والفضول وغيرهم.
وكانت حين ترسل جيوش ترسل معهم العلماء، وذلك بالطبع لحل قضاياهم، كمرشدين وموجهين، فكان ممن أرسلتهم مع الحملة جدنا الشيخ علي الملا العنتابي، حيث اشتغل قاضياً في «عنتاب»، ولم يكن منها بل جاء من حلب، وفي سنة سبع وخمسين بعد التسعمائة دخلت الحملة العثمانية البلاد، وأرادوا أن يدعموا الحملة بعدد من العلماء، وقد رأوا أن البلد في حاجة إليهم، فاستقدموا أيضاً عدداً من الأسرة منهم عبداللطيف، ومنهم عائلة هاشم من المغرب، وكذلك بعض الأسر من الشام، وخشوا أن يعودوا بعد انتهاء مهمتهم إلى مواطنهم الأصلية، حيث العشيرة والأهل؛ فأسسوا مدارس ومساجد ووضعوا عليها أوقافاً كبيرة جداً وجعلوا نظارتها لجدنا وأمثاله، ومن ضمن المدارس التي أوقفت على الشيخ محمد بن علي الملا مدرسة الملا ذات القبة؛ والتي توجد بقاياها حالياً على مقربة من قصر إبراهيم، وكانت تلك المدرسة من أوائل المدارس التي أسسها العثمانيون، وكانت تدرس بها العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية، وكان جدنا محمد ابن علي هو المشرف على هذه المدرسة وإدارة شؤونها بالإضافة لمساجد عديدة أوقفوها عليهم ومن هنا ضمنوا استمرارهم، وبذلك مع وجود الأوقاف الكثيرة كثر العلماء في الأسرة ممن يتولون القضاء والتدريس والخطابة، لذا فقد كان العثمانيون عندما يجدون عالماً قد نبغ وتميز نراهم يطلقون عليه لقب الملا.
كلمة الملا موجودة الآن في الخليج، وتكاد تطلق على كل من يجوّد القرآن ويجيد الخطابة أو يبرع في شؤون التعليم لكنها قديماً لم تكن تطلق سوى على قاضي القضاة أو كبار علماء الدين، فجدنا (علي) اسندوا له القضاء، واسندوا إلى آخر وهو حسن المضري الإفتاء، والذي حدث أن الشيخ حسن تزوج من أخت الشيخ علي، وكثر طلبة العلم، وكل منهم حمل لقب الملا، فغلب لقب الملا على الأسرة كلها.
رغم أنهما أسرتان؟
- نعم، وصارلقب الملا يشمل أسرتين كبيرتين، لكن الملالي من أحفاد حسن يكاد يكونون قد أوشكوا على الانقراض، لكنهم في فترة سابقة نبغ منهم علماء معروفون، منهم الشيخ إبراهيم بن حسن المضري، وهو صاحب مؤلفات عديدة تربو عن ستين مؤلفاً، منها «شرح العمريطية في النحو»، و«مفتاح القلب في آداب الأكل والشرب»، وتجد أولاده وأحفاده أيضاً علماء، ولهم مؤلفات، وكذلك ممن نبغ الشيخ أبو بكربن محمد الملا الأول وله مؤلفات تربو عن مائة واثني عشر مؤلفاً، ثم أولاده الشيخ عبدالله وله حوالي 10مؤلفات، لكن من أبرزهم الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن الملا، وحققت بعض مؤلفاته على يد بعض أفراد الأسرة، وقد تولى الإفتاء، وكان أول مفتي في العهد العثماني الثاني، وحتى تسلم الملك عبدالعزيز مفاتيح الحكم في الإحساء، وهو من استقبل الملك عبدالعزيز في منزله ليلة دخوله، وتمت البيعة في منزله، وكان من ضمن الوفد الذي تفاوض مع الأتراك للخروج.

200 مؤلف

لكن ألا توجد سمة تطبع أسرة «الملا» كلها؟
- الواقع أن العلماء في عائلة الملا كثيرون، لكن ما ميزهم حقيقة عن غيرهم من أسر كثرة المؤلفات، فقد تجد غيرهم من الأسر العلمية بالإحساء كثيرة وكلهم أصحاب فضل، مثل أسرة المبارك وأسرة عبد اللطيف وغيرهما من أسر ذات عطاء علمي معروف، لكن ما انفردت به أسرة الملا كثرة المؤلفات، ونحن بصدد حصر مؤلفات أسرة الملا، وقد بلغ عدد المؤلفات القدامى ما يزيد على 200مؤلف لعلماء الملا.
هذا ما تم حصره حتى الآن، وبعضه تم طباعته، والبعض ينتظر الطبع، والبعض لا حاجة بنا لطباعته في الوقت الراهن لوجود أمثاله، كما أن بعض الشباب خدم التراث مثل الأستاذ الدكتور عبدالإله بن الشيخ محمد، وهو حفيد المفتي الشيخ عبداللطيف فقد حقق كتابين لجده، وأيضاً الشيخ يحيى بن محمد الملا حقق عدداً من كتب أجداده، وأيضا أخي الشيخ عمر بن عثمان الملا الذي شارك برسالة ماجستير في «شرح العميريطية»، والذي شاركت به مؤخراً، والعمل جار لحصر المؤلفات، وطبع ما نجد فيه فائدة للمكتبة العربية، والحديث ذو شجون ويتناول الكثير من العطاء الثري لعلماء كثيرين من أسرتنا.
تحدثت عن الجانب العلمي والثقافي الذي قدمته أسرة الملا على امتداد تاريخها، وما زالت الأسرة تواصل العطاء على يد الأجيال الجديدة التي استمرت على نفس النهج؟
- هم أيضاً إلى جانب المدارس التي كانوا يتولون إدارتها، كانت بيدهم خمس مدارس يدرس بها العلم، وكذلك المساجد، بالإضافة إلى رباط أبو بكر الملا، وهذا الرباط كان يمثل ظاهرة تكاد تكون متميزة.
حدثنا عن الأسماء التي ارتبطت بهذا الرباط سواء من علماء الإحساء أومن خارج البلاد؟
- كان الرباط يقع في حي الكوت، وقد أسس لغرضين. الغرض الأول هو إيواء طلبة العلم الغرباء والفقراء من طلاب العلم بالبلاد، وهو يتولى الإنفاق عليهم، فهو أقرب إلى سكن داخلي يتكفل بخدمة طلبة العلم، حيث يوفر لهم المأكل والمشرب والكسوة إضافة إلى الكتب، والغرض الثاني أنه مكان يزوره العلماء الغرباء من غير أهل البلاد حيث يجدون فيه الراحة والسكن، كما تعقد فيه الجلسات الأدبية.
لا يكاد يوجد عالم من علماء الخليج في الكويت والبحرين لم يدرس فيه، مثل المؤلف القناعي من الكويت، وجاسم المنزع وأولاده من البحرين، وتوجد لدينا كتب موثقة بها بعض أسماء من مروا على الرباط من عمان وساحل الخليج، ولم يكن هناك عالم يأتي للحج إلا ويمر بالإحساء ويسكن الرباط سواء كان قادماً من بخارى أو باكستان أو أية جهة كانت، حتى إنني أذكر أن العلماء في الأحساء كانوا هم الأكثر تردداً على الرباط مع وجود قسم للغرباء ممن هم في طريقهم للحج فكان لهم رباط آخر مخصص لهم.
وكان شيوخنا من آل الملا يكتبون للملك عبدالعزيز ومن بعده الملك سعود ومن تلاهم من الحكام الأوفياء يطلبون منهم المساعدة في نقلهم ـ أي الحجاج ـ إلى مكة فقد كانوا يأتون مشياً على الأقدام، فكانوا يرسلون السيارات لحملهم من الإحساء في أقصى الشرق إلى مكة والمدينة في أقصى الغرب للحج، سواء كانوا يدرسون عند علماء الملا، أو يدرسون عند علماء آخرين ممن يدرسون المذهب المالكي عند آل مبارك، وبعضهم يدرس المذهب الشافعي عند الشيخ عبدالقادر أو الشيخ العرفج، وبعضهم يدرس المذهب الشيعي، وهكذا.

تاريخ هجر

نعود لسيرتكم الفكرية، وكتابكم «تاريخ هجر». حدثنا عن إرهاصات هذا العمل، ثم عن عملية جمع المادة. كيف تأتى لك أن تحصر كل هذه المادة المتشعبة، وتحققها بدقة متناهية وطول صبر، وأنتم الشيخ الكفيف؟
- أما عن المعاناة والصعوبة فلا تسل عنها ؛ فقد كانت معاناة صعبة جدا، لكن بتوفيق من الله أولاً، ثم بالإصرار والعناد، وبذل الجهد المتواصل تمكنت من التغلب على الكثير من تلك الصعاب، وكان الباعث إليه هو التحدي، في تلك الجلسة التي أبدى فيها بعض الشباب دهشتهم من وجود حضارة في تلك المنطقة أمام إصراري على وجود حضارة، وقناعتي بوجود تاريخ عريق هو الدافع الأول للشروع في البحث.
أول ما بدأت العمل راجعت ما تيسر من كتب، وقد ذكرت لك بعضها، ولم تكن هناك كتب متخصصة سوى كتاب «ساحل الذهب الأسود» لمحمد سعيد المسلم، وكتاب «تحفة المستفيد» للشيخ محمد عبدالقادر، وكان هذان الكتابان رغم ما بذل فيهما من مجهود إلا أنني اعتبرتهما من اللبنات الأولى في ذات المجال.
بدأت عملي بجمع التراث، مما يوجد مبعثراً في كتب الأدب وكتب التاريخ، من أمثال الطبري، و«البداية والنهاية»، و«الكامل»، وكتب الأدب كان لها إسهام كبير مثل كتاب «الحيوان» للجاحظ، و«البيان والتبيين» لنفس المؤلف، وغيرها من الكتب، وقد كانت المعلومات مشتتة، مبعثرة، وكان البحث مرهقا، فإذا قيل لك إن الباحث الجاد يلقى أشد المعاناة فلا تستغرب. توافرت لي مادة بحثية من مصادر كثيرة، ويوجد بها ثبت في آخر الكتاب، فصرت أتابع تلك المراجع، واعتمدت على الوثائق والصكوك الشرعية التي وفرت من المعلومات مالا توفره الكتب العادية، وخاصة في ذكر بعض الولاة، والتأكد من بعض الحوادث، وصحة بعض الوقائع، بالإضافة إلى أنني صرت أقابل بعض الأشخاص ممن لديهم بعض المعرفة، وقضيت وقتاً طويلاً في غربلة المعلومات، فلا يخفى عليك أن بعض المعلومات قد تكون مهلهلة، أو متناقضة، وهو شيء يدعو إلى التمحيص والتدقيق أكثر، كما أنه جهد ليس بالقليل، ولكن بالإصرار وبتوفيق من الله حققت قدراً كبيراً من الفائدة حسب ما وصلني من خطابات العلماء، وحسب ما كتب عنه من تعليقات مهمة للغاية.
ما دواعي بحثك الذي عنونته باسم «الخليج العربي وإستراتيجية الحياة الحضارية المبكرة»؟ ما أسباب كتابتك هذا البحث؟ وماذا عالج من قضايا ملحة؟
- كتبت هذا البحث مؤخراً، وقدمته لأعمال الملتقى العلمي التاسع للجمعية التاريخية السعودية، والتي انعقد في محافظة الأحساء في المدة من 72إلى 92 صفر سنة 7241هجرية، وموضوعه كما يوحي العنوان يبرز دور الخليج في صياغة الحضارة الإنسانية للبشرية منذ فجر التاريخ، ويتناول ذكر الأسماء التي عرف بها الخليج وقد يكون الأمر خافياً عن كثير من المؤرخين الذين قد لا يعرفون سوى اسماً واحداً هو «الخليج».
كانت هناك أسماء كثيرة للخليج، ففي عهد الحضارات الأشورية والبابلية والأكادية، كانت له أسماء مختلفة، وقد بدت في الكتابات المسمارية وغير المسمارية مثل البحر المر، وبحر الشروق، والبحرالتحتاني، ومن أسمائه البحر الأخضر، والأغرب من ذلك أن المسعودي في « مروج الذهب « يسميه بحر الحبش» وكل هذه الأشياء الغريبة ذكرتها.
كذلك تحدثت أيضاً عن تكوين الخليج الجيولوجي مع ذكر أسماء الصخور، وتناولت الحضارات القديمة التي سادت فيه. هو بحث مطول وليس كتاباً وفيه ذكرت جانباً من الحضارة الديمونية، والحضارة الجفائية، ثم الخليج في إطار الهجرات العربية، وما هي القبائل التي نزحت لهذا المكان، وكيف تشكلت ملامح السكان، وكيف كان لهم السلطان الأعظم عليه. وما دار على الخليج من صراعات بين الدول آنذاك، وفي نهاية بحثي طالبت بالحفاظ على شخصية الخليج وعلى طابعه، وعلى ما ترك من بصمات حضارية.
لم تحدثنا عن تجربتكم في التدريس؟
- سأعود بك إلى ما قبل اشتغالي بالتدريس في صورة وصفية. في أيام الدراسة وأول التحاقي بالمعهد العلمي، وكان عمري حوالي 13أو 14سنة ذكرت لك أنني حظيت بعناية خاصة من الشيخ عبدالله بن خميس مدير المعهد، وحدث أن تلفتت حولي فوجدت كثيراً من المكفوفين وغير المكفوفين الذين يريدون أن يلتحقوا بالمعهد، ولكن لا تتوافر عندهم المادة العلمية التي يتطلبها الالتحاق به، فلكي يلتحق الشخص بهذا المعهد لابد أن تكون لديه مادة تناسب المرحلة، وهي حينذاك تقترب من المرحلة الثانوية لا المتوسطة، فرأيت ومعي شيخ آخر اسمه عبدالرحمن بن سعيد الجلال أن نبحث عن حل مناسب، فاقترحت عليه أن نفتتح مدرسة خيرية لتدريس المواد التي يتطلبها دخول المعهد لمن يرغب، وبالفعل افتتحنا هذه المدرسة الخيرية، ونظمنا دورة دراسية لكل الراغبين في دخول المعهد، وظللنا ندرس لمدة أربعة شهور، وأهلناهم لدخول المعهد، وتحدثنا مع الشيخ عبدالله بن خميس في أمر انضمامهم للمعهد فوافق على ذلك، وأجرى لهم الاختبار اللازم، وبالفعل قبلهم طلاباً بالمعهد، وبفضل الله تخرج منهم عدد كبير تولى مناصب مهمة في التدريس والقضاء وغيرها، أذكر منهم الشيخ محمد بن عبداللطيف الملا، رئيس المحكمة المستعجلة بمدينة المبرز، والشيخ عبدالله بن أحمد العمير، والشيخ أحمد بن عبداللطيف السالم.
بعد أن تخرجت من الكلية أراد الشيخ محمد بن ابراهيم المفتي ـ رحمه الله ـ أن يلحقنا بوزارة الأوقاف في عمل شرعي، فذكرت له أن تخصصي هو اللغة العربية، وبالتالي فلست جديراً بهذه الوظيفة الشرعية، ولكنه أصر وكانت حجته أن الملا أسرة علم، وأكّد لي أنني وإن لم أكن قد درست الشرع بصورة كافية في المعهد فقد حصلت عليه عند أهلي.
أصر الشيخ على موقفه، لكنني استطعت بعد هذا الإلحاح أن أتخلص من هذا العمل في وزارة الأوقاف، وعملت في معهد « النور « كمدرس، ولكنني بعد فترة آثرت التفرغ للتأليف لأنني وجدت التأليف يتطلب مني السفر للخارج باستمرار، والحركة الدائبة داخل المملكة وخارجها، فطلبت التقاعد المبكر، وتفرغت كلياً للتأليف وكذلك إلقاء المحاضرات في مختلف المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد وما شابه.
كم تبلغ عدد المؤلفات التي أنجزتها؟
- الواقع أنه لدي عدد كبير من المؤلفات، ولكن المواد التي لم تطبع هي الغالبية ولأنها لم تنشر فلا أحب أن أعلن عنها. عندي مخطوطات لمؤلفات لو أحببت أن أطلعك عليها ستدهش لكم الجهد المبذول فيها، لكن ثمة مشكلة فقد تتدخل عوامل أخرى كأن يتوفى الشخص أو يمرض فلا يخرج مؤلفه إلى النور.
أما ما طبع بالفعل فهو ستة كتب بخلاف ما شاركت فيه آخرين في التأليف، وعدا البحوث التي قدمتها في مؤتمرات وملتقيات، كما نشر لي بعض الزملاء مواد علمية وأدبية في مجلات عديدة.
لمن يرجع الفضل بعد الله في هذا الإنجاز؟
- أرى أن الفضل لله وحده، ثم البيئة الخاصة في المنزل فقد كانت بيئة علمية سواء للرجال أو النساء، ويمتد ذلك التأثير للمنطقة كلها بالإحساء فهي بيئة علمية حاضنة تنتشر فيها المكتبات، وأربطة العلم، وهي أمكنة أدبية نموذجية، وربما هذا لا يتوافر لغيري من طلاب العلم، فهناك منارة ثقافية مثل «مكتبة التعاون» التي كانت تنشر النور، ثم ماحباني الله به من معرفة الشيخ عبدالله بن خميس في المعهد العلمي، والواقع أنني لا أنسى له حسن صنيعه، فقد كانت عنايته بي مفرطة، حتى أنه كان يقرأ لي بنفسه، وربما لغيري من طلاب المعهد المكفوفين.
قبل فترة أعلن وزير الثقافة والإعلام بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين عن تأسيس نادي أدبي في الإحساء. ما تأثير ذلك في بيئة الإحساء الملأى بالمكتبات والأنشطة الحقيقية. ماذا سيضيفه وجود مثل هذا النادي؟
- أولاً هي بشرى سارة والحمد لله، تجعلنا نتوجه بالشكر الخالص لحضرة خادم الحرمين الشريفين الذي صدرت توجيهاته بإقامة هذا النادي، وإني أرى أن إقامة هذا الصرح بتوجيهه الكريم يضاعف المسئولية على هذا النادي، ومن المفترض أن مجلس إدارة النادي عليه واجب أن يكون بقدر هذه الثقة، ثم أضيف إلى تصوري أن النادي ليس ببنائه بل يعمل بأهله وأفكار محبيه.